السرد و«حرب السرديات» في عصر الصمود والحروب المفروضة

حسن بهشتي‌بور
المُتَرجم آليا، التنقيح: السيد محسن الموسوي

2026-10-11


لا تندلع الحرب في ميدان المعركة فقط؛ فجزء من الحرب يستمر في مجال المعنى والذاكرة والسرد. فكل حرب، إلى جانب أحداثها العسكرية والإنسانية، تنتج سرديات حول أسباب اندلاعها، ودور الفاعلين فيها، ومفهوم النصر والهزيمة، والتضحية والمعاناة، ومستقبل المجتمع في نهاية المطاف. وتؤثر هذه السرديات لاحقاً في كيفية فهم الماضي، وتشكّل الهوية الجمعية، وحتى في تقييم القرارات السياسية.

ومن هذا المنظور، لا يمكن اختزال «السرد» في مجرد تسجيل ذكريات المقاتلين، أو كتابة تاريخ الحرب، أو إعادة رواية الأحداث. فالتاريخ الشفهي، والذاكرة، والأدب، ووسائل الإعلام، والأفلام، والصور، والوثائق، كلها يمكن أن تشكل مواد أولية لبناء السرد؛ غير أن السرد، بمعناه الأدق، هو عملية توضع فيها مجموعة من الأحداث والتجارب المتفرقة ضمن إطار ذي معنى، بما يقود المتلقي إلى تفسير محدد لتلك الأحداث.

ولهذا السبب، نواجه في كل حرب عادةً سرديات متعددة؛ سرديات تنتجها الأطراف المتحاربة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات السياسية، وشهود العيان، والأجيال اللاحقة، ثم يعاد إنتاجها. والسؤال المهم هو: ما الأحداث التي تبرزها كل واحدة من هذه السرديات؟ وما الأحداث التي تدفع بها إلى الهامش؟ وكيف تربط بين الأحداث؟ وبأي أدوار وخصائص تقدم أطراف الحرب وفاعليها إلى الجمهور؟

 

السرد يتجاوز مجرد نقل الحدث

إذا اعتبرنا السرد مجرد تقرير عما حدث، فإننا نكون قد تجاهلنا جانباً مهماً من وظائفه. فالتقرير يستطيع أن يقول ما الذي حدث، ومتى وأين حدث؛ أما السرد فيسعى أيضاً إلى الإجابة عن سؤال: ما معنى هذا الحدث؟ ولماذا ينبغي فهمه بهذه الطريقة؟

ومن هذا المنظور، يُعد «إضفاء المعنى» أحد أهم عناصر السرد. فقد يقدم طرفان في حرب ما معلومات متقاربة نسبياً حول حادثة محددة، لكن التفسير والمعنى اللذين يقدمانهما لتلك الحادثة قد يكونان مختلفين تماماً. ولذلك، فإن التنافس السردي ليس مجرد تنافس على المعلومات، بل هو أيضاً تنافس على المعنى.

والسؤال الأساسي هنا هو: كيف يتشكل السرد؟ ومتى يمكن القول إن سردية ما أصبحت مؤثرة في المجتمع؟

 

من الحدث إلى السرد

لفهم هذه المسألة، يمكن الاستفادة من أفكار بول ريكور، الفيلسوف الفرنسي. فقد ركز ريكور، في حديثه عن السرد، على عملية تبدأ من التجربة المعيشة، ثم تنتظم في قالب السرد والحبكة، لتكتسب معناها من جديد عند مواجهتها مع المتلقي.

وبناءً على ذلك، يمكن التمييز بين ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل تشكل السرد، ومرحلة التكوين وعرض السرد، وأخيراً المرحلة التي يُعاد فيها تشكيل السرد في ذهن المتلقي.

في المرحلة الأولى، توجد مجموعة من الأحداث والتجارب والذكريات. وفي المرحلة الثانية، تنتظم هذه المواد المتفرقة في قالب سردي متماسك. لكن المرحلة الثالثة ربما تكون الأهم؛ لأن السرد لا يكتسب قوته الاجتماعية إلا عندما يفهمه المتلقي ويفسره ويضفي عليه معنى في ذهنه.

ومن هذا المنظور، لا يمثل السرد «مشروعاً» يصممه فرد أو مؤسسة داخل غرفة ثم يقدمه إلى المجتمع. فالسرد، أكثر من كونه منتجاً نهائياً، هو «عملية»؛ عملية تتشكل من خلال التفاعل بين الحدث، والراوي، ووسائل الإعلام، والمتلقي، ويمكن، في حال قبوله اجتماعياً، أن يتحول إلى جزء من الذاكرة الجمعية.

 

ثلاثة عناصر مهمة في السرد

في هذا الإطار، تكتسب ثلاثة عناصر هي «التكوين»، و«التأطير»، و«الحبكة» أهمية خاصة.

ويحدد التكوين كيفية وضع مجموعة الأحداث المتفرقة إلى جانب بعضها بعضاً؛ ومن أين يبدأ السرد، وما المراحل التي يمر بها، وأين ينتهي.

أما التأطير، ولا سيما في وسائل الإعلام، فيحدد الزاوية التي يرى المتلقي من خلالها حادثة ما، والأجزاء التي ينظر إليها باعتبارها بارزة أو هامشية. فوسائل الإعلام ليست مجرد ناقل للمعلومات؛ إذ إن اختيار العنوان، والصورة، وترتيب الأخبار، وتوقيت النشر، وطريقة شرح الحدث، كلها يمكن أن تؤثر في الإطار الذي يدرك المتلقي الحدث من خلاله.

أما العنصر الثالث فهو الحبكة؛ أي المخطط الذي يقيم روابط بين الأحداث المتفرقة ويحولها إلى كل ذي معنى. وهنا يتجاوز السرد مجرد مجموعة من المعلومات المتفرقة، ليتحول إلى قصة متماسكة حول أسباب الحدث ونتائجه ومعناه.

 

السرد المنافس ومسألة الصمود

في حرب السرديات، يحاول كل طرف نقل تفسيره للواقع إلى المتلقي. ولذلك، لا تكمن المسألة فقط في من ينشر خبر حادثة ما أولاً؛ بل الأهم هو من يستطيع تثبيت معنى تلك الحادثة في ذهن المتلقي.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يكون «الصمود» أحد العناصر الأساسية في حبكة سردية مجتمع يرى نفسه في مواجهة تدخل أو عدوان خارجي. فعلى سبيل المثال، إذا بررت قوة أجنبية وجودها أو تدخلها بمفاهيم مثل الحرية أو الأمن أو الإنقاذ، فيمكن للسردية المنافسة أن تفسر الحدث نفسه من زاوية الاستقلال والسيادة الوطنية وحق تقرير المصير.

وهنا لا يعني الصمود مجرد الوجود في ميدان الحرب. فإذا حظي معنى معين بالقبول داخل المجتمع، فإنه يمكن أن ينعكس أيضاً في السلوك الاجتماعي؛ في الشارع، ووسائل الإعلام، والجامعات، والفن، والأدب، وغيرها من مجالات الحياة الاجتماعية. ولذلك، لا ينبغي حصر ميدان السرد في الميدان العسكري.

وبالطبع، لكي تكون مثل هذه السردية مؤثرة، فإن مجرد تكرار شعار ما لا يكفي. إذ ينبغي للسرد أن يكون قادراً على الإجابة عن الأسئلة الحقيقية للمتلقي، وأن يربط بين التجربة المعيشة للناس والأحداث السياسية، وأن يقدم تفسيراً مفهوماً ومتماسكاً للأحداث.

 

المتلقي؛ الحلقة الحاسمة في السرد

يكتسب السرد قوته عندما يصل إلى المتلقي ويُعاد بناؤه في ذهنه. ومن هنا، فإن المتلقي ليس مجرد مستقبِل سلبي للسرد؛ فهو يفسر السرد من خلال تجاربه الشخصية، ومعرفته السابقة، وذكرياته العائلية، وثقته أو عدم ثقته بوسائل الإعلام، وفهمه للظروف الاجتماعية.

قد يكون السرد متماسكاً تماماً من وجهة نظر منتجه، لكن المتلقي قد لا يقبله. وفي مثل هذه الحالة، لا يصل السرد إلى القوة الاجتماعية المتوقعة منه. وعلى العكس، قد تتمكن أحياناً قصيدة أو فيلم أو ذكرى أو صورة أو حتى جملة قصيرة من نقل معنى يكون تأثيره أكبر بكثير من حجم المعلومات التي تتضمنها.

ومن هذا المنظور، فإن «تصديق» السرد يمثل مرحلة حاسمة. لكن حتى قبول سردية ما لا يعني نهاية العملية. ولكي تصبح السردية جزءاً من الذاكرة الجمعية، فإنها تحتاج إلى الاستمرارية؛ أي أن تكون قادرة، مع مرور الزمن، على إعادة إنتاج نفسها وإعادة تفسيرها في مواجهة السرديات المنافسة.

 

الريادة في مجال السرد

من الدروس المهمة للحروب الأخيرة أن الوقت يحظى بأهمية في مجال السرد، كما هو الحال في المجال العسكري. فإذا تمكن أحد الأطراف، قبل الطرف الآخر، من تثبيت الإطار الأولي لحدث ما في الرأي العام، فقد تضطر السرديات اللاحقة إلى التشكل ضمن الإطار نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية الريادة في السرد. غير أن الريادة لا تعني النشر المتسرع للمعلومات. فالسرد المؤثر يجب أن يستند إلى معلومات دقيقة، ووثائق موثوقة، وفهم صحيح للسياق التاريخي والسياسي. فإذا كان السرد متعارضاً مع الحقائق القابلة للإثبات، فقد يجذب الجمهور على المدى القصير، لكنه سيؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف الثقة العامة.

ولهذا السبب، يمكن للتاريخ الشفهي أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المجال. فذكريات الشهود والفاعلين تسجل تجارب معيشة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالقدر نفسه. غير أن التاريخ الشفهي تزداد قيمته عندما يوضع إلى جانب الوثائق والسرديات الأخرى والأدلة المستقلة. وينبغي التمييز بين «تسجيل الذاكرة» و«قبول تفسير تاريخي معين».

السرد بوصفه فعلاً اجتماعياً وسياسياً

في نهاية المطاف، لا يمكن اعتبار السرد مجرد إعادة رواية للماضي. فعندما يحتل السرد مكاناً في الذاكرة الجمعية، يمكنه أن يؤثر في كيفية نظر المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر، بل ويمكنه أن يؤثر أيضاً في السلوكيات الاجتماعية والسياسية.

ومن هذا المنظور، فإن «حرب السرديات» هي في الحقيقة منافسة على «معنى» الأحداث. ويحاول كل طرف نقل تفسيره لما حدث، ولماذا حدث، وما المعنى الذي يحمله هذا الحدث بالنسبة إلى المستقبل، إلى المتلقي.

وبالتالي، فإن السرد في عصر الحروب المفروضة لا يقتصر دوره على تسجيل الماضي؛ بل يؤدي أيضاً دوراً في تشكيل الذاكرة التاريخية للمستقبل. فإذا تحول سرد الحرب إلى مجرد قائمة من العمليات والتواريخ والإحصاءات والأحداث، فسيتم تسجيل جزء من الواقع؛ أما إذا استطاع أن يربط بين الحدث، والتجربة الإنسانية، والسياق التاريخي، والمعنى، والمتلقي، فإنه عندئذ يتحول إلى ذاكرة حية ودائمة.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي اعتبار «حرب السرديات» مجرد منافسة إعلامية. إنها منافسة حول كيفية فهم الماضي والمعنى الذي يبنيه المجتمع منه لتفسير حاضره ومستقبله. ومن هنا، فإن فهم آليات السرد، والانتباه إلى دور المتلقي، والدقة في التعامل مع المصادر والوثائق، وتجنب اختزال السرد في الدعاية، تمثل جميعها ضرورة جدية لكل مجتمع يريد نقل تجربة الحرب إلى الأجيال اللاحقة.[1]

[1] هذا المقال مقتبس من كلمة الكاتب في ندوة «عصر الحروب المفروضة الأخيرة؛ السرديات في عصر الصمود»، وهي إحدى فعاليات سلسلة برامج «رواق تورّق»، التي عُقدت في 23 شهريور 1405 في «سراي أهل قلم» التابع لدار الكتاب والأدب الإيراني، بمشاركة «بيام آزادكان» ومنظمة أدبيات وتاريخ الدفاع المقدس.

 

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 6



مشاركة


 

السرد و«حرب السرديات» في عصر الصمود والحروب المفروضة

لا تندلع الحرب في ميدان المعركة فقط؛ فجزء من الحرب يستمر في مجال المعنى والذاكرة والسرد. فكل حرب، إلى جانب أحداثها العسكرية والإنسانية، تنتج سرديات حول أسباب اندلاعها، ودور الفاعلين فيها، ومفهوم النصر والهزيمة، والتضحية والمعاناة، ومستقبل المجتمع في نهاية المطاف.

تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي

بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.

ذكريات محمد بلوري

كان محمد بلوري، أحد محاربي الدفاع المقدس ومؤلف كتاب «تاكسي سرويسي براي فاو»، ضيف الحلقة الـ289 من برنامج «ليلة الذكريات» التي أُقيمت في إسفند 1396. وقد روى بلوري ذكرياته عن نهر جاسم.

زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ

 ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں