التاريخ الشفوي :: مذکرات من عملیتی القوات الجویّة و الشهداء

الليلة المائتان والحادية والتسعين من ليالي الذكريات

مذكرات من عمليتي القوات الجويّة و الشهداء

مريم رجبي
ترجمة: حسين حيدري

2018-06-01


خاص موقع تاريخ إيران الشفهي، عُقد البرنامج المئتان والحادي و تسعين من ليلة ذكريات الدفاع المقدس مساء يوم الخميس المصادف 24 مايو 2018 في قاعة سورة الفنية. وتطرق كل من أحمد ثقفي وحسين ناظوري وسيد جواد هاشمي لذكرياتهم عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على جمهورية إيران الإسلامية.

ظنون العدو وهدفنا

تحدث بداية أحمد ثقفي الراوي وقال:«في عملية بيت المقدس، كنّا في دارخوين و هي منطقة تقع بين مدينة الأهواز و مدينة خرمشهر. هناك طريقان. الأول من الأهواز إلي خرمشهر و الثاني من الأهواز إلي مدينة آبادان، و لأن طريق الأهواز إلي خرمشهر كان تحت سيطرة العدو، كان المقاتلون في طريق الأهواز إلي آبادان في منطقة دار خوين يستعدون للعمليات. انطلقنا بعد الساعة الـ 9 ليلاً من ذلك المكان. أثناء الغروب و قبل ساعة ، إحدي الجسور الذي كان يقوم ببنائه الجيش لقواته، خصصه لتردد الشاحنات و المقاتلين..  بعد عمليات فتح المبين، كنّا نردد الله أكبر في كلّ خندق نصل إليه، لقد استسلم العدو، رأيناهم يستسلمون من وقت لآخر حتى وصلنا إلى طريق الأهواز ـ خرمشهر. كانت هناك عدة خنادق في الطريق. كما في بعض الأماكن كانت دباباتها وعربات مدرعة، على سبيل المثال، إذا كانت هناك خمسة دبابات مستقرة علي الطريق، حين يقوم المقاتلون بتدمير أحدهما، يفر العدو من ذلك المكان، لم نر أي مقاومة حتي وصلنا إلي محطة حسينية. كان مستقرنا في الحسينية حتي التحق المقاتلون و فيلق من إصفهان بنا.

حوالي الساعة الـ 11 صباحاً. كنت جالساً بالقرب من الساتر. كما كانوا سائر المقاتلين جالسين بشكل متفرق وراء ذلك الساتر. لم نكن مستعدين لهجوم العدو. كنّا ننتظر الأوامر لشن هجوم عليه. كما رأيت عدداً من قيادات الحرس الثوري مثل السيد باقري و السيد جعفري من معسكر النجف و السيد رشيد قائد قاعدة  خاتم، و أيضاً السيد غلامبور من قاعدة كربلاء، كما كان كلّ من السيد كاظمي و السيد همّت متواجدين في ذلك المكان. دُمر106 سيارة جيب. المسافة الفاصلة بين المقاتلين والساتر كانت حوالي عشرون متراً. كما كانت عشرة أمتار تفصلني عن المقاتلين و الساتر. كان الجيب بشكل حفرة. و يجلس المقاتلون فيها. جلسوا بصعوبة يخططون للعملية. في هذه الأثناء، رأينا ضابطاً ينهض من الخندق وأصابته رصاصة في جبهته. الشخص الثاني والثالث والرابع والخامس نهضوا أيضاً وأُصيبوا في جبينهم.  تفاجأنا ولا نعرف سبب قدوم القادة. فجأة رأينا 50 مقاتلاً حاملين سلاح آربي جي استقروا فوق الساتر و للتو أدركنا أن العدو العراقي خطط لهذا الهجوم من الليلة الماضية و جعلونا نستقر في محطة حسينية ليشنوا هذا الهجوم علي مقاتلينا في النهار و يباغتوهم في تلك اللحظات. عادة ما نجعل السواتر في القرب من الطريق و لأن مخططنا هو السيطرة علي طريق الأهواز إلي خرمشهر،  قمنا بوضع الساتر بشكل  يكون الطريق تحت سيطرتنا. فجأة رأينا حوالي مئة دبابة تتجه بسرعة فائقة من جهتين نحو تلك السيارة المدمرة حيث كانوا القادة متواجدين هناك. كان القادة علي علم بهجوم العدو و لهذا قدموا إلي ذلك المكان. قام (العدو) بحفر عدة حُفر بالقرب من ذلك الساتر و وضعوا مقاتلينهم هناك وأخفوهم عن الأعين. وتركوا مواضع مخفية لمهاجمة مقاتلينا الذين يعتلون الساتر. عندما انطلقت دبابتهم،   فقد جنودهم فاعليتهم. خافوا أن تعبر الدبابات من فوق رؤوسهم، في النهاية هربوا. في بداية الأمر قام مقاتلونا بضرب دبابتين و تدميرهما عن طريق سلاح آر بي جي . كما دمروا بعد ذلك حوالي ثماني دبابات كان محمّلة بالرصاص. وقع إنفجار هائل. فبدلاً من أن نفقد معنوياتنا بسبب قدوم تلك الدبابات نحونا، فقد العدو معنوياته  و في أولي اللحظات هربت دبابتهم. عندما تصاب الدبابات بقاذفة آربي جي، يحترق كافة الأفراد داخلها و يصبحون رماداً! لهذا خرجوا من الدبابات و سارعوا بالفرار.. عندما لاحظوا المقاتلين فرارهم من الدبابات، وضعوا الآربي جي جانبا و ذهبوا نحو الدبابات. لقد شاهدنا المقاتلين يركبون دبابة و يتجهون نحونا. كانوا هؤلاء القادة يشهدون ما حدث في ذلك اليوم.

كان هجوم العدو بهذا الشكل، حيث قبل اطلاق الرصاص علي جبين المقاتلين، يحلقون في السماء من خلال 5 طائرات و يقصفون المنطقة و يعودوا أدراجهم. في هذا الحدث، أصبت بشظايا إثر ذلك الهجوم. كان وجهي ينزف دماً، لكن لاطاقة لي بالوقوف. حيث الكثير من المقاتلين فقدوا وعيهم و لم يمكنهم التقدم إلي الأمام. كما في إحدي المرّات كبدنا العدو خسائر كبيرة بهذا الشكل. لكن هذه المرة حضور القادة كان له الأثر الكبير. فلهذا أينما كان للقادة حضور قوي كانت الحرب ناجحة. بالرغم من خسائر المقاتلين في هذه المنطقة، لكن حملة الآربي جي بعد ذلك عملوا بدقة و بسالة حيث استطاعوا إجبار حوالي 30 دبابة للتراجع.عندما انتهي الهجوم، جاءت الإسعاف لنقل المصابين. و كنتُ أحد المصابين الذين تم نقلهم إلي مدينة الأهواز و لم أستطع الحضور في المرحلة الثانية من العمليات لأكون شاهداً علي مايجري هناك.

قام الشهيد حسن باقري بتخطيط العمليات بشكل حيث العدو كان يظن أننا لا نريد تحرير خرمشهر بل و كأننا نريد السيطرة علي مدينة البصرة.  لقد استهدف الشهيد باقري البصرة، ورغم أن خرمشهر كانت ذات أهمية للعدو ، إلا أنه لم يكن مهماً مثل البصرة.عندما استهدف مدينة البصرة، و في طبيعة حال قام العدو بمغادرة خرمشهر و إذا ما تم إستعادة المدينة بهذه السهولة، و كما قال الإمام الخميني الراحل (رحمة الله عليه) أن إرادة الله عز وجل كانت وراء ذلك التخطيط الذي فكّر به القادة و إلّا لايمتلك أي إنسان إرادة من نفسه. القادة كان هدفهم البصرة و مدينة خرمشهر تمت إستعادتها بسهولة من يد العدو».

كما قال السيد أحمد ثقفي أيضاً:« كنّا وراء نهر الكرخة. كان نهر الكرخة وجسر نادري في أيدي العدو .المقاتلون و قبل ليلتين من عمليات فتح المبين، قاموا بعمليات نوعية مقابل شوش دانيال و الذي يحتوي علي إحدي جهات الجسر حتي يستيطعوا مشاهدة العدو بسهولة ويستعدوا بشكل جيد كي يحاصروا العدو في تلك النقطة الإستراتيجية. سار المقاتلون نحو معاقل العدو و تم أسر حوالي 170 من جنود العدو. و عندما قام المقاتلون بتكبيل أيدي و أرجل الأسري العراقيين و استعادة الوضع، قام العدو بهجوم مباغت و ساعد الأسري العدو و قتلوا جميع مقاتلينا أثناء ذلك الهجوم. كان عدد القوات هائلا جداً، لكن لا نمتلك السلاح، لأن بني صدر لم يسمح للجيش بإعطاء المعدات العسكرية للحرس الثوري. المقاتل الذي لا يمتلك سلاحاً، كيف تصوف معنوياته؟ كيف يمكنه المشاركة في العمليات؟ ذهبت مع أبناء مدينة دزفول. جمع أبناء دزفول مقاتليهم و ذهبوا إلي تل جشمه ليحاصروا مدفعية العدو و السيطرة عليها. كنّا كتيبة. يطلق علي تلك النقطة الكثبان الرملية. لأنه في زمن الطاغية الشاه كانت هناك رمال تستخدم لبناء الطرق في سهل عباس و حولها. استفاد العدو من تلك الرمال لبناء الطرق و الإستقرار هناك. بدأنا طريقنا من تل جشمه حتي وصلنا لخطوط العدو. عندما وصلنا لخطوط العدو، حلّ الليل.  استهدفنا خنادقهم و قذفنا عليها القنابل اليدوية و انطلقنا نحو الأمام. قبل ساعة من أذان الفجر، وصلنا إلي الكثبان الرملية.  استغرق مسيرنا من تل جشمه حتي الكثبان الرملية حوالي سبع ساعات. عندما وصلنا، رأينا دبابات كثيرة تدور من حولنا. كنّا أقل من عشرين مقاتلاً و هنالك طلقة آربي جي واحدة في حوزتنا فقط. كانت مسافة وصولنا إلى واحدة من الدبابات منخفضة ولم نستطع التغلب عليها باستخدام آر بي جي. لم نكن نعرف ماذا نفعل، ألقينا القنبلة اليدوية، لكن الدبابة كانت تتقدم. وأخيراً، ألقى الله الخوف في قلوبهم ، وهرب الجميع.

في الصباح رأينا أن الرمال قد حفرت واستقرينا بين ساترين، والعدو يمكن أن يرانا من اليسار واليمين. وفجأة رأينا دبابتين على اليسار ودبابتان على اليمين وستة بي إم بي تأتي من أمامنا. كما لانمتلك أي إتصال لاسلكي. أثناء الحركة، و لأنني كنت طاعناً في السن، منحوني قذيفة دبابة و رصاصة صاروخية و أعطوا لقائد الكتيبة قواعد تلك القاذفتين.عندما وصلنا إلي الدبابات ولم يعمل الآربي جي.حين وصولنا إلي السواتر،  استشهد قائد الكتيبة الذي كان يعرف كيفية إطلاق القذائف حيث لم نستطع الإستفادة منهما في تلك اللحظة. لم نستطع هدم أي دبابة من دبابات العدو في ذلك المكان. عندما اقترب العدو منّا، رفعت الآربي جي و صرخت بصوت عالٍ: «الله اكبر». فرّ جميع جنود العدو! كما قتل ستون من مقاتلي العدو الذين كانوا في ال بي ام بي. و من ثم ذهبنا لكي نري قواتنا، لكن لم يعودوا هناك. رأينا مقاتلاً يصعد علي الساتر.  أصيب بشظايا في رقبته و قام بتضميدها. كان يرتدي ملابس الحرس الثوري   التحق بنا ذلك الشخص و قال: المقاتلون متواجدون في جهة جسر الكرخة. يهزّ بكوفيته من أعلي الساتر. بعد بضع دقائق رأينا أن تلك النقطة تم قصفها، إكتشفنا أنهم قواتنا.لقد استطاعة قوات الجمهورية الإسلامية السيطرة علي تل جشمه بقوة و بسالة. عندما قال الإمام يد الله وراء تحرير خرمشهر، في الحقيقة كان كلامه في محلّه. إقتربت قواتنا أكثر فأكثر. عندما كانت تفصلنا معهم مئتي متراً فقط، أشرنا لهم بكوفياتنا و ناديناهم يا أخوة حتي تعرفوا علينا. ثم اكتشفنا أن كتائب دبابات العدو قد اختفت و دُمّرت دون تدخلنا.»

السفر إلي نقطة في الغابة

وتحدث السيد حسين ناظوري، من قادة القوات الجوية: «كافة شرائح المجتمع تعرف القوات الجوية. لديها قدرة عالية على الحركة والاستجابة السريعة والمعدات الحديثة. بعد الثورة، إذا أطلقت رصاصة في مكان ما، كانت القوات الجوية حاضرة هناك.لا يمكن للقوات الجوية إتخاذ قرارات من نفسها، بل تعمل تحت إشراف القاعدة العسكرية. تلك القاعدة هي من تحدد أين تتجه. .في بعض الأوقات يشكوم تأخرنا في الوصول إليهم، لكننا نقول لهم لسنا في ذلك بل قادتكم هم من يقررون.

بدأت عمليات والفجر 4 1982. كنت أعمل في مجموعة الإسناد في مدينة إصفهان. أبلغت أنني يجب أن أذهب إلى سنندج مع طاقم من القوات الجويّة. كنّا نعلم أن عمليات والفجر 4 ستكون في شمال غرب البلاد. إن أداء طائرة الهليكوبتر في الجبال مرتفع جدًا، ولكنه يعاني أيضًا من ضعف. قبل بدء العملية، جاء شخص ما وقال إن قائد القوة يريد القيام بعمل ما. ذهبت و قال لي الشهيد صياد شيرازي: اليوم لدينا رحلة ولا ينبغي لأحد أن يعلم بها. قلت: لكي نطير، نحتاج إلى كتابة خطة طيران وإبلاغ البرج.  قال ألغِ كل هذا . قلت: دعني أحضر مساعدًا معنا، قال: نحن فقط. وقفت قليلاً. قال: أنا قائد القوات و أنا أطلب منك ذلك. نفذت أوامره. ركبنا علي متن مروحية و انطلقنا و سألته: إلي أيّ جهة يجب أن نذهب؟ قال الشهيد صياد شيرازي: عندما تحلّق المروحية في السماء سأقول لك ذلك. هذا مخالف لقواعد الطيران والطيار إذا لم يعرف إلى أين يريد أن يذهب، يمكنه أن يرفض التحليق ، لكننا كنا في ظروف الحرب، والشهيد صياد خبير في رسم الخرائط ولستُ قلقاً من فقدان الطريق. حلّقنا في السماء وأخبرت ضابط العمليات لاسلكياً بأنني حلّقت بالمروحية، ولدي مهمة يجب القيام بها وسأعود قريباً. أنا و الشهيد صياد شيرازي قطعنا مسافة طويلة و دخلنا الأراضي العراقية حيث وصلنا إلي غابة. قال لي أن أتجول حول هذه الغابة و سنحط الرحال في نقطة خالية من الأشجار. واحدة من أصعب المناورات بالنسبة للمروحية هي الطيران و الهبوط عموديا. كان عدد الأشخاص لدينا منخفضًا ويمكننا بسهولة الهبوط هناك. عندما ذهب، أخبرني أنه إذا لم يصل في الدقائق العشر القادمة ، عليّ ترك المكان، لكني لم أقبل ، قال: هذا أمر يجب إطاعته ، وإذا لم آتيكم بعد عشر دقائق ، عليكم الذهاب!

كنا على أرض العدو واحتمال مهاجمتنا في أي لحظة. كنت خائفا  كإنسان .مرت سبع إلى ثماني دقائق ولم يأت. كنت أستعد للإقلاع بعد دقيقة أو دقيقتين، حيث رأيت فجأة حوالي عشرين شخصًا يحملون أسلحة كبيرة ، أُصبت بخوف من هذا المشهد و أردت الإقلاع لكن فجأة رأيت الشهيد صياد شيرازي يتقدمهم. كلّهم يرتدون الزي الكردي. ظننت بأن الشهيد صياد شيرازي قام بأسرهم. عندما وصلوا المروحية إبتسم الشهيد قائلاً: جئتكم بضيوف، يجب علينا أن نأخذهم معنا و نذهب إلي مدينة سنندج. أمرك سيدي، سنأخذهم معنا بالتسلسل جميعاً و سنذهب من هنا. قال: لا، يجب أن يذهبون كلهم دفعة واحدة معنا! قلت له هذه المروحية تسع أربعة أشخاص فقط، حتي إذا حملت معهم أسلحتهم، سنقلع بصعوبة، كيف يمكننا أن نأخذ معنا كل هؤلاء الأفراد؟

في الأساس أين نضعهم؟ قال: ايها الطيّار! يمكنك الآن الإقلاع والذهاب بمفردك، ولا أعارضك، لأن الحق معك، لكن كل شخص من هؤلاء الأشخاص له مكانة عظيمة و قيّمة. قلت له: أهلاً بهم، لكن كيف لي بوضعهم في المروحية؟ قال: هذه المهمة سأتكفل بها أنا! راقبته وهو يوزعهم داخل الروحية وهو جلس في مكان الطيّار و قال إذا لم نأخذهم معنا، سأجبر علي البقاء معهم، حتي إذا ما بقي واحد منهم! وإذا أقلعت بمفردك، بعد نصف ساعة سيقتلوننا جميعاً. قلت إنّ نسبة فرصة الإقلاع تحت هذه الظروف هي ضئيلة إلي حد كبير، يجب أن أتحرك عمودياً و أتخطي الأشجار حتي أسرع بالإقلاع. لهذا تتطلب المروحية قدرة كبيرة . سألني الشهيد صياد:هل تقبل أمر الله عز وجل؟ قلت له إذا لم أكن كذلك، فماذا أفعل هنا؟ قال: أعمل ما تستطيع فعله. لقد رأيت إمدادات غيبية هناك. حيث أغمضت عيناي وتوكلت علي الله و أعلم لا قوة لهذه الطائرة. نطلب منك العون يا الله! في هذه الأثناء وجدنا أنفسنا علي الأشجار. لقد رجفت كل أعضاء جسمي كما في الهبوط لدينا مشاكل أيضاً. أعلنت حالة الطوارئ و جاءت سيارة الإطفاء إلي ذلك المكان و هبطنا بمساعدة من الله عز وجل.عندما ذهب الجميع، قال لي الشهيد صياد أنّ هذه العمليات تعتبر من أكبر العمليات التي قام بها لغاية الآن. قال: أعلم إذا قمت بتسجيل هذه العملية في مكتب الطيران الخاص بك ، ستتم معاقبتك على التحليق بهذا الوزن، لاتقم بتسجيلها ولا تخبر أي شخص  بها. بعد سنوات ، للمرة الأولى أحدثكم هنا عنها. بعد تلك العملية ، لم أر هؤلاء الناس ولم أفهم من هم ومن أين أتوا.»

و تابع السيد ناظوري قائلاً: «عندما بدأت عمليات والفجر 4،كانت لدينا 15 إلي 16 مروحية 214 و 3 طائرات. أمدنا سلاح الجو بثلاث طائرات. كانت أولى رحلاتنا الجبلية بعد عمليات جنوب البلاد .أثناء العمليات هاتوفوني لاسلكياً  و جائت رسالتها حيث أن جميع مروحيات 214 لاتعمل. هذا في الوقت الذي كان فيه وجود المروحية وحتى صوتها بالنسبة لهم بمثابة دافعاً معنوياً كبيراً.هل يمكن أن نؤخر انطلاق العملية حتي يتم تصليح المروحيات. في تلك الليلة شعرت بضيق شديد. اتصلت بالموظفين الفنيين في الليل وطلبت المساعدة منهم. قال الطاقم الفني: في هذا المكان توجد إمكانية لتصليح المروحيات، بغية توفير الآليات اللازمة لتصليحها، تصليح كل مروحية يستغرق يوماً واحداً و في النتيجة نحتاج 15 يوماً لتصليح جميع المروحيات. لقد وقعت هذه الحادثة في شهر آبان حيث الطقس كان في سنندج بارداً جداً وسقوط الأمطار علي أشدّها. لم يكن لنا مأوي و الأدوات منتشرة في فضاء مفتوح. طلب منّا الطاقم الفني أن نضع حاجزاً وبلاستيك حول المروحيات كي يعملوا أثناء الليل. طلبنا ووفرنا الإمدادات الضرورية من أصفهان. لإصلاحها، استخدمنا طائرات هليكوبتر .يجب أن تحلق الهليكبترات في الخطوط الأمامية، لكن هنا كنّا مجبرين. يمكن لـ شينوك  أخذ المزيد من البضائع والذخيرة مقارنة بطائرات الـ 214 ، لكن لديها القدرة على المناورة وقوة هروب منخفضة.  وجدنا أنّ المروحيات القادمة من القوات الجوية لديها نموذج أحدث و تمت صيانتها كذلك. لقد كانت قوة كبيرة بالنسبة لنا أن نعمل مع ست مروحيات إلى أن يتم إصلاح  طائرة هليكوبتر 214، ولكن يتحمل طيارينا الضغط ، لأنه إذا كانوا يحلقون خمس ساعات في اليوم ، فإنهم سيحلقون 10 ساعات في اليوم .لعدة ليال كنت أشرف علي عمل الطاقم الفني ورأيت أن أيديهم تلتصق بجسم المروحيات من شدة البرد القارس. نحن دائماً نتحدث عن تضحيات طيارينا ولم نقل شيئاً عن الطاقم الفني. كلما عدنا من التحليق يجتمعون حول المروحية لرفع إشكالياتها. باختصار ، صلحوا جميع الأجهزة في أقل من أسبوع بدلاً من 15 يومًا، والحمد لله تمكنا من الخروج بفخر .

طلب شفاء الجنرال العراقي من شهدائنا

كان الراوي الثالث السيد جواد هاشمي وقال:« قال أحد أصدقائي أنني كنت لحوالي عشر سنوات مسؤولاً عن تبادل الشهداء والجثث العراقية. ذهبنا إلى حدود الشلمجة، نستلم جثمان الشهداء و نسلّم جثامين العراقيين للجانب العراقي. كنت أعرف أن شهدائنا يدفنون في إيران في أفضل الأماكن، وأردت معرفة ما يفعله العراقيون بأجسادهم. أساساً هل يدفنوا جثامينهم؟ ذهبت إلى ممثل الصليب الأحمر الأحمر و أنا أكلمه بلغة انجليزية متعثرة، هل يمكنني أن أري الجانب الآخر من الحدود؟ قال لايمكن ذلك. و أشار إلي رجل طويل القامة و بشعر مجعد و قال ذلك الرجل هو مسؤول عن هذا الأمر، هو جنرال و إبان الحرب الإيرانية العراقية كان ممثل ماهر عبدالرشيد (أحد قادة الجيش العراقي). أهملت هذا الموضوع. ومرت حوالي عشر سنوات. وضعنا جثامين الشهداء في التوابيت التي أنشأناها، وقمنا بوضع الأجساد العراقية إلي جانبنا وأردنا التبادل. فجأة، رأيت ذلك الرجل كريه الوجه نفسه يمشي بين الشهداء ويضع يده في نعوشهم، ويزيل شيئًا ويحمله في قبضته. كان رجلاً واقفاً هناك و صرخت عليه بصوت عال وقلت له لايحق له أن يضع يده داخل نعوش شهدائنا، ماذا يفعل؟  دعاني للصمت، لكنني أكاد أنفجر. انتهزت غفلت الجنود و ممثل الصليب الأحمر و ذهبت إليه و أمسكت ياخته وقلت له بصوت مرتفع من الذي سمح لك أن تضع يدك داخل نعوش شهدائنا؟ أنا أعرفك جيداً، أنت الذي ترك جراحات و آلام كثيرة علي أفئدة شعبنا طيلة ثماني سنوات، أنت ممثل ماهر عبدالرشيد! نظر إليّ بشكل غريب . كان يعرف الفارسية و قال لم أفعل شيئاً يا سيدي! كرر هذه الجملة لعدة مرات. و كان ينظر إلي توابيت الشهداء فقط. كانت عيونه مبتلة بالدموع. قال: لدي أبنة مريضة عجزالأطباء عن معالجتها. فتح يده ورأيت في داخلها بقايا ملابس الشهداء. قال: سمعت أن شهدائكم يشفون المرضي، اسمحولي أن آخذ قطعة من ملابسهم، أريد أن أضعها داخل ملابس إبنتي حتي تشفي من المرض و بكي ».

 

الشاب و سماحة الشيخ

و تابع السيد هاشمي قائلاً: «لدينا رجل دين كان قائداً للفيلق. يبدو عليه سييء السلوك. في قسم إعلان الفيلق لدينا شخص طاعن في السن إسمه عمو حسين و الذي يعرف بعمو حسين الجبهات. كان في الصباح يركض عشر مرات حوالي أرض الفيلق الواسعة و لم يشعر بالأرق. كانت الشعارات المعروفة في ذلك الزمان من كلماته. كان رجلاً بسيطاً و صادقاً. كما أتينا بشاب أنيق لسماحة الشيخ و قلنا أنه يخاف من الجن و الأموات، أعطنا حلولاً ليتخلص من هذا الأمر. قال سماحة الشيخ: عليه أن يجد سلّماً ويذهب تحت ظله و يكرر العبارات التي أقولها له. لم يتمكن الشاب من العثور علي سلّم ما و ذهب للشيخ بعد عشرة أيام و قال له لازلت أخاف من الجن و الأموات. قال له سماحة الشيخ: تعال يوم الثلاثاء لحسينية الحاج همّت، وسأقول لك ما يفيدك. في يوم الثلاء تعقد جلسة قراءة دعاء التوسل. كان جمعاً غفيراً جالساً. قال سماحة الشيخ للمداح أعطني مكبّر الصوت، لدي ما أقوله. مسك المايك و قال إن أحد أبناء الجيش مصاب بالسرطان وقال إذا كنت سأموت، فارجوا أن أدفن بين هذين الجبلين. بعد نهاية المراسيم قال سماحة الشيخ من منكم مبتلى بالسرطان؟ إلتفت سماحة الشيخ نحو الشاب و قال له أنت! كان الشاب خائفاً جداً و يقول ليس مصاباً بالسرطان. قال له الشيخ لا تتكلم. و سأله قائلاً: ألا تريد ترك الخوف من الأموات؟ قال : نعم: قال له سماحة الشيخ: إذن لاتتحدث. أمر سماحة الشيخ الأفراد أن يضعوا الكفن علي ذلك الشاب وسط مركز إعلانات الفيلق، أي أنه توفي إثر السرطان!عمو حسن الذي كان رجلاً بسيطاً قال: من هو المتوفي؟ قلنا له فلان، لقد تأذي كثيراً و قال: يجب أن نطوف به في ساحة المراسيم الصباحية و نكرر لا اله الا الله! كنا ننظر إلي بعضنا البعض. سألنا سماحة الشيخ ماذا نفعل؟ قال: لا يتعلق بي الأمر و ذهب! وضعوا الجثمان علي أكتافهم و قاموا بتشييعه. كان ذلك الشاب خائفاً وقال لي هامساَ أن لا تدفنونني؟! لقد طمئنته. قاموا بتشييع الجثمان ووضعوا الجنازة أمام مبني إحدي الكتائب وكان هناك كل من سماحة الشيخ و القائد و مساعد القائد الذي كان رجل دين جليل القدر. قال ذلك الرجل أن نقرأ عليه صلاة الميت، أنتهي جزء من صلاة الميت و حينها تحرك الجثمان و علمنا أنه لازال حيّاً. استمرينا بالصلاة و رأيناه يجر أنفاسه. بعد الصلاة قلت أنني سمعت هذا الشاب يقول لا أريد أن أدفن هنا. وراء الساتر، قمنا بحفر قبر له و صلاة الليل،ذهبوا به إلي القبر و دفنوه هناك. عندما سمع ذلك الشاب هذه الكلمات، نهض من التابوت جارا وراءه الكفن!»

قصة طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات

ذكر السيد هاشمي آخر مذكراته قائلاً:« تذكرت في أحد الاحتفالات التذكارية للشهداء. بعد الاحتفال ، عندما أضاءت الأضواء، رأيت فتاة تبلغ من العمر 22 أو 23 سنة لا تزال تبكي بشدة. أعطتني ورقة وطلبت مني أن أقرأها . كان شعراً. قلت لقد قرأت هذه الأشعار في يوم عقد القران. أنا إبنة الشهيد سيد علي رضا الموسوي، انتظرته 22 عاماً وقلت لن أتزوج حتي يعود. سألتها: هل عاد ؟ قالت: نعم! قالت و هي تبكي أنا السيدة رقية سادات موسوي. عندما كنت في الثالثة من عمري، كنت أتحدث بشكل جيد، حيث كان يضرب بي المثل الأعلي بين الأقارب. كان والدي في كل مرّة عندما يأتي من الإجازة، يهديني دمية. كان يلعب في الدمية بيده اليمني و يداعبني بيده اليسري. كنت أجلس علي رجله و أتحدث معه. في إحدي المرات عندما جاء من الجبهة، جلست علي رجله. رأيت الدمية في يده اليسري. يداعب الدمية بيده اليسري و يداعبني أيضاً بنفس اليد. لمسته و رأيت أن يده مقطوعة. سألته أين يدك اليمني يا أبي؟ قال تركتها في الخندق. بكيت، وقلت له: يجب أن تذهب للخندق و تأتي بيدك اليمني. بكى أبي و قال: نعم هذه المرة إذا ذهبت و عدت ثانية سأجلبها معي. لقد ذهب أبي و لم يعد ثانية. أري أمي تجلس في زاوية وتبكي، أسألها تبكين من أجل أبي؟ تقول : نعم إبنتي، لقد ضاق صدري و اشتقت له. أري أنهم يأتون بالتوابيت و يطوفون بها حول المدينة و أسألهم أليس أبي في أيّ من هذه التوابيت؟ تقول أمي: لا يا إبنتي، ليس أبيك فيها. لقد أدركت رويداً رويداً ما هو مفهوم و معني مفقود الأثر. في إحدي السنوات، ذهبوا بأطفال الشهداء و المفقودين إلي سورية، لقد عبرنا أنا و أمي من زقاق ضيق ينتهي بقبة صغيرة. سألت أمي لمن هذه القبة؟ قالت أمي: لقد سماك أبوك تيمناً علي إسمها رقية. قالت أمي أن هذا الزقاق كان يوماً من الأيام أطلالا، هذه السيدة تحب أبيها مثلك بشكل لايوصف. وعندما رأى العدو أن هذه الفتاة كانت تبكي على أبيها ، وضع رأس أبيها في سريره وأتى به، وتحدثت حينها مع رأس أبيها. وصلنا إلي ضريحها الصغير،عندما وصلنا ذهبتُ بمفردي نحوها. تحدثت مع تلك السيدة و قلت لها أنك تشبهيني كثيراً، لكن هنالك فرق بيننا، أنت رأيتِ رأس أبيك، هل تعرفين ما معني مفقود الأثر؟في يوم زواجي قلت لهم أطفؤوا جميع المصابيح، لقد وعدني أبي أن يأتي يوم زواجي و قرأت حينها أشعاري. «ماذا حدث و لم تأتي لنا كل شباب والدتي، لماذا لم تأتي؟ بالرغم من الصعوبات، لكن كبرت بنتك، يا أيها الوفي، لم تأت إلي عقد قرانها؟ العريس و العروس يريدان السفر يا أبي،إ لي زيارة الإمام موسي الرضا (ع)؟ كتبت رسائل كثيرة بين دفتر أشعاري، لقد نذرت الكثير و رفعت يديي إلي الله. سأفتقدك في غيابك يا أبي. أنت لم تأت لمن يحبك و يعشقك...».

يُذكر أن برنامج ليالي الذكريات للدفاع المقدس المئتين و الواحد و التسعين أُقيمت بجهود مركز الدراسات والأبحاث الثقافية و الأدبية المستدامة و مكتب الآداب و فن المقاومة، مساء الخميس الثالث من شهر خرداد لعام 1397 في صالة سورة الفنية. سيعقد البرنام القادم في السابع من شهر تير.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 142


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر
نظرة علي كتاب « خطر سقوط الإنهيارات الثلجية»

ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب

«خطر سقوط الإنهيارات الثلجية: ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب» ، صدر الكتاب الرابع تحت عنوان  موضوع دراسات الحرب عن مجموعة  كتاب هابيل. وصدر عن دار آرما للنشر في إصفهان حديثاً (بهمن 1396) للكاتب محسن حسام مظاهري. وأوضح مؤلف الكتاب في المقدمة أنّ: «مذكرات كتب الحرب هي أكثر الأعمال عدداً من حيث الأرقام والأعمال التي كتبت ونشرت من أي وقت مضى حول موضوع الحرب بين إيران والعراق». كل عام، يتم إنتاج عدد كبير من المذكرات الجديدة في أشكال مختلفة