ليالي الذاكرة في نسختها المئتين والسادسة والتسعين

ذكريات من مفاخر الطيارين

مريم رجبي
ترجمة: حسن حيدري

2018-11-09


خاص موقع تاريخ إيران الشفوي، عقدت مراسم ليالي الذاكرة المئتين والسادسة والتسعين، مساء يوم الخميس الموافق 25 من أكتوبر لعام 2018م في صالة سورة الفنية. حيث قام في هذا البرنامج كلّ من، حسين كاتوزيان وعلي رضا نمكي ومحمود محمودي ببيان بطولات الطيارين أبّان فترة الدفاع المقدس.

مهمة الشهر التي استغرقت سنة كاملة

كان الراوي الأول للبرنامج الطيّار حسين كاتوزيان. حيث قال:« قبل شهر من الحرب، كُلّفتُ بمهمة من قبل رئاسة الجمهورية آنذاك والقائد الأعلي للقوات المسلحة للذهاب إلى شيراز لفترة شهر. في اليوم الأخير من مهمتي بالضبط، تم تكليفي بتسيير طائرة للصيانة إلى طهران. تم إصلاح الطائرة وكان من المقرر أن تعود إلى شيراز في الساعة 5 بعد الظهر. في الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم نفسه [22سبتمبر عام 1980م]، اكتشفت أنها تعرضت للهجوم في مطار مهرآباد والمطارات الأخرى في البلاد. وصلت إلى المطار وأدركت أنه في المكان الذي توقفت فيه الطائرات، تم إحراق  طائرة من نوع 707 وأدت آثار القصف التي ألقيت هناك، إلى إلحاق أضرار بطائرات أخرى، بما في ذلك الطائرات التي اضطررت إلى إصلاحها فيما بعد. طلبت من طاقم الطيران إصلاح الطائرة قدر الإمكان باستخدام مادة لاصقة خاصة تقاوم غلاف الجسم. أعد طاقم الرحلة مسار الرحلة على المدرج حتى أتمكن من الطيران. طرت إلى شيراز على علو وسرعة منخفضتين. ربما كان شرف لي أن أكون طيار لأول طائرة ظهرت بعد الهجوم البعثي في سماء إيران. سافرت بالطائرة إلى مطار شيراز بأمان. رغم يوم مهمتي الأخير في شيراز، وافقت على البقاء في شيراز لمدة عام.

بدأت مهمتنا في شيراز. كنت فخورا لجلب ساعي خاص إلى طائرتي الشخصية إلي القواعد العسكرية. دشنت غرفة في مقر سلاح الجو سميت غرفة الحرب يتجمعون في هذه الغرفة أصحاب الخبرة والإختصاص ويصوغون برنامج الحرب. يكتبونه بقلم رصاص ويضعونه داخل الظرف المطلي باللون الأسود الداخلي وغير ظاهر للعيان حتى أمام الضوء . يتم وضع هذه المجموعة من المهام داخل حقيبة خاصة تحتوي على الرمز في الوجهة. كانت مهمتي هي نقل هذه الشحنة إلى مطار مهرآباد بين الساعة 3:00 و 4:00 بعد الظهر علي متن مروحية.  وتوليت أيضا مهمة القواعد الشرقية للبلاد.  ذهبت إلى بندر عباس من مطار أصفهان. بعد أن أنجزت المهمة، ذهبت من هناك إلى بوشهر. لسوء الحظ، كانت جميع البعثات مصحوبة بنيران المدفعيات ومن هناك ذهبنا إلي شيراز. بدأت مهمتنا في حوالي الساعة الثالثة أو الرابعة ظهراً من مطار مهرآباد حيث انتهت في الساعة 12 ليلاً. أستمريت بهذه العملية،حيث استطعت في الستة أشهر الأولي من الحرب أن أكون بين طياري القاعدة الأولي في مهرآباد والقاعدة السابعة في شيراز، كما حصلت علي الرتبة الأولي بفارق 19 نقطة عن الشخص الثاني ومنحوني وسام ترقية خارج من الدور. علاوة علي هذه المسؤولية، قبلت أن أصبح ضابط السلامة في القاعدة السابعة وتركت خدمات جيدة هناك.

أتذكر أنّ إحدي طائراتنا التي تنقل الوقود أقلعت في منتصف الليل من المدرج رقم 13 من مطار شيراز. كانت تلك الطائرة ثقيلة جداً واصطدم جناحها في نهاية المدرج بإحدي أبراج حفر الآبار. اقتطع حوالي 4 أمتار من جناج هذه الطائرة من الناحية اليمني... ذهبت هذه الطائرة 707 في مهمة. عندما أرادوا تزويدها بالوقود من الناحية اليمني، انتبهوا إلي عدم وجود جزء من الجناح. هبط الطيارببراعة، على الأرض في الساعة 7 صباحاً. بدأت مهمتي في قسم صيانة الطائرات. أعددت صور ومقاطع فيديو، لذلك عندما سألني القائد: ما الجديد؟ شرحت جميع الأوضاع مع الأفلام، وجلبت معي للقاعدة تلك القطعة.

في إحدى مهماتي، تعرضت لحادث كبير جداً، وعلى إحدى الرحلات من الأهواز إلى شيراز، في الطريق، اصطدم الجزء الأيمن من جناح الطائرة بطائرة صيد. بالاشارة تبادلنا التحية وحينها ذهبت و هبطت في مطار شيراز. بعد تلك الحادثة باسبوع وفي حفل عائلي، قام نفس الطيار باستضافتنا. ودون أن يعرف هويتي، كان يحكي ما حدث له عندما قام باستطلاع جوّي. وأخبره الرادار أنّ هناك طائرة من طائرات العدو تقترب من المراكز المهمة في البلاد وعليه أن يستعدوا لإسقاطها. لقد اقترب منّي ولم يعرفني علي الإطلاق. حدثت مشادّة كلامية بين طيار القائد وطيار الكرسي الخلفي، لأنّ قائد المقعد الخلفي يأمر عدة مرات بإطلاق النار، لكنها إرادة الله لم يعمل الزر. في النهاية حدث نزاع بين الطيارين وقال إذا لم تضغط علي الزر، سأجبر علي تقديمك للقادة لحظة هبوطنا، ناهيك عن أمور أخري. إذا ما قامت طائرة الصيد بفتح النار، بسبب ضخامة  طائرتي، ستصيبني دون شك».

رواية بطولة رضا لبيبي

كان الراوي الثاني في ليالي الذكريات ،الأستاذ طيار الفانتوم الحربية. شهد فكّ الحصار عن مدينة آبادان وأحد طياري قاعدة  بوشهرالجوية. قال الطيار علي رضا نمكي :« ذكريات سلاح الجو عن الحرب مختلفة جداً مع ذكريات القوات البرية والبحرية.عندما يصل الطيارون إلي الأهداف المنشودة، وهي مواجهة وجهاً لوجه، كما يمكن القول إنها حرب شخص مع عدة أشخاص. كانت للقوة الجوية مهمتان: مهمة إستراتيجية ومهمة تكتيكية. في البعثات الإستراتيجية، أردت أن أذهب إلى الليدربورد لكي أقوم بقصف المصفاة. كنت بحاجة إلى دعم لإطلاق النار وكان على الطائرات الأخرى المجيء معنا. يجب أن تكون لقائد الفئة قدرة الحصول علي المعلومات والأخبار. كنا بالتأكيد في حاجة إلى الدعم المستمرحتى إذا سقط طيار في أراضي العدو، سيعرف ما يجب القيام به من قبل طيار المروحية.

كان لدينا طيار شجاع وفريد من نوعه يسمّي رضا لبيبي. في رحلة مشتركة، قاموا باستهداف طائرته وأسروه. بعد فكّ أسره وصل إلي مناصب عليا في إيران، حيث كان طياراً شجاعاً للغاية. لقد عرضوا استهداف مركز للبترول وقالوا إنه يجب تدميره بالكامل. هاجمنا مركز النفط ثلاث مرات، وفشلنا مرتين، ولم نتمكن من ضربه، لكننا نجحنا في المرة الأخيرة، حيث اشتعل بالنيران لمدة أسبوع. كان من المفترض أنا ورضا  أن نقوم بهذه المهمة معاً. لقد تدربنا علي هذه المهمة بطائرتين طيلة خمسة أيام، وفي اليوم السادس بدأنا مهمتنا. الشخص الذي كان يقوم بإعداد رحلة الطيران  لنا والذي أصبح رئيساً بدلاً من محمود ضرابي، جلس في المقصورة الخلفية. كان اخصائياً في مجال الليزر وبامكانه أن يضع أشعة الليزر علي الأهداف المنشودة. كان مع رضا لبيبي قنبلتين بقيمة ألفي  جنيه. انطلقنا بصمت مطلق و حلقنا بارتفاع منخفض طيلة الطريق، بشكل لم يتمكن الرادار العراقي من كشفنا وتحديد مكاننا. حلّقنا بهذه الطريقة نحو الهدف. لقد ضربنا مرة هذا المركز النفطي وهذه المرة أردنا تفجير بناياته. تماما كما دفعت طائرة ضوء الليزر إلى الهدف وإحدي الطائرات تسقط القنابل عليه. تبعت القنابل شعاع الليزر وتؤكد إصابة الهدف بدقّة. كنا علي متن طائرتين. وصلنا إلى الهدف ثم انفصلنا. وزدنا الارتفاع وفقًا للتكتيك الذي توقعناه. كل شيء كان يسير وفقاً للخطة. إذا كانت هناك مشكلة، يجب أن أخبر رضا أن يتوقف عن القصف. اطلقت الليزر ورضا قصف القنابل و ارتفع بطائرته إلي الأعلي. رأيت صاروخاً يتبعه. حاول الهرب من الصاروخ. كان ارتفاعي كثيراً ومع توجيه الصواريخ عليّ لم يتمكنوا باصابتي. تابعت اصابة الأهداف المنشودة، رأيت اصابتها جانب الهدف. قلت لرضا:الصاروخ خلفك، الشخص الذي كان جالساً في المقصورة الخلفية، أخرج رأسه من جهاز الإستهداف حتي يتفادى الصاروخ، في حال أنني كنت طياراً و إذا ما أراد الصاروخ أن يصطدم بنا، سأقوم بقيادة الطائرة ولن أسمح بوقوع تلك الحادث. للأسف أهدرت تلك القنابل. لقد شعرت بالحزن وفتحت النار علي الأهداف و تشاجرت مع طيار المقصورة الخلفية وقلت له لماذا أهدرت الهدف. الطيارون، حتي أولئك الذين كانوا مهنيين،علي الهدف، يجب أن لايفكروا بأي شيء آخر باستثناء القيام بالمهمة.

في عمليات أخري كان من المقرر أن نقوم بقصف مصفاة. كان رضا يرافقنا في مجموعة الطيارين المتقدمين. وصلوا للأهداف وقصفوها، لكن قصفوا حينها رضا. قال لي قبل أن يذهب «لا أطيق الحرب ، لقد تعبت كثيراً» تم أسره في ذلك اليوم و بقي لحوالي عشر سنوات في الأسر. ذهبنا بعدهم وقصفنا تلك المصفاة».

صعوبة الأسر والزملاء المرافقون

وتحدث العميد الطيار محمود محمودي. قائلاً: «أفراد مثل الشهيد أكبر بوراني كانوا إلي درجة عالية تحت الضغط في فترة الأسر حيث فارقونا بسهولة بعد إطلاق سراحهم. كنت أقول له دائماً أنّ الله قدّر لك الأسر حتي تكون عوناً لنا. كان إنساناً نموذجياً. لقد خلق الله يديه للإبداع الفني. خياطاً، وطاهياً ومعماراً وبنّاء وحدّاد ورساماً وخطاطاً. كان يعرف ويجيد هذه الفنون بمستوي عالي . في الحقيقة تم أسره لكي يعتني بنا. عندما كنت أقوم بمهامي في قاعدة همدان، كان لي الفخر أن أكون مرافقاً له هناك حيث كنت من حيث الترتيبات الروتينية قائداً للكتيبة. كنت في قاعدة بوشهر في خدمة الأمير ، علي رضا نمكي. كان من بين الطيارين المهرة ولديه طلعات جوية رائعة. كان شاباً رشيداً ومثالياً حيث أشاد بالسيد أمير لبيبي بشكل جيد وفي محله. في الحقيقة كان حقاً طيارا نموذجيا. كنت أفخر لأنني كنت أعمل إلي جانبهم.

سأذكر لكم هنا إثنين من المقاتلين كانا معي طيلة 10 أعوام وفُقدا: الأمير الطيار يوسف أحمد بيكي والأمير الطيار محمد حدادي. كنا حوالي 28 طياراً و30 من غير الطيارين وكما يزعم صدام أنهم قد وضعونا داخل الأكياس. كنت قائداً لفئة تم أسرها. في البداية وضعونا في قسمين مختلفين. كما أنهم لم يسمحوا لنا أن نخرج معاً ولكن عندما خرجنا من هناك، كنا نتحدث عن طريق النوافذ الصغيرة التي كانت موجودة. من خلال المتابعات والصراعات التي حدثت بيننا وبين مسؤول السجن، فتحوا الباب الذي كان بيننا وبين ذلك القسم وسمحوا أن نلتقي. كنا نأتي ونجلس في غرفة واحدة ونخرج معاً أيضاً. زاد تعدى وقت خروجنا الساعتين في الأسبوع،  حصلت هذه القضايا بعد المتابعات والإضراب عن الطعام بشكل مستمر.هؤلاء الصديقين كانا نموذجاً للصبر والمقاومة حيث أنني كقائد، لم أشعر طيلة فترة الأسر بأي مشكلة أو قضية تذكر.

بصرف النظر عن أنني قضيت عامين في الدراسة الجامعية للطيران في الولايات المتحدة، ذهبت إلى العمل مرتين خلال مسيرتي المهنية.  بداية كان لمدة ستة أشهر للحرب الإلكترونية والمعلومات العملية. شملت عملية المخابرات الأسر واحتجاز الأسرى والاستجواب ومقاومة الاستجواب. بناء على أمر قائد القاعدة التي كنت أعمل عليها، اضطررت لتعليم الطيارين حوالي 15 دقيقة في كل مرة تدربت فيها في الصباح لمدة ثماني ساعات. كان التدريب التجريبي مهم جدا في الأسر. الطيارون الذين قدمنا لهم التعليمات اللازمة، يعلمون أنه لايمكن قتل الأسير في حالة الأسر، للأسير مكانة رفيعة، أولاً إنه مصدر مهم للمعلومات وثانياً في تبادل الأسري، إحصاءات الأسري مؤثرة جداً. منذ بداية أسري حتي الـ 7 من فبراير لعام 1981م، بقيت لحوالي مئة يوم في الزنزانة وحيداً وبعد ذلك التحقت برفاقي. عندما التحقت ببقية الأسري، رأيت بعض الطيارين وبسبب عدم معرفتهم بقضية الحفاظ علي الأسري، قاموا بأعمال تضرروا منها. هم (العدو) يقومون بنزع جلد ولحم الأسير لكنهم لم يبادروا بقتله».

وقال السيد محمودي: «أبلغ من العمر 75 عاماً و ولدت في مدينة ساري. دخلت كليّة الطيران في عام 1965م. تم إرسالي إلى الولايات المتحدة بعد تخرجي من الدورات الأولية واجتياز التدريب الأساسي على الطيران ـ حيث قاموا الأمريكان باختبارنا في مجال الطيران واللغة - وأمضيت عامين في مواصلة تدريبي على الطيران هناك. عندما عدت إلى طهران، كلفت بالذهاب إلي كتيبة F-5 في مهرآباد. انتقلت في عام 1967م أو 1968م إلي كتيبة فانتوم للصيد. كما انتقلت عام 1970م إلي همدان وأصبحت ضابطاً علي مقاتلة الصيد حتي ذهبت إلي بوشهر وأصبحت قائداً للكتيبة و لي الفخر بعملي مع السيد نمكي. كنت رئيساً للقاعدة في مهرآباد و في تلك الأيام شن صدام فيه هجوماً علينا، وصلت إلي منزلي في حوالي الساعة الثانية ولم أخلع ملابسي حين اتصلوا وقالوا : إرجع فوراً للقاعدة، قاموا باستهداف جميع قواعدنا. ذهبت لمهرآباد ورأيت أنّ جميع المقاتلات التي كانت هناك لم تتضرر، لكن استهدفوا الطائرات التي كانت متواجدة أمام ورشة التصليح. جميع الوحدات الجوية والعسكرية في جميع أنحاء العالم ، لأفضل بلد مجاور وأصدقائهم، تتنبأ بأنّ هذا الجار سيكون عدوهم في يوم من الأيام. و بما أنّ العراق كبلد جار ونحن علي دين واحد، فجأة هاجمنا صدام في ظهيرة يوم 22 من سبتمبر لعام 1980م و قصف قواعدنا العسكرية.

كانت لدينا دائماً خطط وبسبب الدورات التي ارتدتها، كنت أحد أعضاء كتّاب الخطط والأطروحات. وبناءً على تلك الخطط، أطلقنا عمليات بالطائرات الجاهزة، وهاجمنا قواعدهم في صباح الأول من أكتوبر. بما في ذلك الهجوم على قاعدة الرشيد، الذي قمنا بمهاجمتها من خلال ثمانية  طائرات انطلقنا من قاعدة في طهران، وكان لي الشرف أن أكون علي متن واحدة من تلك الطائرات. كنت أدعم قواتنا في عدة بعثات محمولة جواً في آبادان وأهواز المحاصرتين من قبل القوات العراقية. ولأننا كنا في أول يوم نذهب فيه إلى العراق لإجراء العمليات، فقد واجهتنا مشكلة في الوقود، وعندما عدنا إلى مهرآباد، تم تشغيل مصابيح الإنذار للبنزين. عندما عدنا إلى الهواء لشحن الوقود، كنا كثيرين لدرجة أنني لم أتمكن من البقاء في دورة إعادة التزود بالوقود كثيراً ، لأنه كان من الممكن ألا يكفي وقود طائرتي لإيصالي لطهران. كانت الظروف علي هذا المنوال و وقف طيارونا وقفة رجل واحد وقاتلوا ببسالة وشجاعة و لم يسمحوا لصدام بالمناورة .عندما كنت في الأسر، كنت أسمع صوت هذه الطائرات التي تأتي لقصف قاعدة الرشيد. عندما اسمع صوت تلك الطائرات أشعر بالفخر وتنتابني نفسيات رفيعة. علي أية حال بعد مرور عشر سنوات، أقل بسبعة وعشرين يوماً، عدت إلي إيران كمفقود الأثر. بعد بقائنا لخمسة أو ستة أيام في الحجر الصحي، قاموا بتسليمنا لأُسرنا».

وأضاف:« منذ اليوم الـ 17 من أكتوبر وحتي الـ 7 من فبراير لعام 1981م والتي التحقت فيها بجمع الأسري، كنت وحيداً في الزنزانة ومررتُ بأوقات عصيبة للغاية.عندما يأتي مسؤولو الأسري و يعطوننا الطعام والثلج والأدوية من قبل صدام، لم أقبل تلك الهدايا، لأنني كنت مطلعاً علي قوانين جنيف. الجنود العراقيون يشكرونني علي عدم قبول الهدايا، حيث يقومون باستلامها. كانوا يطلقون علي صدام، القائد الأعظم و أنا أناديه بصدام حسين. كنت احتج عليهم بسبب عدم السماح لنا بزيارة القسم الآخر الذي يتواجد فيه عدد من غير الطيارين. لماذا لا نرتبط بعوائلنا ونتبادل معهم الصور؟ قبل أن ننفصل، كنت مع أصدقاء لفترة عام كامل ومن ثم قاموا بفصلنا عن بعضنا. نصف الأفراد، من ضمنهم أنا وصديقي الذي أسميته من قبل، كنّا في سجن أبوغريب والنصف الآخر نقلوهم إلي مكان آخر. كل من ذهب إلي المخيم، ووفقاً للعلاقات التي يمتلكها، يذكرنا في رسائله حتي تكون عوائلنا بعلم عن وجودنا. ومن هو مثلنا مفقودي الأثر،لانتمتع بأي ميزات عن الآخرين. مني أنا الضابط حتي الملازم. كما كان أفراد من القوة البحرية بيننا أيضاً. كما كان الطيار الشهيد لشكري معنا. كان أول شخص تم أسره. لقد ذهب برفقة الملازم نعمتي للإستطلاع نحو المناطق الحدودية وقصفهم مضاد الطائرات العراقية. لقد سيطر العراقيون في ذلك الوقت علي بعض نقاط التفتيش على الحدود، وكان صدام حسين قد انتهك أراضينا.استشهد السيد نعمتي و تم أسر السيد لشكري. عندما تم إطلاق سراحنا، قاموا بتوقيف السيد لشكري. قاموا بإطلاق سراحه بعد ثمانية أعوام من فكّ أسرنا وبسبب ضغوط الأسر،توفي بنوبة قلبية».

وقال السيد محمودي في نهاية كلمته:«كانت أرضية فناء سجن الرشيد الذي كنا نتواجد فيه، من الرمال. لم يسلموننا البسطال. كان اسم إبني وسام و يطلق عليّ العراقيين أبي وسام. كنت على وئام كبير حيث يقولون لي باباسامي. أكبر نوراني الذي يعرف كل شيء، قال لي:إذا كان بامكانك أن تأخذ منهم الأدوات اللازمة، سأقوم بتبليط هذه المساحة بالإسمنت. كان لدينا مسؤول شيعي عربي تربطنا به علاقات وطيدة. طلبت منه أن يأتينا بالرمال حتي نقوم بتبليط ذلك المكان. زملائي المقاتلين الذي عرفتهم من قبل، نقلوا أكياس الرمل و الإسمنت إلي داخل الفناء و نحن نقوم بتفريغه وأكبر بوراني كالمهندسين يقوم بتبليط الساحة. فتح طريق مائي لتتجمع فيه الأمطار. الشرطة الذين جاءوا لزيارة السجن، سئلوا باستغراب من قام بهذا العمل، قام ذلك المسؤول الشيعي بتعريفنا إليهم وقال : هؤلاء من قاموا بهذا العمل. سألوا الشرطة، أليسوا هؤلاء طيارون؟ كيف قاموا بهذا العمل؟ لقد أشار نحو أكبر بوراني وقال، إنهم قاموا بهذا العمل تحت إشراف هذا الشخص. في نهاية المطاف أجبرناهم لكي يعطوننا أحذية مناسبة. في بداية الأمر،كانوا يسمحون لنا أن نتمشي يومين خلال الأسبوع، لكن بعد ذلك كان لنا الوقت الكافي من الصباح حتي المساء ونحن نبرمج أوقاتنا و نلعب كرة القدم لفترة ساعة و نخصص ساعة لكرة السلة كما يكون الوقت الكافي لباقي الأفراد للعدو والمشي أيضاً. جميع هذه الأعمال قمنا بها بدعم من هؤلاء الأصدقاء و نفخر بوجودهم. كانت أكبر ميزة فيهم، هي أنهم لم يطلب شيء علي الإطلاق، حيث إذا طلبوا أي شيء، يجب عليهم أن يلتمسوا العراقيين. نأكل نفس الكمية التي تصل لنا ونشكر الله علي ذلك. كما نقوم بثرم اللحوم التي يعطونها لنا بأوان بلاستيكية ونأكلها فيما بعد. كان السيد أكبر بوراني يعدّ الطعام بتلك اللحوم. كان المسؤولون العراقيون يقولون لنا، تعتقدون كم ستبقون هنا لكي تطلبون منّا هذه القضايا؟ قلت لهم:  نحن نسير علي نهج الإمام علي (عليه السلام) ونعيش بشكل كأنما سنرحل عن هذه الدنيا في أي لحظة و أيضاً كأنما نعيش أبد الدهر في هذه الدنيا.

كنت ولازلت أعشق كرة القدم. في إحدي المرات كنا نلعب وكان الطيار حسين ذوالفقاري في الفريق الآخر. قفزنا مع بعض لكي نضرب الكرة. لكن ضربة قوية أصبت فيها بالنخاع ودخلت في غيبوبة . حفظه الله، كان أحمد كُتّاب أسير معنا،علي أساس الذكريات التي سردتها لي زوجتي فيما بعد، بعد أن سقطت علي الأرض، وضع يده في فمي حتي يقي من انسداد فمي وعودة لساني إلي الداخل و من اختناقي إثر ذلك الحدث. لفترة مديدة بقيت آثار أسناني علي يده. بعد تلك الحادثة أصبت بمشاكل في البصر. كانوا يعطوننا تمرتين طيلة الأسبوع وأنا أحب التمر بشكل كبير. جاء أكبر نوراني نحوي وقال : يا ابا سامي هذا التمور الأربعة من نصيبك حيث قلت له:  أكبر أنت تخدعني. أنت تعلم بمشاكلي في البصر وجئتني بتمرتين وتقول أربعة وحينها كان أكبر يضحك من كلماتي. في نهاية المطاف وبعد ضغوط من السجناء و إضرابهم عن الطعام، أخذوني للمستشفي وبقيت أسبوعاً كاملاً تحت إشراف الطبيب. أخذوا أشعة من رأسي و من حسن الحظ لم تكن لدي إصابة دماغية. بعد عدة أيام فتحت عيني في الصباح الباكر و رأيت المصباح واحداً».

في نهاية هذا البرنامج،أزيح الستار عن كتاب «نقش علي السماء» والذي يحتوي علي ذكريات العميد الثاني أكبر صياد بوراني، بحضور زوجة الراحل.

أقيمت مراسم ليالي الذكريات للدفاع المقدس المائتان والسادسة والتسعون، بجهود مركز الدراسات وبحوث ثقافة الأدب والالتزام ومكتب الآداب وفن المقاومة، في يوم الخميس الموافق الخامس والعشرين من أكتوبر لعام 2018م في صالة سورة الفنية. سيقام البرنامج الآتي في الـ 22 من نوفمبر المقبل.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 104


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

التاريخ الشفهي والمزيد من الإهتمام بالتفاصيل

يتشكّل النص التالي على أساس قضية وتركيز وهما: ما هي الأعمال التي تدخل ضمن التاريخ الشفوي تأتي كنموذج لبقية الاعمال؟ لماذا تحتوي هذه الكتب على أنماط وما هي خصائصها؟ قال الكاتب والباحث في مجال التاريخ السيد قاسم ياحسيني معالجاً هذا الموضوع: لحسن الحظ ، إذا ما أردنا أن نتحدث عنه بدقة أكثر، يجب أن أقول إنّ الذكريات الشفهية نمت بشكل كبير في مختلف المجالات. لذلك الآن، و في أنواع مختلفة، يمكن توضيح الذكريات الشفهية بأمثلة متعددة. قبل بضعة أيام، قمت بتصنيف
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر