حوار مع شهناز دُميراني

ذكريات الرحلات الجهادية لبنت الأسرة الوحيدة

فائزة ساساني خواه
ترجمة: حسن حيدري

2018-10-26


 

كان جهاد البناء أحد المؤسسات الثورية التي تشكلت في الأشهر الأولى من الثورة بأمر من الإمام الخميني (رحمة الله عليه.  وكانت المؤسسة مصدر عون للعديد من الأشخاص المحرومين. قدم أعضاء هذه المنظمة العديد من الخدمات لشعوب مدن وقرى البلاد وبذلت جهوداً كبيرة للقضاء على الحرمان في أنحاء مختلفة من البلاد. توفير الاحتياجات الأساسية للمحتاجين وبناء الطرق للقرى ومعالجة المشاكل التعليمية والطبية والثقافية كانت من ضمن خطط هذه المؤسسة. مع بداية الحرب المفروضة، دخل نشاط جهاد البناء مرحلة جديدة . حيث ذهب عدد من أعضائها إلى مناطق النزاع لتقديم الخدمات هناك.

شهناز دُميراني هي واحدة من الفتيات الشابات اللواتي غيرن وظيفتهن منذ تأسيس هذه المؤسسة. مع اندلاع الحرب، ذهبت علي متن قطار هلال الأحمر إلى مناطق مختلفة، و قامت بتقديم الخدمات لمشرّدي ومهجّري الحرب المفروضة. التقى مراسل موقع التاريخ الشفوي الإيراني معها للحديث عن تلك السنوات.

منذ متى دخلتي جهاد البناء وماهي الأعمال التي قمتِ بها هناك؟

عملت أولاً في وازرة التجارة . بعد انتصار الثورة الإسلامية وفي أوائل عام 1980م ذهبت نحو جهاد البناء في إطار مهمة ما. كان عمري 24 عاماً آنذاك. كانوا يأخذوننا في شهر سبتمبر لنقوم بتلوين المدرسة . واحدة من المدارس كانت في إحدي أزقة مدينة طهران.  ثم أرسلونا إلى مكان كانت صيدلية الجهاد هناك وعلينا فصل الأدوية عن بعضها البعض.

 

 

عندما دخلت في جهاد البناء، تم تقسيمه إلى عدة لجان ثقافية واجتماعية وصحية و...إلخ.  هل تم تدريبك على فصل الأدوية؟

نعم.  ذهبت إلى لجنة الصحة. لم أتدرب من قبل. حيث علّمنا الأصدقاء الذين كانوا هناك ما هي مهمتنا. يتم فصل الأدوية التي جمعناها بمساعدة خمسة وستة من طالبات الصحة ورجل كان يسمّي السيد رسايي  و يشرف علي عملنا. كما تم تقسيمنا في صيدلية جهاد البناء. تم فصل أدوية الأعصاب والقلب والجهاز الهضمي، وما إلى ذلك.  كنت منشغلة في قسم الجهاز الهضمي.  قسّمنا الأدوية ووضعناها في السلال.  ثم نضعها في مكانها ثانية. بعض الأدوية كانت جديدة ، والقسم الآخر منها تم استخدامها من قبل.

في قطار هلال الأحمر

بعد فترة من الزمن، انتقلنا من مبني جهاد البناء في شارع بهار إلي شارع سمية و المبني الذي أصبح اليوم مبني وزارة الصناعة والمناجم والتجارة حيث يقع مقابل مبني دائرة الفن.

كنت متمرسة في مجال الحقن، لكني ذهبت إلى معهد باستور لمدة ثلاثة أيام لحقن اللقاح وتدربت هناك. كما تدربت علي حقن لقاح (ب ث ج).

نذهب في وقت مبكر من يوم الجمعة إلى صلاة الجمعة لجمع الأدوية. نضع خيمة هناك ونقوم باستلام الأدوية من المواطنين بعد إقامة الصلاة.

في إحدي المرات جاء الدكتور آية الله السيد محمد حسيني بهشتي لزيارة المجموعة، الذي أحب عملنا بشكل كبير.

اشرحي لنا المزيد عن زيارة الشهيد بهشتي للجهاد.

جاء السيد ناطق نوري، المسؤول عن الجهاد في تلك الفترة، إلى مكتبنا عدة مرات. في أحد الأيام، جاء الشهيد بهشتي لزيارة المجموعة.  قبل وصولهم، أمرونا بترتيب المكان. لم أنس كلامه هذا أبداً حيث قال: «ليس الجهاد داخل هذا المبني فقط. أن تكون جهادياً أي حتي إذا كنت تمشي في الشارع و طلب أحد المواطنين مساعدتك، يجب عليك أن تؤدي واجبك باللتي هي أحسن و لاتتخلّي عنه أبداً». مرة واحدة في زمن الحرب، ذهبنا لرؤيتهم برفقة الزملاء. كانت هناك اختلافات في الجهاد.  كان لدينا طبيب يدعى الدكتور سادات الذي كان حفيد آية الله صدوقي. التقينا بالدكتور بهشتي وذهب الجميع لرؤيتهم في القوة القضائية. قال لنا رجل يعمل هناك: « لايمكنه أن يعطي وقتاً لكم كلكم. أختاروا من بينكم ممثلاً واذهبوا إلى غرفته». كان من المقرر أن أذهب أنا برفقة الدكتور سادات و شخص آخر من أصدقائنا للقائه داخل الغرفة. سألنا:« هل أتيتم أنتم الثلاثة من قبل الجهاد فقط؟» قلنا رداً علي سؤاله: «كلا، ينتظر الآخرون خارج الغرفة». قال :«هذا يعتبر عدم احترام لهم. اذهبوا و تعالوا بهم إلي داخل غرفتي.» جاء كل الزملاء وابدوا بوجهات نظرهم.

ما هو الإختلاف الذي كان بين الأعضاء آنذاك؟

دخل عدد من أعضاء جماعة الحجتية في الجهاد، وكنا قلقين للغاية بشأن نفوذهم. من ناحية، كنا بحاجة إلى خبراتهم، ومن ناحية أخرى، واجهنا صعوبة في أفكارهم وعقائدهم. الشهيد الدكتور بهشتي عندما سمع أقوالنا قال:« نحن في حرب ونحتاج لخبرات هؤلاء الناس. نحن لسنا في موقف ضعف للقلق بشأن نفوذهم». بعدها قام بتعيين ممثل لنا حتي نتصل به اذا ما اقتضت الضرورة. بالطبع إنه نال درجة الشهادة الرفيعة بعد إسبوع إثر إنفجار قنبلة في حزب الجمهورية الإسلامية.

كيف تقيّمين معرفتك به في تلك الفترة؟

كان متواضعاً ومن جنس الناس. عندما رأيته عن كثب تحولت من حالة إلي أخري. عندما يري الإنسان سيمائه يتحول بالتأكيد.

في لجنة الصحة، كان واجبك فصل الدواء فقط ؟ برامجك أجريت في طهران فقط؟

كلا. كنا نعتني بالفقراء والمحتاجين أيضاً. كنا في يومي الخميس والجمعة نذهب إلي القري المحيطة بطهران أفران الطهي في ورامين وقرجك. يرافقنا طبيب ونحقن اللقاح للأطفال. كما كان بعض الأصدقاء يذهبون نحو دماوند أيضاً.

علي أي أساس كان يتم تحديد المناطق؟

يحدد مسؤولي جهاد البناء المناطق المحرومة ويقدمونها لنا. كنا مجموعتين. كانت إحدي المجموعات تزاول عملها يومي الخميس والجمعة والمجموعة الأخري تبقي لعدة أيام هناك. كنا نذهب صباحاً ونعود ليلاً. لم أبيت في الليل هناك. لأننا كنا نعمل في مبنى شارع سمية طيلة الأسبوع .المجموعات التي كانت تذهب إلي هناك، بعد العودة تقدم قائمة من الأدوية التي تحتاجها ومن ثم نقوم بإعدادها و إرسال طبيب معهم كذلك. عمل المجموعة هو أن يذهبوا الصباح نحو منطقة مصانع الفرن و يلقحون الأطفال. كانت إحدي صديقاتي تسمّي مريم بروجردي من ضمن هذه المجموعة. ذات مرّة عندما ذهبنا لتلقيح وتطعيم الأطفال في ورامين ومصنع الأفران، لم انتبه لطفل جالس في زاوية ما والذباب ينهش بجسده. أو في إحدي القري كان هناك رجلاً طاعناً في السن ويعاني من إعتام في عدسة العين ولم يتمكن من معالجة نفسه، كاد أن يفقد البصر. قمنا بعلاجه في طهرن حيث استضفناه لفترة من الزمن في بيتنا. شعر بعض الأطفال يعاني من وجود القمل، كنا نرتدي القفازات و نقوم بتنظيف شعرهم. كان يرافقنا للذهاب نحو القري طبيب يسمي ياريكر روش حيث كانت عيادته في خراسان و في الوقت الراهن يرأس مستشفي بهمن. كان الدكتور يطلب منّا أن نري المرضي في بداية الأمر وبعدها نقوم بتقديمهم له حتي لا نأخذ من وقته الكثير. كان الدكتور ياريكر روش يبحث عن المرضي الذين يعانون من أمراض حادّة. كنّا نقدم له الأفراد الذين يبدو عليهم المعاناة من مرضي ما أو مصابين بالحمّي. كان الدكتور ياريكر روش حاذقاً جداً ويفحص المرضي بسرعة فائقة. كان يفحص المرضي الذين ليسوا في صحة جيدة ويقول:«يجب أن يتم نقل هؤلاء إلي مستشفي طهران». طلبت لجنة الجهاد الثقافية منّا أيضاً أن نلتقط الصور أينما ذهبنا.  لم يعجب الدكتور ياريكر روش ذلك الأمر وقال: "ماذا يعني ذلك؟ ما هذه الأشياء؟ عليكم أن تنتهبوا إلي عملكم!»

كيف كان الوضع في مصنع الأفران؟

لم تكن هناك منازل تذكر... كانت منطقة نائية وتعاني من الحرمان والفقر المدقع. حيث يعيش الناس في غرف صغيرة جداً.

عندما ترون هذه الظروف والمشاهد،هل لا تؤثّر سلباً علي نفسياتكم؟

نعم. بالتاأكيد كانت تترك تأثيراً سلبياً علي نفسياتنا ليومين أوثلاثة أيام. كما كنّا نتفقد أحياء في طهران يعيشها الفقراء أيضاً ونبعث لهم الأطباء. في وقت مبكر جداً، وقبل بزوغ الشمس نذهب إلي تلك الأحياء. كانت هناك عائلة تعيش في طاحونة، تقع في المنطقة الرابعة عشرة في الوقت الحالي، في مكان يشبه الفندق الكبير والمظلم والذي أصبح كالأطلال. لم أظن أنه في طهران توجد مثل هذه المنازل المتهالكة. ذهبنا لحقن اللقاح. كتبنا تقريراً مفصلاً عن ظروفهم التي يمرون بها. بعد ذلك قاموا بإرسال أثاث منزلية ومواد غذائية و مفروشات لهم. كما قاموا بنقل عدد كبير من الفقراء إلي مبنيً يقع في شارع انقلاب. البعض منهم كان يمتلك العربات والعجلات والحمير. لكن بقي العمال هناك. الفقراء الذين نتعرف عليهم في طهران  سنتواصل معهم لفترة طويلة . أي نذهب نحوهم باستمرار و نسلمهم بعض الأثاث التي يحتاجونه أو هم يقومون بمراجعتنا و استلام ما يحتاجون إليه.

 

هل كان القرويون يستقبلون الجهاديين؟ هل يقاومون أمام العلاج؟

كان موضع ترحيب الجميع ، ولكن كانت هناك أشياء أخرى.  كانت إمراة  في دماوند لديها ورم في صدرها بعد ولادة طفلها الأول. تحدثنا معها كثيراً لدرجة أنه تم إقناعها بمتابعة مشكلتها. كنا نتابع أيضا مشاكل هؤلاء المرضى. حتى أننا أحضرنا بعضاً منها إلى بيوتنا. سيبقى بعض أعضاء الجهاد ليلة واحدة إذا ذهبوا إلى مناطق طرقها رملية وتمطر فيها الثلوج. يأخذون الأدوية علي متن الحمير وهم يمشون إلي جانبها. أكثرهم كانوا يستقرون في المدارس أو المساجد. كان الأهالي يأتون قبلهم ويقومون بتدفئة تلك الأماكن. كانوا يؤدون الضيافة بأفضل ماتكون. كنا نوصي الأعضاء بعدم أخذ الكستالة و ماشابه ذلك من أطعمة لربما ليس لديهم المكنة المالية لشرائها وإعدادها. عادة يقدم القرويون القشطة والحليب والجبنة للوافدين.

كانت إحدي برامج جهاد البناء في طهران هو إيصال مساعدة لاهالي خوزستان الذين اجتاحتهم السيول والفيضانات في عام 1979م. إذا أمكن شرح ذلك.

كانت لدينا خيام لتقديم المساعدات والمعونات لأهالي خوزستان بجانب موقع صلاة الجمعة وكان علينا جمع المواد الضرورية. أحضروا الأثاث والمواد اللازمة التي تم جمعها وتسليمها إلي مكتب الجهاد. قمنا بفصل المواد الغذائية عن الألبسة وأيضاً الأثاث الجديد عن المستعملة. لأن مناخ الجهاد كان صغيراً، سمح لنا من قبل السلطات دائرة الفنون ووضعنا المعدات في قاعة  (آينه كاري) في دائرة الفنون. أبقوا المعدات هناك حتى تم إرسالها إلى المناطق التي تعرضت للفيضانات.

حدّثينا عن نشاطاتك وفعالياتك إبان الحرب المفروضة.

بعد 2 من سبتمبر لعام 1979، عندما بدأت الحرب، قالوا: «نريد إرسال بعض الأعضاء إلى المنطقة بواسطة قطار هلال الأحمر». كنا أول من فعل ذلك، وفي السادس أو السابع من الشهر ذهبنا إلى الأهواز علي متن قطار هلال الأحمر. ذهبت أنا وطاهره طاهري نسب نمثل النساء. جاء العديد من أطباء الهلال الأحمر. يجب أن يكون قطار الهلال الأحمر آمناً وغير مصحوب بقوة عسكرية حتي لايتم  استهدافه من قبل قوات العدو. تحتوي القطارات علي قاطرات قليلة. كان فيلق قزوين ينوي الذهاب إلي الجبهة. كان هناك العديد من العربات المثبتة على قاطرة القطار . هم أول من وصل إلي هناك (فيلق قزوين ومن ثم نحن وصلنا أيضاً. ذهبنا نحو مدينة انديمشك. علي قارعة الطريق أوقفوا القطار ونزلنا منه. قالوا:« قام الطابور الخامس بقصف الذخائر الحية من الأسلحة». لم تكن أماكن السلاح في متناول مرمي العدو العراقي حيث يتمكن من استهدافها. لقد انفجرت الصناديق الكبيرة المحملة بالسلاح والذخائر. عندما توقف القطار وقالوا:«انزلوا» قلق الركاب  وهلعوا نحو أبواب القطار. كما بقي البعض منهم تحت أرجل الهاربين. أحد الركاب سقط علي الأرض. كما اجتازه البعض .أصبح المشهد كالأفلام الكارتونية. بقينا هناك حوالي ثلاثة أيام. استغرق الوقت ثلاثة أيام حتي وصلنا إلي مدينة  انديمشك. كانت مسافتنا مع مستودع الأسلحة كبيرة لكننا نشاهد التفجيرات و النار والدخان المنبثق. عندما أردنا العبور من أمام معسكر (دوكوهه) كان القطار يسير ببطء. كان الدخان لايزال يتصاعد من هناك. وصلنا المنطقة ليلاً. نزلنا من القطار. في الظلام الدامس و أثناء الحركة اصطدم رأسي بشيء ما حيث علمت فيما بعد أنها زجاجة. عثرنا علي مكان في تلك المنطقة ونمنا.

هل كانت المرّة الأولي التي ركبت فيها علي متن قطار الهلال الأحمر عجيبة ومدهشة؟

نعم. كانت العربات جديدة وقيل أنها تم شرائها قبل انتصار الثورة. قمنا بإزالة بلاستيك الكراسي والأسرة. داخل قطار المستشفى والمستشفى، تم تجهيزهما بجميع المرافق والإمكانيات اللازمة. كانت الأسرة تحتوي علي مكان للمصل والأكسيجين. كانت مقصورتنا منفصلة عن الجرحي والمصابين. بعد فترة قصيرة من التوقف، كان القطار معروفاً. كان هناك شخص يعاني من مرض الجرب. كما حصلت ولادة داخل القطار أيضاً.

هل كان نشاطك مقيداً في بيئة القطار فقط أم تذهبين نحو المستشفي أيضاً؟

ذهبنا إلى المستشفى. في المرة الأولى التي ذهبنا فيها إلى الأهواز، كان عدد الجرحى مرتفعاً للغاية. رجل نبيل كان مساعد طبيب وجاء من منظمة الهلال الأحمر. كان ماهراً جداً في عمله، قال: «علينا الذهاب إلى المستشفى لتضميد إصابات الجرحي». لم يكن أحد مستعداً للتعاون معه. كنا في أول يوم من عملنا ، لم نكن نعرف ما يجري. أتساءل لماذا لا يذهب أحد معه، لكنني ذهبت . سافرنا من محطة القطار إلى الأهواز بعربة مفصولة عن القطار.  كنا نفعل كل شيء في المستشفى يأمروننا به. هناك، رأيت فتاة شابة مصابة وحصلت لديها التهابات في الجرح و تفوح منها رائحة نتنة وكريهة، لذلك لا أحد يستطيع الاقتراب منها. لهذا لم نتمكن من ترك الجرحى ولم نتمكن من التنفس كذلك ،كانت لدينا أقنعة. كان شعرها أسود وطويل، لكن تفوح من جرحها رائحة كريهة ونتنة ولا أحد يقبل بالذهاب نحو الغرفة التي كانت تنام فيها. لهذا قام هذا الطبيب المساعد بإزالة لحم الجلد للقضاء علي الإلتهابات. في اليوم التالي ذهبت برفقة ذلك الطبيب المساعد لزيارتها .حيث طلب منّي أن أحلق شعرها و قمت بذلك العمل. في اليوم الآخر عندما ذهبنا لتفقدها، قاموا بنقلها إلي مكان آخر.

كيف كانت نفسيات الجرحي؟

كانت لدي بعض الجرحي والمصابين تحمل كبير. كان مدير لمدرسة و يتحمل الألم بشكل لايصدق. كما كانت هناك إمرأة من بين المصابين وهي أيضاً مديرة لمدرسة. لقد أصابتها شظايا في جنبها واقتلعت جلد ولحم ذلك العضو. عندما قمت بتضميدها لم أسمع له أي صوت أو أنين. سئلتها:« هل تشعرين بالألم؟» كانت تقول :«نعم أشعر بذلك». قلت لها ثانية :« جرحكي عميق.» قالت : «إذن ماذا أفعل؟»

هل تطقين رؤية الجرحي؟

في رحلتنا الأولي والثانية كنّا نبكي حيث تحمر وجوهنا من كثرة البكاء .كان هناك طفل عربي أصيب بجروح إثر القصف. يجلس في حضني ويناديني ويقول يا أمي. لقد أصيب في رأسه ووجهه. بعدها نقلناه إلي مستشفي منظمة سكك الحديد بطهران. تعرض منزلهم لقصف قذيفة فقد بعدها عائلته .كان في أكثر الأوقات جالساً في حضني . عثر علي أبيه في طهران فيما بعد. في إحدي المرات كان شخص يقوم بحفر خندق في محطة القطار وقام بقطع شريان دمه. كان الدم يسيل منه بشكل لايوصف. قاموا حينها بنقل المصاب إلي القطار. لايوجد رجل من بين المسعفين، كانوا قد ذهبوا وراء الجرحي. كان الدكتور رضائي متواجدا داخل القطار. قال لي: «امسك يده بقوة حتي استطيع تضميدها». كنت اتقيئ من رائحة الدم . من خلال توسلي بأهل البيت (عليهم السلام) تماسكت. كنا جهاديين. كان عدداً من الأفراد قد جاء من قبل جمعية هلال الأحمر ولم يقبلوا عملنا. يقولون:« هؤلاء ليسوا ذوي خبرة» ثم فيما بعد بتنا  أصدقاء. كنت أخشي أن يقول موظفو منظمة هلال الأحمر أن هؤلاء ليسوا محنكين في عملهم. قام الطبيب بتضميد الجرح لكنه لازال ينزف. مرة ثانية فتح الغرزة . لم أر مايحصل للجرح، لكن الطبيب يقول لي باستمرار :«إضغطي علي يده». لقد نزف بشكل كبير ودخل في غيبوبة. عندما انتهي عمل الطبيب نزلت من داخل القطار. تدهورت حالتي في الفضاء الطلق. سئلتني السيدة طاهري نسب: «ماذا حدث لك؟» قلت لها :« أريد أن أموت. لااستطيع أن أجرّ أنفاسي».

في المرة الأولي التي ذهبت عن طريق قطار هلال الأحمر، كم استغرق الوقت حتي وصلتم إلي طهران؟

في رحلتنا الأولي استغرق حوالي عشرة أو خمسة عشر يوماً. بداية كان من المقرر أن نقوم بتقديم العلاج للمصابين هناك ولكن نظراً لارتفاع عددهم قالوا:« من الأفضل أن نذهب بهم ومن ثم نرجعهم ثانية ». قال جهاد البناء في الأهواز، عليكم نقل الجرحي والمصابين إلي طهران عن طريق القطار لأن نقلهم عن طريق الطائرة خطير جدّاً. كان العراق يستهدف المدينة بشدّة . كما كان الطابور الخامس يستهدف من جهة أخري. داخل محطة القطار كنا نسمع صوت إطلاق النار ونستلقي علي الأرض. لقد وصل العدو إلي تخوم مدينة الأهواز.

كيف سمحت لك الأسرة بالذهاب إلي هناك؟

كنت أنا البنت الوحيدة للأسرة. المرة الأولى التي أردت أن أذهب بها لم يسمح لي بالذهاب . لقد تحدثت معهم كثيراً حتي سمحوا لي بالذهاب . قلت لهم: «لسنا قريبين من العدو» واقنعتهم بذلك. المرة الثانية التي ذهبنا فيها لأنني عرفت أن عائلتي لن يسمحوا لي بالعودة، بقيت في المنطقة. برفقة الأطباء تفقدنا أسر منكوبي الحرب.عندما لا يكون بالمصابون في داخل القطار ولدينا الوقت الكافي، كنا نذهب برفقة الدكتور سادات، أحد الأطباء العامين علي متن عربة صغيرة تشبه الحافلة الصغيرة ونتحرك علي السكك الحديدية حيث نذهب نحو المدن التي يوجد فيها منكوبي الحرب. كما كنا نتفقد منكوبي الحرب الذين يقطنون في حوالي مدينة شادكان ونقوم بفحصهم .كانت ظروفهم صعبة للغاية.

كيف كانت ظروف منكوبي الحرب؟

لقد جاء منكوبو الحرب من مناطق مختلفة مثل سوسنكرد والدهلاوية وآبادان. البعض منهم قام بإعداد مأوي له بواسطة الأشجار . كنت أعشق المطر .كانوا يقولون أن المطر في خوزستان جيد جداً .كنت أقول :« أدعو الله أن تمطر حتي أري مطر خوزستان». كنت في أحد الأيام هناك حيث نزل المطر. لم أنسي عندما امطرت وتدمرت البيوت التي كانت قد شيّدت عن طريق الشجيرات. كان الناس يطاردون تلك الشجيرات التي تطايرت إثر نزول المطر. قال لي الدكتور سادات :«لقد هطلت الأمطار!» قلت :«لا أريد مثل هذا المطر».كانت تربة الأرض صلبة جداً. عندما تهطل الأمطار تتجمع وتصبح كالبحيرة وتقف مكانها. لم تنحدر داخل الأرض. كانت الإمكانيات قليلة جداً. علي سبيل المثال لم يكن لديهم مراحيض والرجال الذين كانوا يأتون معنا، يحفرون حفرة حتي يشعروا بالراحة. عندما نتفقد أحوالهم يصبح المكان مكتظاً. يأخذون شراب السعال أو أشياء أخري. عانى إبنه أحدهم من مرض الحمّي بشكل كبير، لكنه لم يسمح للطبيب بفحصه. كان يقول :« اعطوني الأدعية.» قلت له:« لا نمتلك الدعاء بل لدينا طبيب».لم يقبل. بداية كنّا في الأهواز ومن ثم ذهبنا نحو مدينة ماهشهر. كما ذهبنا لمخيم B.  كان الوضع هناك أفضل إلي حد ما. قال لي الدكتور عليكم أن تتفقدون هؤلاء (منكوبي الحرب)، آتوني بكل شخص مريض منهم. كان هناك طفلاً في ماهشهر، يركض عندما يري القمر في السماء ويصرخ. قلنا :«لماذا يفعل هذا؟» كانوا يقولون :«يعتقد أن الطائرات العراقية تحلّق في السماء».

 

عندما عدت إلي طهران،هل توفرت لهم الإمكانيات اللازمة؟

قامت صديقتي طاهرة طاهري نسب عندما عدنا إلي طهران بجمع الأشياء التي يحتاجونها مثل الفراش واللحاف والبطانيات والملابس وأرسلتها لهم عن طريق شاحنة.

متى كانت رحلتك الأخيرة؟

في شهر دي. اتصلت هاتفياً بالأسرة كي أتفقد أحوالهم. قال أخي:« صحة والدتي ليست علي ما يرام وهي قلقة بشأنك جداً. لم تهدأ بعد ذلك».رأيت هذا الأمر ليس من الصواب وعدت و رجعت ثانية إلي الجهاد أيضاً.

إلي متي كنت تنشطين في جهاد البناء؟

كنت منذ عام 1980م حتي عام 1982م أعمل في الجهاد وبعد كل ستة أشهر يتم تجديد فترة عملي. ذهبت إلي مستشفي نجمة عام 1983م والذي كان تحت اشراف الحرس الثوري حيث بقيت أعمل هناك حتي عام 1990م

نشكرك علي إتاحة الفرصة لموقع تاريخ إيران الشفوي.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 123


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

التاريخ الشفهي والمزيد من الإهتمام بالتفاصيل

يتشكّل النص التالي على أساس قضية وتركيز وهما: ما هي الأعمال التي تدخل ضمن التاريخ الشفوي تأتي كنموذج لبقية الاعمال؟ لماذا تحتوي هذه الكتب على أنماط وما هي خصائصها؟ قال الكاتب والباحث في مجال التاريخ السيد قاسم ياحسيني معالجاً هذا الموضوع: لحسن الحظ ، إذا ما أردنا أن نتحدث عنه بدقة أكثر، يجب أن أقول إنّ الذكريات الشفهية نمت بشكل كبير في مختلف المجالات. لذلك الآن، و في أنواع مختلفة، يمكن توضيح الذكريات الشفهية بأمثلة متعددة. قبل بضعة أيام، قمت بتصنيف
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر