إلى كربلاء مشيًا على الأقدام

ذكريات حجةالإسلام السيد على‌أكبر محتشمي‌بور

إعداد: فائزة ساساني خاه
ترجمة: مقدام باقر

2023-9-26


في السنة عدّة مناسبات يستحبّ فيها زيارة الحسين(ع) مؤكّدًا ووردت روايات معتبرة في فضل زيارة الإمام الحسين(ع) في تلك الأيام. بعض أيام وليالي زيارة الحسين(ع) المؤكدة هي ليالي الجُمَع ويوم عرفة ويوم الأربعين وأول يوم من شهر رجب وليلة النصف من رجب وليلة النصف من شعبان وليالي القدر من شهر رمضان المبارك ويوم عيد الفطر. وهناك ما لا يقل عن أربع مناسبات يهتمّ بها شيعةُ العراق ومحبو أهل البيت وسيد الشهداء(ع) ويحيونها بالذهاب إلى كربلاء الحسين(ع) من مختلف أرجاء العراق جماعةً وفرادى، مشيًا وركبانًا. المناسبات المعروفة هي غرّة رجب والنصف من شعبان ويوم عرفة ويوم الأربعين، إذ يُشدّ فيها الرحال بشكل واسع وجماهيري وبكل لهفة وإخلاص إلى زيارة الحسين(ع) من أقصى مدن العراق مثل بصرة والسماوة والناصرية إلى أدناها كبغداد والحلّة والنجف، فترى الزائرين يردّدون مستهلّات وفزاعيّات ولطميّات وهوسات حسينية في أثناء مشيهم إلى كربلاء. وأمّا من النجف فبالإضافة إلى عامّة الناس كان ينطلق إلى زيارة الحسين(ع) أفواجًا بعضُ العلماء والفضلاء وطلبة الحوزة بل حتى بعض مراجع التقليد كآية الله الشاهرودي وغيره ما دامت صحّتهم قادرةً على المشي. كانت يومئذ عدّة مواكب معروفة وكبيرة تُنسب إلى حوزة النجف. وكان في تلك المواكب ما بين أربعين إلى خمسين عضوًا ثابتًا وكلّما انطلق أحدها التحق بها آخرون. كانت بعض تلك المواكب خاصّة ببيوت المراجع أو المدارس العلمية في النجف، مثل موكب بيت آية الله الشاهرودي أو موكب المدرسة القزوينية فكانت تخلو من أناس غرباء، ولكن كانت هناك بضعة مواكب معتبرة جدّا يفضّلها الطلبة غالبًا للسير معها إلى كربلاء:

الأول هو الموكب المنسوب إلى شهيد المحراب آية الله مدني(ره) فقد كان غير قليل من الطلّاب يرغبون في مرافقته في هذا الطريق بما كان يحظى به روحيّات عرفانية وأخلاقية.

والثاني هو موكب الشيخ حليمي[1] الذي كان ينطلق من مدرسة المرحوم آية الله البروجردي. وكان المرحوم آية الله الشهيد الحاج مصطفى الخميني(ره) يرافق هذا الموكب في زياراته إلى كربلاء.

كانت المسافة بين النجف وكربلاء عبر الطريق الأصلي والمبلّط حوالي 80 كيلومترًا وأما عبر الطريق الفرعي الذي يكون بموازاة شاطئ  الفرات وطريق النخيل والبساتين فكان يزيد على مئة كيلومترًا. وغالبًا ما كانت مواكب النجف تختار الطريق الفرعي الذي يجاور نهر الفرات. إنني كنت أسافر إلى كربلاء مع موكب الشيخ حليمي دائمًا ما عدا مرّتين أو ثلاث مرّات سافرت فيها بمفردي. ولكلٍّ من أنواع السفر الفردي أو الجماعي خصوصيّاته وآثاره. من إيجابيّات السفر الجماعي مع الموكب هي توفير الخدمات من الزاد والطعام وحمل الحقائب. فالذين كانوا يسيرون بمفردهم كان عليهم أن يحملوا متاعهم وزادهم معهم، مع أن المشي مع حمل الزاد في لهيب جوّ العراق كان عملًا مرهقًا، بينما المواكب والقوافل فعادةً ما كانت تستأجر أحصنةً أو عربةً أو سيّارة فكانت تنقل حقائب الزائرين إلى محطّ رحالهم القادم وتنزل هناك. كما فيما إذا ضَعُف أحدهم عن السير مشيًا نُقِل إلى محطّ الرحال القادم بهذه الوسائل. كانت تسير هذه القوافل في مرحلتين؛ المرحلة الأولى من النجف إلى مدينة الكفل،[2] وكانت مسافة الطريق 35 كيلومترًا. فكان الطريق يبدأ من النجف ويستمر بموازاة الطريق الرئيسي المنتهي إلى بغداد وكان الزوّار يقطعونه خلال يوم واحد، ثم ينزلون في حسينية الكفل كأول منزلٍ يستقبلهم في هذا الطريق. كان بعض المشاة شبّانًا وأقوياء فكانوا بمثابة الروّاد والطلائع ينطلقون من النجف مشيًا، ولكن كان هناك من يرهقه الشوط الأول من السفر، فيلتحق بالركب في حسينية الكفل ليبدأ بالسير من الشوط الثاني. من بعد الكفل كان ينحرف الطريق ويمرّ من جوار الفرات ومن بين النخيل إلى كربلاء. كان المرحوم الحاج مصطفى الخميني(ره) والشيخ الأشكوري والسيد محمد البجنوردي وبعض كبار السن يلتحقون في الكفل. كان الطريق يمرّ من بين قرى صغيرة وكبيرة وكان أهلها يباشرون الزراعة والفلاحة ورعاية البساتين والنخيل والرعي.

كانت النخيل والبساتين والمزارع تستقي من ماء الفرات. وكان يُستَثمَر نهر الفرات عبر الناعور.[3] كان في كل قرية مضيفٌ يستضاف فيه الزائر المارّ عليه على طول السنة ولا سيّما في مواسم الزيارة. وكانت المضايف عبارةً عن قاعة كبيرة على شكل مربّع مستطيل مصنوعة تمامًا بجدرانها وسقفها من القصب وسعف النخل. في وسط قاعة المضيف توضع موقدةٌ توقد في الشتاء بالحطب وعليها يتمّ تخدير الشاي والقهوة. تفرش القاعة بالسجّاد وتوضع أطرافها الوسائد أو المخدّات العربية. القرويّون العراقيّون أناس كرماء ومضيافون جدّا، فإنهم يستقبلون زوّار الإمام الحسين(ع) في النهار بالشاي والقهوة واللبن وفي وقت الغداء والعشاء يذبحون لهم الغنم ويضيّفونهم بكلّ رحابة صدر. طبعًا كان الشيخ حليمي يسعى ليقيم خيمةً في وسط الطريق ويطبخ طعامًا على الطريقة الإيرانية. ولكن في خلال الطريق طالما كنّا نستجيب لدعوة أهل القرى لشدّة إلحاحهم وننزل عند مضيفهم. كانت المواكب والقوافل تقطع هذا الطريق خلال خمسة أيام أو ستّة، بينما أولئك الذين كانوا يمشون بمفردهم فكانوا يقطعونه ويصلون إلى كربلاء بأقل من ثلاثة أيام.

عند مواقيت الصلاة صبحًا وظهرًا ومغربًا كانت تقام صلاة الجماعة بإمامة آية الله الحاج مصطفى الخميني(ره) وبعد صلاة المغرب والعشاء كنّا نقرأ دعاء التوسل وزيارة عاشوراء. وإذا كنّا في ليلة الجمعة فكان الإخوة يقرأون دعاء كميل ويختمونه بذكر مصائب الحسين(ع). من خصائص المرحوم الحاج مصطفى(ره) هو أنه كان يستيقظ كلّ ليلة قبل أذان الفجر ويصلّي صلاة الليل. كان أريحيّا وخلوقًا في السفر. كان يصادق رفقاء السفر ويحرص على أن لا يصعب السفرُ على أحد. كان حريصًا على أن لا يتخلّف ولا يُنسى أحد. وفي الجلسات والسهرات التي كانت تجمع رفاق الدرب معًا كان يجري الحديث من كلّ حدب وصوب، بينما كنا نرى الحاج مصطفى لا ينفك عن الذكر وتتحرّك شفتاه بالذكر. في الصيف وبسبب الحرّ الشديد، كنّا نبدأ بالمشي بعد صلاة الفجر إلى ساعتين أو ثلاث بعد شروق الشمس. ثم ننزل في مكان ونأكل وجبة الفطور والغداء هناك. ثم نستعيد مشينا عصرًا بعد انخفاض لهيب الجوّ. في وسط النهار كان بعض الإخوة يسبح في نهر الفرات، وبعضهم كان ينشغل بتلاوة القرءان والدعاء وكان بعضهم يستريح أو يطالع. قُربَ كربلاء بخمسة وعشرين كيلومترًا يعود الطريق من الطريق الفرعي إلى الطريق الأصلي المنتهي إلى كربلاء وبغداد، فكان علينا أن نكمل سيرنا عبر الطريق المبلّط. هناك قرية كبيرة تقع على مقربة من كربلاء تُسَمّى بطويريج. وتنطلق منها أيام عاشوراء ظهرًا مسيرةٌ ضخمة مهرولين أهلُها إلى كربلاء لاطمين على الرؤوس والصدور. ولما نُقِل عن علمائنا العظام كرارًا من أنه رؤي الإمام الحجة(عج) في هذه المسيرة، يلتحق بها عدد كبير وجماهير من الناس من أقصى البلاد وأدناها وطالما شوهد علماؤنا ومراجعنا بين جماهير الناس في هذا العزاء. أكثر السائرين في عزاء طويريج الذين يصلون إلى كربلاء هرولةً أو مشيًا على الأقدام وقد أصيبت أقدامهم بالجراح وطعنت وجوههم بوهج الشمس، يغسلون أنفسهم بماء الفرات ثم يغتسلون غسل الزيارة ويدخلون كربلاء بطهارة ثم يذهبون مباشرةً إلى زيارة أبي عبد الله الحسين سيد الشهداء(ع) وأصحابه وإخوته وأولاده بتَعَبهم وما يحملون من غبار السفر على وجوههم وثيابهم. وهناك من يفضّل أن يستريح قليلًا ثم يزور بعد ما استعاد شيئا من نشاطه.[4]


[1]. كان الشيخ محمد علي حليمي كاشاني من الطلّاب المحبّين للإمام(ره) وكان مقيمًا في مدرسة آية الله العظمى البروجردي(ره). كان الشيخ من المحبين لجمعية فدائيي الإسلام لاسيما الشهيد نواب صفوي وكان يتعاون معهم.   

[2]. الكفل أو ذو الكفل أو الچفل باللهجة العراقية فهو أحد الأنبياء عليهم السلام.

[3]. الناعور جهاز قديم للسقي بشكل مجموعة من المجاديف أو الدلاء المركبة حول عجلة وكان يوضع في نهر الفرات. كانت العجلة يحرّكها حصان الناعور فتمتلئ الدلاء ثم ينصب ماء الدلاء عند دوران العجلة في ساقية لتنقل الماء إلى المزرعة.

[4]. المصدر: محتشمي پور، السيد علي أكبر، ذكريات حجة الإسلام والمسلمين السيد علي أكبر محتشمي پور (باللغة الفارسية)، الطبعة الأولى، دار سورة للنشر، 1376ه.ش.، ص122.

 

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 732


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

الأكثر قراءة

نبذة من مذكرات ايران ترابي

تجهيز مستشفى سوسنگرد

وصلنا إلى سوسنگرد قُبَيل الظهر. كان اليوم الثالث عشر من تشرين الأول عام 1980. لم يكن أمرها مختلفًا عن أهواز بل كانت أمرّ حالًا منها. كان قد غمرها التراب والدمار. وقد خلت من أهلها إلا ما ندر. كما أعلنت منظمّة الهلال الأحمر في أهواز، كانت لا تزال المدينة في متناول قصف العدو، ولم يأمن جانب منها من وطء القذائف والقنابل. لقد أوصلنا أنفسنا إلى مستشفى المدينة بسرعة. ما زال بابها ولوحتها سالمَين. تتقدّم المستشفى ساحة كبيرة قد حُرِث جانب منها. كأنها قد هُيّئت قبل الحرب لزرع الفسائل والزهور.

التاريخ الشفهي للدفاع المقدس برواية حجة الإسلام الشيخ محمد نيازي

الهيئة القضائية للقوّات المسلّحة (محافظة خوزستان)
لقد صدر عن حرس الثورة الإسلامية ومركز الوثائق والدراسات للدفاع المقدّس في عام 1401 ه.ش. كتابُ التاريخ الشفهي للدفاع المقدّس برواية حجة الإسلام الشيخ محمد نيازي، تحت عنوان الهيئة القضائية للقوّات المسلّحة (محافظة خوزستان) وبجهود يحيى نيازي. تصميم الغلاف يحاكي مجموعة الروايات التاريخية الشفهية للدفاع المقدس الصادرة عن هذا المركز. إذ قد اختار هذا المركز تصميمًا موحّدًا لأغلفة جميع كتب التاريخ الشفهي للدفاع المقدس مع تغيير في اللون، ليعين القارئ على أن يجدها ويختارها.
أربعون ذكرى من ساعة أسر المجاهدين الإيرانيّين

صيفُ عامِ 1990

صدر كتاب صيف عام 1990، بقلم مرتضى سرهنگي من دار سورة للنشر في سنة 1401ش. وبـ 1250 نسخة وبسعر 94 ألف تومان في 324 صفحة. لون غلاف الكتاب يحاكي لون لباس المجاهدين، ولون عنوان الكتاب يوحي إلى صفار الصيف. لُصِقت إلى جانب عنوان الكتاب صورة قديمة مطوية من جانب ومخروقة من جانب آخر وهي صورة مقاتلَين يسيران في طريق، أحدهما مسلّح يمشي خلف الآخر، والآخر يمشي أمامه رافعًا يديه مستسلمًا.
الدكتور أبو الفضل حسن آبادي

أطروحات وبرامج التاريخ الشفوي في "آستان القدس الرضوي"

أشار رئيس مركز الوثائق والمطبوعات لآستان قدس الرضوي، إلى أطروحات "تاريخ الوقف والنذور الشفهي" و"تاريخ القراءات القديمة في الحرم الشفوية" وعلى أنها أحدث المشاريع للمركز وقال: "إنّ تسجيل تاريخ الموقوفات لآستان قدس الرضوي الشفوي في عدّة مدن، هو مشروع طويل المدة. وتأسس مؤخرا قسم الدراسات للقراءت في مركز الوثائق وهو ضمن مجموعة مركز الدراسات". وفي حواره مع موقوع التاريخ الشفوي الإيراني قال الدكتور أبو الفضل حسن آبادي، شارحا برامج المركز:
مكتبة الذكريات

"أدعو لي كي لا أنقص"،"في فخّ الكوملة" و"تكريت بنكهة خمسة خمسة"

سوف تتعرفون في هذا النص، على ثلاثة كتب صدرت عن محافظتين في إيران: " أدعو لي كي لا أنقص: الشهيد عباس نجفي برواية زوجته وآخرين" من المحافظة المركزية وأيضاً كتابي "في فخّ الكوملة: ذكريات محمد أمين غفار بور الشفهية" و"تكريت بنكهة خمسة خمسة" وهي ذكريات أمين علي بور الشفهية" من محافظة كيلان. إثنان من المعلّمين ألّفـت السيدة مريم طالبي كتاب "أدعو لي كي لا أنقص". يحتوي الكتاب علي 272 صفحة وثلاثة عشر فصل، حيث تم إنتاجه في مكتب الثقافة