اليوم الذي فرحت فيه آبادان

فكّ الحصار في 9 ساعات

الهام صالح
ترجمة: حسن حيدري

2018-10-05


سنة واحدة كانت ترزح تحت الحصار. لم يكن كائناً هناك، لكنه كالكائنات لم يطيق الأسر أبداً. لقد ضاقت آبادان من مجيء جيش صدام. كانوا غير راضين عن وضع خطواتهم على تلك الأرض، بدأ هذا الإستياء من يوم 11 من أكتوبر لعام 1980م، منذ ذلك اليوم الذي كان آبادان علي وشك الأسر. توجد مصادر موثقة للإطلاع علي تلك الأحداث حيث تعتبر وكالة بارس (ايرنا الحالية) إحدي هذه المصادر. كتبت حول آبادان:« كانت القوات العراقية العدوانية التي دمرتها القوات الإيرانية في آبادان في 5 أكتوبر / تشرين الأول 1981 من قبل الأعداء الذين حاصروا حزام خرمشهر في   11 من أكتوبر لعام 1980 و تقدّموا عن طريق تركيب جسر فوق نهر كارون على طول الحفار الشرقي ومارد إلى قرية مارد الواقعة على بعد 17 كم شمالًا. إنهم قتلوا عدداً من المواطنين العرب في قرية مارد وأسروا عدداً آخر أيضاً».

هكذا كان جيش صدام فتح أقدامه نحو آبادان، لكنهم لم يستطيعوا البقاء في هذه المدينة للأبد، يجب عليهم الرحيل. كان الإمام الخميني الراحل يؤكد علي تحرير مدينة و أكد علي هذا الموضوع و إيصاله لمسؤولي البلاد وقادة الحرب. يقول الجنرال علي صياد شيرازي في هذا الصدد :«كان السيد داود كريمي من ضمن مقاتلي المقر المركزي للحرس الثوري:لقد التقوا بالإمام الراحل حتي يسألونه إننا في جبهات آبادان نقدم ضحايا كثيرة بشكل يومي ولايوجد أمل بنصرنا و الحفاظ علي تلك المدينة، ما بالك بفك الحصار عنها. ماهي وجهة نظركم؟ لقد اكتفي الإمام الراحل بجملة قصيرة قائلاً: يجب أن ينفك الحصار عن مدينة آبادان».

أصر الإمام الخميني الراحل، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، على أن القوات المشاركة في الحرب يجب أن تكون مصدر قلقهم الرئيسي هو تحرير آبادان. وقد أجريت الاستعدادات اللازمة ونسق الحرس الثوري والجيش معاً عن عملية تحرير آبادان. هذه أيضا كانت واحدة من ذكريات الجنرال علي صياد شيرازي:« وقد ورد في المجلس الأعلى أنه يمكننا الهجوم من ثلاثة محاور. التسهيلات المطلوبة هي حوالي خمسة آلاف شخص من الباسيج يتم إعدادهم لهذه العملية. كما سيشارك الجيش بالمدفعية أيضاً، فيما ستستخدم قذائف هاون 120 ميليمتر بشكل مكثّف و....لقد تم المصادقة علي هذه الخطة من قبل المجلس الأعلي بكل ثقة ...لقد اجتمع مقاتلو الحرس الثوري و الجيش بكل سهولة في قاعدة فيلق 77 خراسان و الذي يتواجد في محور ماهشهر، نسقوا و قالوا أننا سنعمل علي ذلك من خلال دارخوين و الفياضية».

 لقد اطلقوا اسم «ثامن الأئمة (عليه السلام)» علي العمليات. عمليات كان سرّها «نصر من الله وفتح قريب»، استغرقت العمليات من يوم السابع عشرين سبتمر من عام 1981م حتي يوم بعد ذلك. الهدف هو فكّ الحصار عن مدينة آبادان  وتحرير الأراضي التي كانت تقع شرق نهر كارون. توصلت القوات الإيرانية إلي أهدافها المنشودة بسرعة فائق، هذا ما أشير اليه في مذكرات الجنرال صياد شيرازي :« كنّا في المنطقة الشمالية الغربية عندما سمعنا أن الهجوم قد بدأ،عمليات ثامن الأئمة (عليه السلام)أعتقد لم تستغرق أكثر من 9 ساعات. بدأت في الليل و انتهت في الساعة العاشرة أو الحادية عشر صباحاً من ذلك اليوم».

كانت نتيجة هذه العملية مذهلة جداً، حيث تم استعادة أكثر من 10 كيلومترات من الأراضي الإيرانية من قبل القوات المسلحة. عاد العراقيون بالكامل إلى الجزء الشمالي من شادكان  وشرق كارون».دُمّر جسر بالكامل القصبة الذي كان عائماً علي نهر كارون، و جسر الحفار، والذي يعتبر الجسر الثاني للعراقيين،تم الإستيلاء عليه من قبل القوات الإيرانية. كما تم تطهير طريق ماهشهر ـ آبادان تماماً من قوات جيش صدام كما تمت السيطرة علي ساترهم الذي كان يقع بين المحطة الـ 7 و المحطة الـ 12من قبل القوات الإيرانية.

في اليوم الـ 27 من شهر سبتمرلعام 1980م، شاهد أهالي آبادان سحابة داكنة تغطّي سماء مدينتهم.  كان حينها في المدينة سماحة آية الله غلامحسين جمي، إمام جماعة آبادان و شاهد هذا الدخان الكثيف في سماء هذه المدينة :«في هذه الإثناء لا أعلم أنّ طائرات العدو العراقي قصفت جزءاً من أحمد آباد حيث هزّت أمواجها المناطقة بشكل لايوصف. لكن الوضع كان بشكل حيث لايفكر أحد هناك مايجري من قصف أو تدمير، الكل كان فرحاً ومسروراً من النصر الذي حققته القوات الإيرانية و هدير أصوات القاذفات و الدبابات و الطائرات و السمتيات التابعة لقواتنا، بدلت آبادان إلي ساحة رعد وبرق لايوجد أي خوف من قصف العدو. سيارات الجيش والحرس الثوري و سائر مركبات وسائط النقلية، يتردوون في المدينة و مصابيح السيارات مشتعلة رمزاً للإنتصار المحقق هناك».

تحررت مدينة آبادان، لكن مقاتلات جيش صدام تستمر بالقصف بنفسيات مهزومة ويائسة. كان آية الله جمي شاهد علي تلك الأحداث:« تعمل الطائرات المقاتلة العراقية بجد للرد على هزيمة حزب البعث الفادحة. إنهم لا يجرؤون على الظهور على الجبهات، بل يهاجمون مدينة آبادان، لكنهم يواجهون مقاومة قاسية لقوات الجمهورية الإسلامية وسرعان ما يهربون».

كان العدو مدججاً بأحدث المعدات، و أنه سيطر علي مدينة آبادان منذ سنة و المدينة تحظي بتلك المؤشرات، لقد دمرت الأرض و قطعت أعمدة الكهرباء، كما انقطعت الأنابيب الواقعة بين آبادان وماهشهر كما تم حفر تبليط المعابر أيضاً... كان آية الله جمي شاهداً مباشراً علي الأحداث التي تلت هزيمة العراقيين و ذكر في مذكراته قائلاً:«في ليلة الهجوم تركوا كل شيء وهربوا. كما تركوا أحذيتهم أيضاً. هذه الصحراء وهذه الخنادق الآن مليئة بمعدات الحرب. المربعات سليمة و مليئة بالقاذفات المهاجمة وقذائف الهاون، وبنادق كلاشينكوف الكثيرة ، قام المقاتلون بجمعها».

هُزم جيش صدام ونجحت عملية ثامن الأئمة (عليه السلام) هذا النصر حرّر أيضاً جزءًا من إيران، وعزز أيضًا معنويات القوى المقاتلة. وفقاً لما قاله الجنرال صياد شيرازي، أنّ العراقيون يحاولون بشكل لا يصدّق تبرير هذا الفشل بأي شكل من الأشكال: «لا يزال العدو، لا يعتقد أننا نستطيع القيام بالهجوم ثانية.  كان يبرر عملية ثامن الأئمة (عليه السلام)حيث يقول أنها وقعت شرق كارون، كان وراء العدو مياه، واعتبروها استثنائية. لقد استعد لباقي المحاور بشكل قوي ولايعتقد أنه سيتعرض للهجوم بهذا الشكل».

في الخامس من أكتوبر لعام 1981 ، بدأت موجة من الفرح في مدينة آبادان وكتب آية الله جمي:« بصرف النظر عن فكرة النصر العظيم والهزيمة التاريخية للجيش العراقي على جبهة آبادان، لا يوجد شيء آخر في أذهان قواتنا، والجميع كان يفكر في مدى حدود هذا النصر و [أعداد] قتلي الجيش العراقي. و كم هو عدد الأسري. وذكرت الإذاعة الإخبارية أنه من الليلة الماضية لغاية الآن تم أسر نحو ألف شخص ومقتل 500 شخص عراقي كما تم تطهير شرق كارون من التواجد العراقي بشكل كامل.

لقد فرحت مدينة آبادان بعد سنة من الزمن.

----------------------

المصادر:

ـ كتبت لكي يبقي : مذكرات الحرب اليومية لآية الله جمي / أعده وقدم له محسن كاظمي / سورة مهر

ـ غير المعلن من الحرب/ مذكرات الجنرال الشهيد علي صياد شيرازي / توثيق أحمد دهقان/سورة مهر

ـ نهاية الحصار، رواية آبادان/ جعفر شير علي نيا/ دار فاتحان للنشر

ـ تقويم تاريخ الدفاع المقدس،المجلد الرابع عشر: فك الحصار (أحداث مهر عام 1981م)/ تأليف فرهاد بهروزي / مركز أبحاث قوات الدفاع المقدسة التابعة لجيش جمهورية إيران الإسلامية

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 152


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

التاريخ الشفهي والمزيد من الإهتمام بالتفاصيل

يتشكّل النص التالي على أساس قضية وتركيز وهما: ما هي الأعمال التي تدخل ضمن التاريخ الشفوي تأتي كنموذج لبقية الاعمال؟ لماذا تحتوي هذه الكتب على أنماط وما هي خصائصها؟ قال الكاتب والباحث في مجال التاريخ السيد قاسم ياحسيني معالجاً هذا الموضوع: لحسن الحظ ، إذا ما أردنا أن نتحدث عنه بدقة أكثر، يجب أن أقول إنّ الذكريات الشفهية نمت بشكل كبير في مختلف المجالات. لذلك الآن، و في أنواع مختلفة، يمكن توضيح الذكريات الشفهية بأمثلة متعددة. قبل بضعة أيام، قمت بتصنيف
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر