الصيام في سجن تكريت 16: اختبار للإيمان في قلب المِحَن

حسن بهشتي‌بور
المترجم: السيد محسن الموسوي

2026-6-24


«وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَي‌اللَّهِ إِنَّ‌اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ» (سوره الغافر، الآية ۴۴)؛

هذا السرد، هو نتيجة لتجربة المؤلف الحياتية أثناء الأسر، ومبني على ذاكرته الشخصية.

بعد تسعة أيام من انتهاء شهر رمضان المبارك، وقعنا في الأسر تحت حرارة يونيو اللاهبة في شلامجة. كان علينا الانتظار أحد عشر شهرًا أخرى قبل أن نتذوق طعم الصيام في الأسر في معسكرنا الثاني القسري، السجن رقم 16، قرب مدينة تكريت في العراق. إلا أن الاختبار الحقيقي بدأ في شهري أبريل ومايو الحارين. كانت أيام الربيع الطويلة وحرارة العراق الخانقة كافية لجعل التحمل صعبًا، فضلًا عن جوع وعطش الصيام الواعي.

ما زلتُ أتساءل: ما نوع الدافع والإيمان العميق الذي منحنا القوة لتحمّل خمس عشرة أو ست عشرة ساعة من الصيام في تلك الظروف النفسية والجسدية القاسية للأسر؟ لم يكن جميع من في تكريت 16 صائمين. كانت الظروف قاسية لدرجة أن الحراس العراقيين كانوا يقدمون طعامًا قليلًا وغير كافٍ، ما جعل الصيام بهذه الكمية الضئيلة عبئًا إضافيًا. مع ذلك، كان هناك من أرادوا تهيئة أنفسهم لظروف أشدّ صعوبة بالصيام، امتثالًا لأمر الله، وتهيئةً لظروف مواتية لتجنب المعاصي الظاهرة والباطنة. هذه التزكية للذات وللآخرين تتطلب روحاً لطيفة؛ روحاً عندما تُفرغ معدتها من الطعام الزائد في سبيل الله، تستطيع أن تتواصل بشكل أفضل مع الإله ومع رفاقها الأسرى.

كانت تبدأ المشاكل منذ الفجر. لم يكن وقت الفجر معلوما. لم تكن لدينا ساعة، ولم نتمكن من سماع الأذان للتوقف عن الأكل والشرب. كان "إفطارنا" عبارة عن كمية قليلة جدًا من العدس، مع ربع كوب من الشاي المُحلى. كان هذا الشاي هو المذاق الحلو الوحيد الذي كنا نشعر به كل يوم في أسرنا. كان التخلي عن هذه الرشفة الصغيرة من الشاي المُحلى امتثالًا لأمر الله يُعتبر إحدى المراحل الأولى لاختبار الإيمان.

كانت وجبة الغداء عادةً عبارة عن أرز، وكان حفظه حتى الإفطار يمثل مشكلة كبيرة. لم يكن لدينا وعاء مناسب أو ملعقة. كنا نستخدم أكياسًا بلاستيكية نأخذها من المطبخ لحفظ غدائنا. هذه الطريقة في التخزين كانت تتسبب أحيانًا في فساد الطعام، مما يضع الصائم في موقف أكثر صعوبة.

إلا أن هذه المشاكل دفعت قائد السجن العراقي، رائد خليل، إلى إصدار أمر في السنة الثانية بفصل وجبتي السحور والإفطار المخصصتين للصائمين عن الحصة الغذائية اليومية وتوزيعهما في أوقاتهما الخاصة. وقد ساهم هذا الأمر في زيادة عدد الصائمين بشكل ملحوظ في السنة الثانية، وكأن رائد خليل قد ازداد إلماماً بتأثير الصيام في تهدئة أجواء السجن.

في رمضان الأول، برز تحدٍّ آخر، وهو خلق التفاهم بين الصائمين وغير الصائمين لأسبابٍ مختلفة. أحيانًا كانت تنشأ خلافات حول توزيع الطعام أو طريقة تخزينه. لكنّ المفاجأة كانت أن الآثار الروحية للصيام أصبحت تدريجيًا عاملًا في زيادة المودة والرحمة. وكأنّ الحدود المصطنعة بدأت تتلاشى مع تهذيب النفس.

إنّ مشاقّ الأسر، حين تقترن بالصيام، تزيد من تهذيب النفس. وفي تلك الظروف، يتبادر إلى الذهن هذه الآية الكريمة:

«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ» (سوره البلد، الآية ۴).

إن الصيام، هذا العناء المقدس، يغرس في نفوسنا سرّ الله وحاجتنا إليه وسط مصاعب الحياة، حتى نفهم كيف يُخلق الإنسان وينضج في خضمّها. فالصيام لله وحده، بعد ثلاثين يومًا، يُشعر الإنسان وكأنه قد اغتسل، فغسل ذنوبه وشوائبه، وخرج منه بنشاط متجدد واستعداد أكبر لمواصلة الكفاح ضدّ آلام الأسر.

مستوحى من هذه الآية الكريمة التي تقول:

«وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (سوره آل‌عمران، الآية ۱۳۹).

كان هذا الإعداد الروحي ذا قيمة بالغة، لا سيما عندما علمنا أن معسكر اعتقال تكريت رقم 16، شأنه شأن عشرة معسكرات أخرى في العراق، لم يُبلَّغ عنه للجنة الدولية للصليب الأحمر لأسباب مجهولة. وقد سمح هذا التكتم الدولي للمسؤولين العراقيين بفرض إجراءات أكثر صرامة، إذ لم يكن هناك أي اكتراث بإبلاغ الصليب الأحمر عن حالة السجناء.

في مثل هذه الأجواء الكئيبة والمخيفة، كان الصيام سلاحًا روحيًا جعل الجسد والروح أكثر صلابةً وثباتًا. لم يكن الصيام في تكريت ١٦ مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان إعلانًا عن إيمان راسخ لا يتزعزع حتى في أحلك الظروف.

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 2


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
رمز التحقق (7 + 1) :
 

الترجمة في التاريخ الشفوي والأضرار المحتملة

للترجمة تاريخ عريق، وقد ازداد نطاقها مع توسع دائرة تواصل الإنسان. ولعبت هذه المهنة دورًا محوريًا في تطور الإنسان، وتحسين حياته، ونشوء الحضارات الإنسانية. لم يقتصر دور المترجمين على تسهيل التواصل بين البشر، بل امتد ليشمل نقل الثقافات والأفكار والعلوم والفنون والآداب والمعارف عبر التاريخ.

تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي

بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.

الصيام في سجن تكريت 16: اختبار للإيمان في قلب المِحَن

بعد تسعة أيام من انتهاء شهر رمضان المبارك، وقعنا في الأسر تحت حرارة يونيو اللاهبة في شلامجة. كان علينا الانتظار أحد عشر شهرًا أخرى قبل أن نتذوق طعم الصيام في الأسر في معسكرنا الثاني القسري، السجن رقم 16، قرب مدينة تكريت في العراق.

زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ

 ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں