ملاحظة واردة

اللغة وأسلوب الكلام في السرد الشفهي

فاضل شيرزاد
المترجم: السيد محسن الموسوي

2026-1-14


إن تسجيل السرديات الشفوية من حقبة الحرب ليس مجرد تسجيل للأحداث، بل هو حفظٌ لتراثٍ حيٍّ وثمين؛ تراثٌ تُنسج في نسيجه ذكريات وتجارب وثقافة ومعتقدات رجالٍ أعمتهم الأحداث، فضحوا بحياتهم من أجل وطنهم. وتتجاوز هذه السرديات مجرد سرد العمليات والأحداث العسكرية؛ إنها مرآة شاملة لروح المحاربين وقيمهم وهويتهم الفردية والجماعية وثقافتهم الروحية. إلا أن شرط نقل هذا الكنز سليمًا وأصيلًا إلى الأجيال القادمة هو الإلمام العميق بخصائصهم اللغوية وأسلوب كلامهم، فاللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل هي أيضًا جسر بين التجارب المعاشة والذاكرة التاريخية للأمة.

 

  1. اللغة: مرآة الهوية الفردية والثقافية

لكل محارب لغةٌ مستمدة من أرضه ومسقط رأسه. تُشكل اللهجات والتعبيرات المحلية والتعبيرات الفردية جزءًا من هويته اللغوية. على سبيل المثال، استخدم المحاربون من شمال البلاد كلماتٍ وتعابير غير مألوفة للآخرين. مصطلحات مثل "كسر الخط" و"إشعال النيران" و"أطفال التخريب" و"الكمين" ليست مجرد مصطلحات تقنية، بل تحمل معانٍ عميقة وتجارب ميدانية بحتة. إن إزالة هذه المصطلحات أو استبدالها يُعادل إزالة طبقة من هوية السرد؛ كأنها تُمحى نقوش وتصاميم سجادة يدوية، تكمن أصالتها وجمالها في تفاصيلها. عندما تُدوّن الرواية باللغة المحلية الأصيلة، لا يدرك الجمهور الحدث فحسب، بل يلمس أيضًا أجواء الجبهة، وروح المحاربين، ولون ونكهة الحياة في تلك الحقبة.

 

  1. اللغة؛ تنقل الطابع العاطفي والروحي

كلمات المحاربين ليست مجرد أداة لوصف مشاهد الحرب؛ بل تحمل في طياتها ثقلًا هائلًا من المشاعر الإنسانية. أحيانًا تكشف جملة بسيطة عن شوقٍ عميق، أو شجاعة، أو خوف. إذا لم يكن الباحث أو المُحاور مُدركًا لخفايا هذا الأسلوب الكلامي، يختفي جزء كبير من الشحنة العاطفية للسرد، والنتيجة ليست أكثر من تقرير جاف وبلا حياة.

 

  1. المصطلحات التقنية؛ مفتاح فهم السرديات

في صميم كل سردية حربية تكمن ثروة من المصطلحات التقنية والعسكرية: "الاستطلاع"، "الجهة الخلفية"، "إطلاق النار"، أو أسماء عمليات مثل "والفجر". لا تشير هذه المصطلحات إلى الجانب التقني للعمليات فحسب، بل تحمل أيضًا طابعا روحيا وعاطفيا خاصة. إن الجهل بهذه المصطلحات يؤدي إلى تحريف أو سوء فهم الرواية، في حين أن تبسيطها أو حذفها يقلل من القيمة التاريخية للرواية ويخلق فجوة بين جيل اليوم وواقع الأمس.

 

  1. اللغة: تربط بين الثقافة والمعنويات في الجبهة

في سرديات الحرب، غالبًا ما تحمل الكلمات دلالات روحية. وقد استعان العديد من المحاربين بآيات من القرآن الكريم، وأدعية، والزيارات، ومفاهيم عرفانية في خطاباتهم. كانت لغتهم مرآةً للإيمان والمعتقد، وفي ضوئها بدت الجبهة ليس فقط ساحةً للقتال، بل مدرسةً للحب والتضحية. ويضمن التدوين الدقيق لهذه الأجزاء أن تبقى هذه الروايات، ليس فقط وثائق تاريخية، بل أيضًا آثارًا ثقافية وروحية في حياة الأجيال القادمة.

 

  1. الحفاظ على الأصالة؛ منع التحريف التاريخي

من أخطر مخاطر تسجيل السرديات الشفهية تحريف اللغة أو تبسيطها. فإذا أُزيلت، بحجة السيولة، المصطلحات المحلية وأسلوب الكلام الأصيل للمحاربين، أصبحت السرديات رتيبة وبلا حياة؛ تتلاشى الفروقات الإقليمية والفردية، ويضيع جزء من الحقيقة التاريخية. إن الإلمام بلغة المحاربين وأسلوب خطابهم يضمن أن كل رواية، كوثيقة حية وأصيلة، تحافظ على جميع تفاصيلها الثقافية والتاريخية.

 

  1. القيمة الأدبية، والثقافية، والتربوية للغة المحاربين

تُعدّ لغة المحاربين وأسلوب خطابهم كنزًا من الإبداع والعمق الإنساني. ويمكن الاستفادة من تحليل هذه اللغة في الدراسات الأدبية والثقافية، وحتى النفسية. تعكس الكلمات المختارة، وطريقة التعبير عنها، وبنية الجمل، الهوية الجماعية، والقوة الروحية والثقافية للرجال الذين خاضوا غمار المعركة. يمهد البحث في هذا المجال الطريق لدراسات متعددة التخصصات، ويساهم في فهم أفضل لثقافة الجبهة وروح المحاربين.

 

  1. اللغة: جسر بين الماضي والمستقبل

عندما تُدوّن سرديات الحرب بلغة المحاربين الأصيلة والطاهرة، لا يُخلّد التاريخ فحسب، بل تبقى روح ذلك العصر وروحه باقية. تبني هذه السرديات جسرًا بين أجيال الأمس واليوم؛ جسر ينقل قيم الشجاعة والإيمان والتضحية والتضامن الإنساني إلى الأجيال القادمة ويربطهم بجذور هويتهم.

لذا، فإن الإلمام بلغة المحاربين وأسلوبهم هو مفتاح تدوين سرديات حية وأصيلة ومؤثرة. هذه المعرفة تضمن وصول ذكريات وتجارب الدفاع المقدس، بكل ما تحمله من عمق عاطفي وروحي وثقافي، إلى الأجيال القادمة. إن كل قصة تُروى باللغة الحقيقية للمحارب ليست وثيقة تاريخية فحسب، بل هي أيضًا نافذة على أرواح وحياة الرجال الذين خلقوا من خلال تضحياتهم فترة خالدة في تاريخ هذه الأرض.

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 4


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 
ملاحظة واردة

اللغة وأسلوب الكلام في السرد الشفهي

إن تسجيل السرديات الشفوية من حقبة الحرب ليس مجرد تسجيل للأحداث، بل هو حفظٌ لتراثٍ حيٍّ وثمين؛ تراثٌ تُنسج في نسيجه ذكريات وتجارب وثقافة ومعتقدات رجالٍ أعمتهم الأحداث، فضحوا بحياتهم من أجل وطنهم.
الأركان الثلاثة للتاريخ الشفوي؛

تحليل مفاهيم "الزمن" و"المكان" و"الراوي" في عملية المقابلة

التاريخ الشفوي، كمنهج بحثي، ليس مجرد جمع بيانات، بل هو عملية إنشاء وثيقة تاريخية. جوهر هذه المنهجية هو المقابلة. تعتمد جودة المقابلة على فهم المُحاور للمفاهيم الثلاثة المترابطة: الراوي، والزمن، والمكان.

ذكريات زوجة الشهيد السيد محمد علي جهان‌آرا

حول حفل زفافهما
اتصل محمد وتحدثنا عن موعد الزفاف الرسمي. اتفقنا على إقامة حفل زفاف بسيط في منزلنا في التاسع من سبتمبر، الذي كان يصادف عيد ميلاده. بالطبع، كانت هذه المصادفة صدفة، ولم تكن مُخططًا لها. في صباح يوم الزفاف، حضر محمد. اشترى الفاكهة للحفل، وكنتُ قد اشتريتُ الحلويات في اليوم السابق. في ذلك اليوم، ارتدى قميصًا أبيض لم يكن جديدًا.

زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ

 ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں