من «سهل ليلي حتي جزيرة مجنون» مع ذكريات المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس

شيما دنيادار رستمي
ترجمة: هادي سالمي

2018-10-26


يمكن القول اليوم ،أنه وبعد مرور ثلاثين عاما من الحرب التي فرضها جيش صدام حسين على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إن الذكريات الشفوية لمعظم الفئات والجماعات في الدفاع المقدس قيلت في جوانب مختلفة، وبعضها كتبت في إطار التاريخ الشفهي. مع ذلك، نعرف القليل عن تواجد المقاتلين الأفغان في ساحات الحرب آنذاك.

كتاب :«من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون: ذكريات المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس» والذي يعتبر أول عمل يعتني بذكريات هؤلاء المقاتلون. قام السيد محمد سرور رجايي بدراسة وتحرير هذا الكتاب، كاتب من أصول أفغانية حيث يعرف وسط المجتمع الإيراني كشاعر وصحفي. وُلد العام 1969م في مدينة كابل واجتهد في مشواره الدراسي. منذ عام 1984م وبعد أن أصبح عضواً في إحدي الأحزاب الجهادية الأفغانية، إنهمك بالأعمال الثقافية و شد الرحال إلي إيران عام 1994م.

للوهلة الأولى يمكن أن نعترف بأن كتاب «من سهل ليلى إلى جزيرة مجنون» حظي بتصميم جيد ورائع. وهذا ممكن أيضا مع المراجعة الأولية للكتاب، لأن الجمهور على الصفحات الأولى يرى صورة لرسالة ولوحة طفولية كتبها طفل أفغاني مهاجر للجنود في الدفاع المقدس، وهذا يؤثر على شغف القارئ لقراءة الكتاب.

يبدأ المؤلف كتابه «من سهل ليلي إلى جزيرة مجنون» بمقدمة مفصلة، يلخص من خلالها تاريخ مقاومة الشعب الأفغانية  وظهور وانحطاط القوى والدول في هذا البلد.

كما تم تخصيص أجزاء من مقدمة الكتاب للجهود التي يبذلها الكاتب لإرضاء الرواة لتسجيل الذكريات. ويعتقد أن المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس لديهم رغبة ضئيلة في التعبير عن ذكرياتهم. نقرأ في جزء من مقدمة الكتاب (صفحة 25): «إن المقاتلين الأفغان من الأهواز والفاو وجزيرة مجنون في الجنوب، وحتي مرتفعات بازي دراز وجبال ريجاب ودالاهو، هناك أفراد مثل نوسود وناوجه بيما وكلي كادر  تواجدوا في غرب إيران وأيضاً تسللوا داخل الأراضي العراقي. وقد تم بالفعل نشر العديد من هذه المقابلات في مجلة  الطريق (راه). لكن عندما أعدتها بتأمل للكتاب، أجريت مقابلة إضافية لإصلاح بعض النواقص فيها . آمل أن يكون هذا الكتاب سبب ليطلع من ليس لديه خبر عن «صمت ليلتنا الباردة نحن من قدم الشهداء».

و بالنظر إلي أن موضوع كتاب «من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون» يرتكز علي ذكريات الشعب الأفغاني، للحفاظ على أصالة المقابلات، حاول المؤلف الحفاظ على المفردات والمصطلحات وبنية جمل الراوي قدر الإمكان، وقبل تقديم«المقدمة»، في قسم بعنوان«المستهل»، وهو قاموس قصير للتعبيرات والكلمات المتكررة  في جميع أنحاء الكتاب حتي يساعد ذلك علي القراءة السهلة والمبسطة.

الفصل الأول من كتاب  «الدم المشترك» هو نظرة سريعة على استجابة أفغانستان للثورة الإسلامية والدفاع المقدس لإيران. إن تقديم هذا السجل التاريخي للجمهور يساعدنا على فهم أفضل لذكريات المقاتلين الأفغان في حرب العراق التي فرضتها ضد إيران. وصف الكاتب انقلاب عام 1978 في أفغانستان وانتصار الثورة الإسلامية في دلو (بهمن) في نفس العام حيث كانا حدثين مصيريين في عام 1978 التي أثرت على الشرق الأوسط بشكل كبير.

طريقة حدوث الثورة الشيوعية في أفغانستان، وطريقة مواجهة إيران بعد الثورة مع أفغانستان الشيوعية، ودعم الإمام الخميني لانتفاضة المسلمين في أفغانستان، ودخول الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان ، وهجرة المسلمين الأفغان إلى إيران وباكستان، ووجود المجاهدين الأفغان في الدفاع المقدس، أحد المواضيع المذكورة في الفصل الأول من الكتاب. نقرأ في جزء من الصفحة 36 من الكتاب: «على الرغم من أن الثورة الإسلامية كانت معروفة بالشعار الأبدي لاشرقية ولاغربية جمهورية إسلامية، لكن زعيم الحزب الشيوعي الحاكم في أفغانستان، نور محمد تركي ، كان لديه فكرة أخرى. بعد الإطاحة بالحكومة الموالية لأمريكا في إيران، كان يعتقد أن الثورة الإسلامية في إيران كانت أيضاً نوعاً من الثورة العمالية، لذلك، أرسل رسالة تهنئة إلى الإمام الخميني (رحمه الله) كما لم يرد الإمام على هذه الرسالة بسبب معرفة طبيعة الحكومة الشيوعية وقادتها».

كما يجب أن نتقدم بالشكر الجزيل للمؤلف علي إزالة الغموض في هوامش بعض صفحات الكتاب. فهو لم يقم فقط بتبيين بعض المصطلحات، أو الأماكن، أو المعتقدات ، أو الأحزاب ، أو الحركات، أو الأدوات، أو أنواع الأسلحة فحسب، بل حتى تم تبيينها  أحياناً من هدفه وغرضه الرئيسي للتعبير عن موضوع معين.

كما كتب مؤلف كتاب «من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون» في (الصفحة 44) دراسة وتحليلا عن سبب وجود المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس قائلاً:« بعد انتشار الجهاد والمعارضة العامة للشعب الأفغاني للنظام الشيوعي والقوات الغازية السوفيتية، تغيرت تكتيكات المجاهدين أيضا. إيران وباكستان ، سارعت بدعم الأحزاب الجهادية لمساعدة الشعب الأفغاني. لقد دربوا المجاهدين وزودوهم بالأسلحة العسكرية وقدموا لهم الدعم اللوجستي[1]. على الرغم من أن الدولة الباكستانية لم تنخرط في الحرب، إلا أنها حافظت على أحادية الجانب في دعم المجاهدين الأفغان، الذين يدعمون دائماً الأحزاب السنية الجهادية، ولم يقدموا أي دعم واضح للأحزاب الجهادية الشيعية. استمرت هذه السياسة الخلافية حتى  نهاية الجهاد. عندما اكتسب المجاهدون الأفغان مهارات عسكرية في قواعد التدريب العسكري الإيراني، ذهب معظمهم إلى الجبهة الإيرانية لأغراض دينية حيث كانوا يسعون إلى كسب المزيد من الخبرة في الحرب.  لكن السبب الرئيس لوجودهم في جبهات إيران كان الدافع الديني وطاعة أمر الإمام الخميني (رحمة الله عليه)، لأن العديد من المجاهدين كانوا من مقلدي الإمام الخميني (رضوان الله تعالي عليه)».

وبما أن معظم الإيرانيين ليسوا على دراية بجهاد الشعب الأفغاني، فإن دراسة الفصل الأول من الكتاب، الذي يحلل العملية التاريخية لنضالات الشعب الأفغاني ضد الحكومة الشيوعية وضد احتلال بلادهم من قبل القوات السوفيتية، يمكن أن تساعد في تعزيز رؤى الجمهور حول جهاد الشعب الأفغاني.

نهج الكاتب هو معالجة قضية المقاتلين الأفغان الموجودين في الدفاع المقدس بطريقة تعرفهم كمقاتلين بلا حدود وجهاديين في سبيل الله. في بعض الأحيان يولد المقاتلون في قرى نائية في وسط أفغانستان، لكن شهاداتهم تسجل خارج حدود إيران وداخل العراق. لذلك، ليس غريباً أن يكون أول شخص أصبح شهيداً تم تسميته من وجهة نظر الكتاب على لسان شقيقه (حميد رضا سعيدي) في نهاية الموسم الأول هو شهيد إيراني في الجهاد الأفغاني يدعى «أحمد رضا سعيدي».

بعد أن يذكر الراوي (حميد رضا سعيدي) باختصار هجرة شقيقه إلى أفغانستان، في الصفحة 53 من كتابه، نقرأ: «عندما بدأت الحرب بين إيران والعراق، كان أحمد في أفغانستان، وكان الله يريد أن يستشهد هناك.  خبر شهادته كان غير متوقع. كنت قد عدت للتو من الإجازة و طرق باب المنزل آنذاك. عندما فتحت الباب، قابلت العديد من أبناء الحرس الثوري من مكتب حركة التحرير.  قدموا نحو البيت وسلموني الحقيبة وقالوا : «لقد استشهد أخينا سعيد في أفغانستان ودفن هناك. كان الخبر مريراً جداً وصعب تصديقه ...»

في بداية كل المقابلات التي أجراها معه، أحضر محمد سرور رجائي صورة بالأبيض والأسدو لراوي تلك الذكرى، ثم ، ك «شخص أول»،  سرد القليل من قصة تعرفه مع الراوي، وبعد ذلك، سجل مذكرات الراوي  أثناء وجوده في جبهات الدفاع المقدسة. ونتيجة لذلك ، قال 17 راوياً أفغانياً أسباب وجودهم في جبهات الدفاع المقدسة، حيث تمت تسمية الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان «من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون».

مقابلات الكتاب ليست علي نمط الأسئلة والأجوبة، والراوي هو أيضاً أول شخص يعبر عن ذكرياته في نهاية كل مقابلة، كما وثقت الصور الملونة وجود المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس.

في الصفحة 355 «من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون» في جزء من ذكريات السيد ناصر قايني حول حضوره في جبهات الدفاع المقدس، جاء :« كان والدي الراحل رجل دين ولديه معتقدات دينية صلبة. قال لي في يوم من الأيام :« يا ناصر، في الوقت الراهن تم نسيان أمر الجهاد و في ظل هذه الظروف، لا توجد قيمة للشهادة. من الأفضل أن تختار طريقة أخري». قلت وداعا لجبهة أفغانستان بناء على مشورة أبي و ذهبت إلى إيران. كان هدفي من العودة إلى إيران، وهو اتقان الفنون العسكرية الجديدة وأعود إلى أفغانستان ثانية. لهذا السبب عدت إلى مشهد . ذات يوم استمعت إلى البث الإذاعي حيث بثّت رسالة الإمام الخميني (رحمه الله).كان مضمون الرسالة هو وجوب الذهاب للجبهة علي كل فرد مسلم. من يستطع يجب عليه الدفاع من الإسلام. تلك الرسالة حفزتني علي الذهاب إلى الجبهة. لهذا ذهبت إلي مسجد علي النقي (عيه السلام) في مشهد و سجلت كمتطوع تعبوي هناك. هذا ما جعلني أذهب إلي جبهات الجنوب و حتي إصابتي بالكيميائي بقيت ثلاثة عشر شهراً في ساحات القتال».

ينتهي الكتاب بمقابلة بعنوان «أبو ذر الأفغاني في حرب إيران» ، وهو الذي يعتبر الفصل الثالث والأثر المرفق. في هذا القسم، حوار مع محمد رضا حكيم جوادي، قائد لواء أبو ذر (لواء المجاهدين الأفغان) ، المتواجدين في الدفاع المقدس.

«من سهل ليلي حتي جزيرة مجنون : ذكريات المقاتلين الأفغان في الدفاع المقدس» أصدرته دار «كنج» للمعارف وعرض في الأسواق ككتاب ضمن مجموعة التاريخ الشفهي للجبهة الثقافية للثورة الإسلامية، في ألفي نسخة  و 524 صفحة وبسعر 27 ألف تومان.

-----------------------------

[1] تهجئة اللوجستيات في أفغانستان

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 125


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

التاريخ الشفهي والمزيد من الإهتمام بالتفاصيل

يتشكّل النص التالي على أساس قضية وتركيز وهما: ما هي الأعمال التي تدخل ضمن التاريخ الشفوي تأتي كنموذج لبقية الاعمال؟ لماذا تحتوي هذه الكتب على أنماط وما هي خصائصها؟ قال الكاتب والباحث في مجال التاريخ السيد قاسم ياحسيني معالجاً هذا الموضوع: لحسن الحظ ، إذا ما أردنا أن نتحدث عنه بدقة أكثر، يجب أن أقول إنّ الذكريات الشفهية نمت بشكل كبير في مختلف المجالات. لذلك الآن، و في أنواع مختلفة، يمكن توضيح الذكريات الشفهية بأمثلة متعددة. قبل بضعة أيام، قمت بتصنيف
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر