ذكريات أيام الثورة لبنت أصفهان
المقابلة: مائدة شاه نظري
2025-2-8
أنا الزهراء كرباسي من مواليد عام 1937. وأسلافي كانوا من رجال الدين والمراجع المشهورين في أصفهان، وقد دُفِنَ جَدُّنا الأكبر في منزله بالقرب من مسجد حكيم الواقع في أصفهان. تزوّجتُ عام 1952 عندما كان عمري لا يتجاوز 14 سنة وأنجبت ثلاث مرات حتى عام 1956 وفقدتُ اثنين من أطفالي بسبب المرض بعد بضع سنوات. عندما كنتُ طفلة أذهب إلى كُتّاب يُدار عبر امرأة مؤمنة كانت تقول بأنها لم تذهب إلى الحمام العام عدة سنوات أيام كشف الحجاب. لم تكتب هذه المعلمة سطراً واحداً خلال سنوات قضيتُها عندها كتلميذة لها ولم تكن راضية على الإطلاق عن التعليم الذي كانت تقوم به وأخوها كان يكتب لنا نماذج من الخطوط على قطع صغيرة من الورق لتمرين الكتابة ونفسها كانت تُعَلِّم قراءة القرآن فقط. تعلمتُ قراءة القرآن منها، وكان والدي يعطيني كتب العلوم الدينية ويقول لي أن أقرأها له وهو نائم، وعندما كنتُ أحس أنه نام بالفعل، لم أقرأ، لكنه كان يدرك ويقول: "إقرأ! وأنا أسمع أيضا في النوم". لم يأخذ والدي الجنسية لإخوتي حتى لا يتم تجنيدهم للخدمة العسكرية لأنه في ذلك الوقت، كان يقوم العديد من العائلات التقليدية هذه المبادرات لهروب أبنائهم من الخدمة العسكرية وهذا العمل كان يعتبر نوعاً من إيراد الخلل للدولة آنذاك وفي وقت لاحق أخذ خالي الجنسية لإخوتي. عائلة والدتي كانت مثقفة، وكان العديد منهم يعيشون في فرنسا، لكن عائلة والدي كانت تقليدية ومن هواة العلم. ووالدي كان يؤمن بي كثيراً وقرأ لي الكتب التاريخية، والدينية، والأدبية عندما كنت طفلة. والدتي كانت تؤكد كثيراً على أنه لا ينبغي لي أن أفعل شيئا مثل سحب الماء من البئر في العمر المبكّر، لكن والدي كان يقول: "لا، هذه الطفلة تستطيع فعل ذلك".كنت في الرابعة من عمري وأنا أقرأ القرآن جيداً بسبب تعليم والدي وهو يعلّمني كل صباح قراءة القرآن ويعطيني حوالي خمسة ريالات في ذلك اليوم لأحفظ سوراً من القرآن مثل الذاريات، والواقعة، وقصار السور.
زوجي كان رجلاً سوقياً، لا يراعي حقوق المرأة على الإطلاق، ولم تكن له علاقة برجال الدين أو حتى غيرهم وهو كان مجرد رجل يميل إلي السوق فقط. وكل يوم كان يذهب ويفتح باب محلّه ويعمل ويرجع. لم يكن رجلاً سيئًا لكننا لم نتمتع بحياة جيدة، وحياتنا لم تكن سيئة.
كانت تسود حياة باردة بيننا. وأنا بعد أن حصلتُ علي استقلالي المالي من خلال التدريس، انفصلتُ عنه بدون الطلاق وبمساعدة والدتي وقرضين مبلغهما 35 ألف تومان اشتريتُ منزلاً في شارع الرباط. وفي أحد الأيام جمعت أثاثي وأمسكت بأيدي أطفالي واستأجرت سيارة وغادرت منزله وهو تعجّب كثيراً. لم يكن منزلي الجديد يحتوي على مرافق و جميع مصارف الحياة كلها على عاتقي ولم يساعدني أحد، زوجي كان يزورنا في بعض الأوقات لرؤية الأطفال. وبسب أنني كنت أتمتع بقدرات جسمية ونفسية، إضافة إلي تمتعي بسمعة حسنة ودعم عائلي جيد أقول لنفسي دائماً لو لم أتزوج في هذا العمر المبكر، ربما كنتُ سأتمكن من العمل أكثر بكثير وأنتفع الآخرين، توفي زوجي قبل حوالي 15 عاماً.
بدأتُ الدراسة في مدرسة الكبار (المشهورة بأكابر) حوالي عام 1968 وأكملت 12سنة دراسية خلال 6 سنوات. وفي الأسبوع الأول وصلتُ إلى الصف الثالث وأرسلني المعلمون إلى الصف التالي. وبحلول عيد النوروز من نفس العام، حصلتُ على شهادة الصف السادس وبدأت التدريس في السنة السادسة من المدرسة الابتدائية بدلاً من معلمتي التي كانت حاملاً.
وفي عام 1966 هـ تمكنت من الحصول على الدبلوم وبعد عامين عندما لم أتمكن من الالتحاق بالجامعة بسبب الحد العمري، تمكنت أخيراً من الالتحاق بالجامعة في فرع الفلسفة. وبعد فترة غيرتُ فرعي وحصلت على درجة البكالوريوس في علم النفس من جامعة أصفهان الحكومية. كنت أيضًا معلمة وتم استدعائي لتدريس القرآن الكريم في مدرسة نوربخش. وبعد مدة غادرت مدرسة الصف الرابع وأخذتُ مكانها. كما أنني كنت مشغولة بالتدريس علي الخاص وأكتسب لقمة عيش نفسي وأطفالي. كان العقيد نوربخش قد أمرني وزميلتي الأخري بمغادرة هذه المدرسة، لأن البعض أبلغوه أننا كنّا نتحدث عن السياسة في الصف وأنّ هذا سيسيء سمعة المدرسة. وأنا قلتُ: "أقبل ذلك! أنا أذهب، لكن أينما جلستُ سأقول أن العقيد نوربخش طردني". ولهذا السبب وافق العقيد على بقائنا في المدرسة وقال: "لا تلعبوا بسمعتنا". لقد تعلمتُ أيضًا اللغة الأجنبية في جمعية إيران وإنجليز.
وبعد فترة اتصلت بي السيدة داريس مديرة مدرسة رحمت وهي مدرسة إنجليزية، وكان زوجها أحد أقاربنا، وطلبت مني أن أذهب إلى مدرستهم لتعليم القرآن، لأنها سمعت كيفية تعليمي وأنا قبلتُ. كان يعطونني رواتب أكثر من مدرسة نوربخش الإسلامية. وفي هذه المدرسة، حيث يجمع الطلاب أيديهم على الطريقة المسيحية ويحمدون الله وصل الأمر إلي مرحلة فازت هذه المدرسة بالمركز الأول في أصفهان في درس القرآن. ولم تكن إدارة المنطقة سعيدة بهذا الحادث ولا مديرة المدرسة. كان علي أن آخذ ابنتي وابني الصغيرين معي إلى مدرسة رحمت. ساعدني مسؤول المدرسة وزوجته، وهما رجل وامرأة مسيحيان و كبيران في السن، كثيرًا في رعاية أطفالي.
وفي أحد الأيام، سألني والد أحد زملائي، وهو رئيس إحدى إدارات وزارة التربية والتعليم صدفةً ، هل أنا من الذين تم تعيينهم في وزارة التربية والتعليم أم لا. لم أكن من ضمن الذين تم قبول تعيينهم وقبل ذلك لم تتم الموافقة على طلبي في ذلك. وبعد ذلك أخبروني أنه ستقوم دورة لتدريب المعلمين لأبناء نجف آباد في مدينة نجف آباد، وبحضورها يمكنني أن يتم قبول تعييني.
اجتمع حوالي 400 معلم، كل منهم يمثل مدرسة، في مكان واحد وأجريت الانتخابات. ونتيجة للانتخابات، تم انتخاب 12 شخصا لعضوية المجلس المركزي لمجتمع المعلمين. دخلت إلى القسم المركزي ومعي امرأتان أصغر مني، إحداهما السيدة هسه اي، والتسعة الآخرون هم من الرجال، ومن بينهم؛ السيد برورش، إخوة نيلفروشان (الذين لا يزال لديهم مدرسة الإمام الصادق (ع) في أصفهان)، والسيد زهتاب، والسيد تلجيني والشهيد خليفة سلطاني وجميعهم كانوا من نوادر عصرهم حقاً.
وفي عام 1978 نظمنا إضراباً للمعلمين في مجتمع المعلمين؛ بحيث لا يحضر المعلمون والطلاب في الصفوف الدراسية. أنا أتذكّر أنه كان لدينا اجتماع في إحدى المدارس التي كان يديرها السيد نيلفروشان، وقد حضر الاجتماع نائب رئيس سافاك أصفهان آنذاك واتصل بنا واحدًا تلو الآخر وتحدث معنا كما تحدث لنا بشكل عام وقال كلما تريدونها. وكل مزايا تبحثون عنا نحن نعطيكم، فقط افتحوا المدارس، لكن لم يصوّت أحد منا لكسر الإضراب.
وأتذكر أن السيدتين الآخرتين لم تشاركا في الاجتماعات التي كانت تعقد عادة ليلاً في تخت الفولاذ، بسبب القيود المفروضة على النساء، ولكن لأنني كنت مستقلة وزوجي لم يكن يعلم بنشاطي على الإطلاق، أحياناً كنت أذهب وحدي وأحضر في الاجتماعات و جميعنا تسود فينا المساواة ولا فرق بين الرجل والإمرأة وبالرغم من أن يُقال لي: "أنتن يا سيدات، لا تخاطرن، لأنه إذا اعتقلونا نحن، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق، ولكن إذا اعتقلوكن، فلن نتمكن من فعل أي شيء، لذا لا تورطن أنفسكن في الورطة". ومع ذلك، عندما أتذكر ذلك الوقت، تتجمد يداي بسبب الخوف والخطر الذي كنت أتعرض له و إذا تم القبض علينا، فلن تكون لدينا نهاية سعيدة.
المدرسة التي عملت فيها كخبيرة تعليمية أثناء الإضراب كانت تقع في شارع أرديبهشت. لا أتذكر اسم المدرسة، لكنها كانت مدرسة تجريبية، ولأنني تعلمتُ الأساليب الجديدة في التعليم في إحدى المدارس الإنجليزية وحصلت على شهادة البكالوريوس في علم النفس، عملت هناك في مكتب الإدارة. وكانت تلك المدرسة بجوار سور وزارة التربية والتعليم مباشرة، وكان السيد كمالي هو مدير المكتب، الذي نظم لقاء مفصلا مع المعلمين داخل نفس المكتب وقال بلهجة متذمرة: "لقد أغلقوا مدرستي المطلوبة ". مما يعني نفس المدرسة التي أنا أغلقتُها.
وبطبيعة الحال، كان عدد من المدارس لا يزال مفتوحا والمجموعة التي كانت تؤيد الحكومة تعقد اجتماعات وتعمل كل ليلة. ذات مرة، عقدوا اجتماعًا مهمًا في إحدى المدارس في أحمد آباد، وأخبرني مجتمع المعلمين أننا نريد أن نعرف ما يجري في هذا الاجتماع. دخلت الاجتماع طوعاً لأنني لم أكن معروفة في ذلك الحي واكتشفت أنهم قرروا أن لن يعطوا النفط، الذي كان نظام التدفئة الوحيد في المدارس في ذلك الوقت، للمدارس المقام فيها الإضراب. كنا نحن المعلمين نذهب إلى المدرسة، لكننا لم نقم بالتدريس. أنا جئتُ وأعلنتُ هذه المقاطعة، ومنذ ذلك اليوم بدأنا بتقنين وتخزين النفط في المدارس.
أنا أتذكر اليوم الذي غادر فيه الشاه البلد، تجمع الناس في مسجد سيد. قاموا بتشغيل التلفزيون هناك. وكانت امرأة لا ترتدي الحجاب تحكي الأخبار. بدأ الناس بالصراخ ليطلبوا من هذه المرأة أن ترتدي حجابها. لقد فوجئتُ بهذه الحركة وفكرتُ كثيراً.
عندما الإمام الخميني ذهب إلى قم من طهران، ذهبتُ أنا وزميتلي إلى قم. كان من الصعب زيارة الإمام الخميني. حتى أنهم فحصوا أحذيتنا. بقينا تلك الليلة في قم وغدا ذهبنا لزيارة الإمام الخميني مرة أخرى ثم رجعنا إلى أصفهان.
في بداية الثورة تعرفتُ على السيدة الدباغ من خلال الدكتور سروش، وكنا نتحدث بحضورها عن قضايا المرأة والحضور الاجتماعي للمرأة الثورية. في ذلك الوقت، كان هناك الكثير من الإثارة الثورية وعملنا كثيراً من أجل الثورة.
بعد انتصار الثورة، وبالنيابة عن مجتمع المعلمين والسيد تلجيني، تم تكليفي بإدارة مدرسة بالقرب من دروازه طهران كانت مدرسة متوسطة. ومديرة المدرسة السابقة كانت لا ترتدي الحجاب وقد أقالوها حفاظاً على كرامتها. كانت هذه السيدة من أقربائنا البعيدة أيضًا واقترحوني أن أصبح المديرة عوضاً عنها. لم تكن لدي أي خبرة في هذا العمل وكان من الصعب علي قبول هذه المسؤولية، لكنني قبلت أخيراً وفي فترة قصيرة قمت بكتابة وتنسيق برنامج للمدرستين. وبعد ذلك، أصبحت مديرة لمدرسة الفردوس، أو شاهدخت السابقة، التي كان عدد تلميذاتها حوالي 1300 تلميذة. وفي كل صباح، كانت الجماعات اليسارية مثل راه كاركر وغيرها تتجمع حوالي ثلاثين أو أربعين تلميذة، ويضعون لافتات ويبدأون في إلقاء المحاضرات. وفي بقية المدارس كانت هذه الاجتماعات مصحوبة بالضرب، لكن في مدرستي لأنني كنتُ أشارك شخصياً في الاجتماعات وأسيطر على الأجواء، لم يحدث أي شيء يسيء الأخلاق، والمدرسة الوحيدة التي لم تحدث فيها مبادرات للضرب رغم الحشود الثورية، كانت هذه المدرسة التي كنت أديرها .
أتذكر أن التلميذات جئن يوماً وقلن إن فلانة أقامت حفلة عيد ميلاد ودعتنا أيضاً، وطلبن مني أن أعبر عن رأيي تجاه ذلك . وأنا قلت: "إذهبن، لكنني سآتي أنا أيضاً". ذهبتُ وشاركتُ في الحفل ولم أقل أي شيء يزعجهن، ولم أسمح لهن بفعل شيء يسيء الأخلاق.
في مدرسة الفردوس هذه، حدث خلاف جدي مع رئيس ناحية التعليم والتربية بسبب مبادراته غير اللائقة. ليس من الصواب أخلاقياً أن أذكر اسمه، لكن الأمر وصل إلى حد أنني طلبت نقلي إلى شاهين شهر. كانت دائرة التعليم تؤيد مدرسة الفردوس، وكنت أبقى في المدرسة وأعمل في فترة ما بعد الظهر. كنت في المدرسة وجاءت واحدة من التلميذات باكية وقالت: "يا سيدة كرباسي، تبعني رجل وسألني لماذا حجابك مقلوب، والآن يأخذني ويقتلني". كانت خائفة جداً. والغرفة التي كانت تختص للمحاسبات خلف مكتب إدارتي الخاصة. فتحت باب الغرفة وقلت ادخلي وأغلقت الباب. رأيت أن رئيس المكتب دخل فقال: أين هذه الفتاة التي دخلت المدرسة الآن؟ قلت: "إنها ليست هنا الآن". وأصرّ علي أن أقدمها. لم أستطع إهانة الفتاة التي كانت تأويني، ولم أر هذا الأسلوب مناسباً، ومن ناحية أخرى، لم أستطع فعل أي شيء في تلك اللحظة، لأنه يتحدثون حول هذه البنت . تلقيت إخطاراً من الدائرة غداً. وذهبت إلى الدائرة. وقالوا هناك: "تعالي واكتبي، أنا ضد الحجاب". وقلت أيضًا: "أنا لست ضد الحجاب ولي أيضًا صورة عندما كنت في الرابعة من عمري ارتدي الحجاب شددت خلفه بِزُرٍ . أنا لا أوافق سلوككم. ولا يمكن تشجيع أحد على ارتداء الحجاب بهذه الطريقة، خاصة في ظروف أن هذا الموضوع جديد جد لفتياتنا. حتى لو جاءت تلميذة لا ترتدي الحجاب، فلن أمنعها وأتحدّث معها، وسأحضر لها البراهين". وخاصة أن كثير من تلميذاتي أصبحن محجبات بهذا الشكل. وأخيراً، أعطيت اسم الطالبة ومواصفاتها، لكن بما أنها كانت من عائلة ثرية، لم يسبب لها ذلك أي مشاكل، لكن هذه القضية أوردتني الكثير من المشاكل.
وبطبيعة الحال، لم تكن واحدة بدون وشاح في ذلك الوقت؛ لكن وفقاً لكلمات رئيس الدائرة هذا، إن هذه الفتاة لم تكن ترتدي الحجاب بشكل كامل. ووصل الأمر إلى حد أن الأمين العام للتعليم والتربية، الذي خالف سابقاً طلب نقلي إلى شاهين شهر، قال: "الآن إذا كنت تريد النقل، فاذهبي لأن هذا الرجل لا يوافقك ".
وبعد نقلي إلى شاهين شهر، أصبحت مديرة في مدرسة هفت تير. وفي اليوم الذي ذهبت فيه إلى المدرسة، اكتشفتُ أنه حتى أباريق المدرسة نقلتها المديرة السابقة إلى مدرستها الجديدة . اتصلت بالسيد تلجيني وشرحت له الوضع، فقال: "لا أستطيع المساعدة كثيراً، لكن إن البضائع المتبقية من الأمريكيين الفارين موجودة داخل خانٍ بالقرب من الجامعة الصناعية". ثم أعطاني العنوان لأذهب وأجلب المعدّات اللازمة. استأجرت سيارة بنفسي وفي أربع مرات وجلبت عدداً من الخزائن للملفات، والثلاجة، والطاولة، والكرسي وما إلى ذلك.
كان يبيعون البضائع الأمريكية هناك؛ لكنني لم أشتر أي شيء لنفسي.
وقبل هذا، كانت هناك مدرسة مهنية باسم "إيران" في حي نارون بمدينة أصفهان، وتم نقلها إلى مكان جديد، وجلبت مديرة المدرسة اسم المدرسة معها إلى المكان الجديد، ولم تكن هذه المدرسة تحمل اسماً. سلّمني السيد تلجيني المدرسة وسألني: "ما اسم المدرسة؟" فقلت: "طالقاني". وفي وقت لاحق، أصبح اسم الشارع الذي تقع فيه تلك المدرسة يسمى طالقاني مثل اسم المدرسة نفسها التي سميتُها أنا. لقد أعدتُ بناء هذه المدرسة بنفسي من الصفر بالغنائم المتبقية من الأمريكان.
بعد انتصار الثورة، دعاني علي أكبر برورش الذي عُيّن مديراً عاماً لوزارة التربية والتعليم، إلى طهران للحضور في ندوة. أخذونا إلى مكتب مدير عام الوزارة، وهو السيد برورش. كان مكتبه قاعة كبيرة تُزيّنها ستائر مخملية جميلة وطويلة. قمت بسحب هذه الستائر ورأيت أن الحمام دخلن من خلال فتحة النافذة وكان الجزء الخلفي من هذه الستائر ملوثًا بفضلات الحمام لدرجة أنها لم تعد مفيدة. عندما جاء السيد برورش، اعترضت عليه قائلة: "أنتم الرجال متحيزون، تأتون فقط، وتقومون بالأعمال الإدارية ثم تغادرون، ولا تهتمون بما يحيط بكم. كيف أتيت إلى هنا وخرجت ولم تر شيئًا كهذا يحدث في زاوية هذه الغرفة النظيفة والجميلة؟" وقال السيد برورش: "والله لم أره. إذهبي واتركيني".
وكان إخوة نيل فروشان الثلاثة من الأعضاء الآخرين البارزين في مجتمع المعلمين، وكانوا أشخاصاً شرفاء ومثقفين للغاية ونشطين ثقافياً. وهؤلاء في بداية الثورة، في شهر محرم كل عام لمدة عشرة أيام كانوا يلقون محاضرات ثلاث ساعات والضيوف يتناولون العشاء، لكن الضيوف هم كانوا مجرد المعلمين. وكان يُدعي الخطباء المثقفون للغاية وهم يلقون كلمات فكرية عميقة دون شعارات. وأحد الخطباء كان ابن الدكتور بهشتي والآخر الدكتور سروش. وفي هذا الحفل، بدلاً من الموسيقى وحتى النعي، يعزفون الناي. كانوا يقومون بتهيئة الأجواء وإطفاء المصابيح وإشعال المصابيح التقليدية القديمة في الحفل، وبهذه الطريقة يعبرون عن مشاعرهم الحزينة وكان اجتماعا جيداً، لكنه للأسف وبمرور الأيام ضَعُفَ هذا النشاط لبعض الأسباب ولم يقم كما كان.
ومدارس تدريب المعلمين كانت تحت إشراف الشهيد خليفة سلطاني. لقد أصر علي ذات مرة أن أصبح مديرة لمدرسة في شارع مدرس. فقلت: "لقد كنت مديرة لمدرسة فردوس ولم أعد أستطيع ذلك". وأصر مرة أخرى فقلتُ: "لا أستطيع أن أرتدي الشادور مثل باقي مديراتك وأعمل". فقال الشهيد خليفة سلطاني: "طيب لا تلبسين الشادور". بالطبع لم أذهب ثم استشهد. وابنة عمتي هي زميلتي وقد أسست مدرسة في كندا حيث كانوا يدرسون اللغة الفارسية فيها في أيام العطلة. أرسلت لي دعوة وذهبتُ إلي هناك. وفي أحد الأيام، لم يأتِ معلمهم، فقال ابنة عمتي: "تعالي واذهبي إلى الصف"، فوافقتُ أنا.
لكي يتم قبول تعييني ، كان من الضروري التدريس في المناطق المحرومة لمدة عام، لذلك طلبت مني دائرة التربية والتعليم أن أذهب إلى قرية أو منطقة محرومة، لكن لم أستطع الذهاب إلا بعد الظهر لأنني كنت أقوم بالتدريس في مكان آخر. وأخيراً قبلوني أن أذهب إلى مدرسة للبنين في منطقة "درجه". لقد مر شهران من العام وأنا دخلتُ تلك المدرسة وخصص لي المدير بالضبط ذلك الصف الذي لا يحضر فيه المعلم حتي أدرس فيه بطريقتي الخاصة. كنت أرتدي الحجاب وكنت أكبر سنًا من المعلمين الآخرين الذين أتوا من دانش سرا(جامعة تدريب المعلمين)، ولهذا كنت أسمع أن التلاميذ يقولون أن هذه المعلمة العجوز التي جاءت أخيراً تكون صارمة للغاية في الصف. أنا حضرت في الصف وأمرت التلاميذ بكتابة إملاء. حصل ثلاثة أشخاص من بينهم على درجة العشرة فقط ودرجات جميع التلاميذ الباقين كانت أقل من العاشرة. أدركت أنه نظراً لأن هذه المدرسة تضم ستة صفوف من الصف الخامس وخمسة صفوف يحضر فيها المعلمون، فقد وضع هؤلاء المعلمون جميع الطلاب الذين حصلوا على درجات جيدة على قائمتهم وكان التلاميذ الضعفاء يتكونون صفا واحدا. وفي اليوم الأول، قلت في الصف أن أي شخص من الآن فصاعداً يحصل على درجة 10 في درس الإملاء يمكنه أن يلعب في الفناء لدي إقامة صف الإملاء. وصل الأمر إلى حد أنه بحلول نهاية الشهر، كانت درجات الإملاء لتسعة عشر من تلاميذ هذا الصف وصلت إلي أعلى من درجة الثمانية عشر، ومن بين هؤلاء الخمسة والثلاثين شخصاً، كانت أربعة أو خمسة أشخاص لا يزالون في الصف. جاء نائب مدير المدرسة ذات يوم وحذّر: "يا سيدة كرباسي، لماذا الجميع خارج الصف؟" وقلتُ: "أنا قلتُ لي طريقتي الخاصة"، فذهب النائب. ووصل الأمر إلي أنه في نهاية العام الدراسي، لم يرسب في صفي إلا شخص واحد فقط، ولم ينجح في الصف الذي يجاورنا إلا خمسة أشخاص. كان تلاميذي في الصف يرسبون لدرجة أنني كنت أسمع أحياناً صوت رجلٍ وأظن أن وكيل أو مدير المدرسة قد جاء، لكنني كنت أدرك أن هذا الصوت قد خرج من أفواه تلاميذ صفي. وبعد سنوات، خلال الاجتماعات التي عقدناها مع أسر الشهداء نيابة عن وزارة التربية والتعليم، في مسجد في مدينة "درجه"، رأيت صور نصف تلاميذ ذلك الصف على جدار المسجد. لقد استشهدوا. ولا أزال أرى أحياناً بعض أمهات تلاميذي الشهداء.
عدد الزوار: 322








جديد الموقع
تجهيز مستشفى سوسنگرد
وصلنا إلى سوسنگرد قُبَيل الظهر. كان اليوم الثالث عشر من تشرين الأول عام 1980. لم يكن أمرها مختلفًا عن أهواز بل كانت أمرّ حالًا منها. كان قد غمرها التراب والدمار. وقد خلت من أهلها إلا ما ندر. كما أعلنت منظمّة الهلال الأحمر في أهواز، كانت لا تزال المدينة في متناول قصف العدو، ولم يأمن جانب منها من وطء القذائف والقنابل. لقد أوصلنا أنفسنا إلى مستشفى المدينة بسرعة. ما زال بابها ولوحتها سالمَين. تتقدّم المستشفى ساحة كبيرة قد حُرِث جانب منها. كأنها قد هُيّئت قبل الحرب لزرع الفسائل والزهور.التاريخ الشفهي للدفاع المقدس برواية حجة الإسلام الشيخ محمد نيازي
الهيئة القضائية للقوّات المسلّحة (محافظة خوزستان)لقد صدر عن حرس الثورة الإسلامية ومركز الوثائق والدراسات للدفاع المقدّس في عام 1401 ه.ش. كتابُ التاريخ الشفهي للدفاع المقدّس برواية حجة الإسلام الشيخ محمد نيازي، تحت عنوان الهيئة القضائية للقوّات المسلّحة (محافظة خوزستان) وبجهود يحيى نيازي. تصميم الغلاف يحاكي مجموعة الروايات التاريخية الشفهية للدفاع المقدس الصادرة عن هذا المركز. إذ قد اختار هذا المركز تصميمًا موحّدًا لأغلفة جميع كتب التاريخ الشفهي للدفاع المقدس مع تغيير في اللون، ليعين القارئ على أن يجدها ويختارها.