الترجمة في التاريخ الشفوي والأضرار المحتملة
حميد قزويني
المترجم: السيد محسن الموسوي
2026-6-17
للترجمة تاريخ عريق، وقد ازداد نطاقها مع توسع دائرة تواصل الإنسان. ولعبت هذه المهنة دورًا محوريًا في تطور الإنسان، وتحسين حياته، ونشوء الحضارات الإنسانية. لم يقتصر دور المترجمين على تسهيل التواصل بين البشر، بل امتد ليشمل نقل الثقافات والأفكار والعلوم والفنون والآداب والمعارف عبر التاريخ. في الواقع، لولا المترجمون، لما تحققت العديد من الإنجازات العلمية والثقافية. لذا، يمكن اعتبار الترجمة أكثر من مجرد نقل للمفاهيم من لغة إلى أخرى، بل هي فنٌّ يمتزج فيه ذوق المترجم وحسه الجمالي وذكائه وموهبته.
على مر التاريخ، شكّل المترجمون منصةً للتفاعل والتقارب بين الحضارات من خلال عملهم، فإلى جانب نقل النص إلى أنظمة تواصل أخرى، تتضمن الترجمة حتمًا جميع العوامل ما وراء النصية، بما فيها العوامل الاجتماعية والثقافية . [1]
بعد هذه المقدمة، ننتقل إلى مسألة ما يُفقد أو يُغيّر في ترجمة أعمال التاريخ الشفوي، وما ينبغي فعله للحد من هذا الفقد.
من الواضح أن لخطاب الراوي وأدبه أهمية قصوى في التاريخ الشفوي. فالنص الناتج عن المقابلة، بما فيه من كلمات وبنية جمل ومشاعر وفواصل وتأكيدات وما شابه، يشكل وثيقة تاريخية. ولا شك أن الأدب الشفوي هو أصل الأدب المكتوب ومنبعه. وينبع هذا الرأي من حقيقة أن الإنسان بدأ يتكلم، فكل ما رآه وتخيله وكل ما قاله أصبح كلامًا.[2]
من البديهي أن ناتج ترجمة التاريخ الشفوي، بأي لغة، يختلف عن النص الأصلي. حتى التعديلات البسيطة، كتحويل لهجة الراوي إلى اللهجة القياسية في الأدبيات الرسمية للبلاد، تواجه المشكلة نفسها، لأن المعاني والمفاهيم والمفردات عادةً ما يكون لها تاريخ وسياق في كل لغة، مما يزيد من تعقيد الترجمة. من جهة أخرى، تختلف قواعد اللغتين المصدر والهدف عادةً، وهذا يُحدث تغييرًا في طريقة التعبير عن المحتوى. بعض اللغات تعتمد على الأفعال، وبعضها على الأسماء، وبعضها الآخر يُشكل المعنى باستخدام اللواحق والبوادئ، لذا فاللغات ليست مرايا تعكس صورة واضحة تمامًا لبعضها البعض. الترجمة في جوهرها نوع من التفسير والفهم من قِبل المترجم من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف.
لا ننسى أن العديد من الكلمات والقواعد الأدبية والقدرات اللغوية لا يمكن نقلها إلى لغات أخرى. فالكثير من الكلمات لها نطاقها الجغرافي المحدود، فهي مصطلحات تُعرَّف في منطقة معينة، وتستند إلى أطر الكلام وبيئة سكان تلك المنطقة، ولا يوجد فهم أو اعتراف صحيح بها في أي مكان آخر، لأن معانيها تعتمد على ثقافة وسياق واستخدام محددين. لهذا السبب، لا يمكن ترجمة جميع العبارات والمصطلحات إلى لغة أخرى، وقد يضطر المترجم تلقائيًا إلى حذف بعض الكلمات. أحيانًا قد يكون للكلمة الواحدة معانٍ متعددة في اللغة الأصلية، فيستنتج المترجم أحدها ويضيفه، مع أن اختيار تلك الكلمة لا يحقق الغرض النهائي. من المشاكل الأخرى التي تواجه الترجمة في التاريخ الشفوي زيادة أو نقصان حجم النص مقارنةً بالنص الأصلي. فعلى سبيل المثال، تُختصر جملةٌ تتألف من عشر كلمات في اللغة الأصلية إلى سبع كلمات فقط في اللغة الأخرى. تُضعف هذه المشكلة البنية الدلالية، وتُقلل من جمال ودقة وأهمية بعض الكلمات المستخدمة في النص الأصلي. وهكذا، نجد أحيانًا نصوصًا يختلف فيها حجم النص الأصلي اختلافًا واضحًا عن حجم النص المترجم.
كذلك، توجد في كل لغة كلمات متجانسة تُضفي جمالًا على الصوت وتُوحي بمعانٍ شيقة. فعلى سبيل المثال، إذا كان الراوي يتمتع بأسلوب أدبي جذاب ومعبر، فإن هذه السمات تُفقد جميعها أثناء الترجمة. إضافةً إلى ذلك، لا تُنقل بعض مشاعر الراوي وحالاته المزاجية أثناء المقابلة بعد الترجمة. كما تُحذف بعض التأكيدات والتكرارات. على سبيل المثال، تعني هذه الكلمات: حسنًا، بصراحة، إلخ.
من القضايا الخلافية الأخرى مكانة المترجم، الذي يُعدّ عنصرًا أساسيًا في عملية الترجمة. ونظرًا لكون المترجم جزءًا من البيئة الثقافية المحيطة به، فإنه يلعب دورًا محوريًا في مبادئ الترجمة وأساليبها العملية؛ إذ يقوم المترجم بإعادة إنتاج النص أو إعادة صياغته، وإدخاله في بيئة وثقافة مختلفتين عن بيئته وثقافته الأصلية.[3] وهنا تحديدًا يبرز أسلوب المترجم. فلكل مترجم ذوقه وتقنياته الخاصة التي تُعدّ، إن صح التعبير، بصمته المميزة، وتُظهر اختلاف عمله عن أعمال الآخرين، مما قد يدفعه إلى الابتعاد قليلًا عن النص الأصلي. بالطبع، لا يعني هذا أن على المترجمين التخلي عن أسلوبهم الخاص، بل يعني أن أسلوب المترجم قد يُحدث تغييرات في بنية النص الأصلي.
ليس من المبالغة القول إن قارئ العمل المترجم يقرأ جزءًا منه بلغة المترجم. فعندما تُنقل الجمل والكلمات من لغة إلى أخرى، يضيع جزء من أسلوب الراوي ونبرته في هذه الصيغ والتركيبات الجديدة، التي قد تُصبح بدورها رمزًا لأسلوب المترجم ونبرته.
كل هذه الأمور تُظهر أن الترجمة مهمة حساسة ومليئة بالتحديات. لفهم ما يحدث في هذه العملية بشكل أفضل، من الضروري التفكير في أنواع الترجمة:
1- الترجمة الحرة: في هذا النوع، يركز المترجم فقط على نقل المفهوم بشكل كامل، ولا يعتبر نفسه أمينًا لبنية وقواعد اللغة الأصلية.
2- الترجمة الاصطلاحية: في هذا النوع، تُنقل الرسالة الرئيسية من خلال مصطلحات وتعبيرات وجمل غير موجودة في النص، على الرغم من تشابه مضمونها.
3- الترجمة الأمينة: في هذه الطريقة، يسعى المترجم إلى الترجمة بدقة، مع مراعاة قواعد اللغة والأسلوب الأدبي للراوي بأقل قدر من الاختلافات.
بعض الاقتراحات:
كما ذكرنا، تُعدّ ترجمة نصوص التاريخ الشفوي من أصعب أنواع الترجمة، لذا علينا الآن تحديد المنهجية الأمثل لهذه المهمة.
١- يجب أن يكون المترجم مُلِمًّا بكلتا اللغتين المصدر والهدف، بالإضافة إلى قواعدهما النحوية.
٢- يجب أن يكون على دراية بالمصطلحات الثقافية والدلالات اللغوية في كلتا اللغتين.
٣- يجب أن يكون مُلِمًّا بسياق النص الأصلي. فمعرفة السياق والمصطلحات، والإلمام بالأدب والتاريخ والجغرافيا والعادات والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكافة جوانب حياة مجتمع اللغة المصدر، تُعدّ من المتطلبات الأساسية للترجمة.[4] فاللغة كائن حيّ، وهي في تطور مستمر.
٤- يجب أن يكون المترجم على دراية بوجهة نظر الراوي ليتمكن من الترجمة بفهم واضح لروايته. عليه أن يكون قادراً على استشفاف نية الراوي وهدفه بدقة من خلال عرض كل كلمة.
٥- يجب أن تكون الترجمة مفهومة ثقافياً للجمهور.
٦- يجب أن تكون الإشارات إلى الرموز الدينية والسياسية والوطنية في اللغة الأصلية، والتي تكثر في مقابلات التاريخ الشفوي، واضحةً بحيث يفهمها الجمهور في اللغة الهدف فهماً تاماً دون أي سوء فهم.
٧- يجب أن يلتزم أسلوب الكتابة بنبرة النص الأصلي ودرجة رسميته أو عاميته.
٨- يجب أن يمتلك المترجم إلماماً كافياً بالمفردات والتعبيرات المتخصصة التي يستخدمها الراوي وأن يوظفها بأسلوب بليغ.
٩- يجب أن يتمتع المترجم بأعلى درجات الدقة والذكاء والكفاءة المهنية.
١٠- يجب على المترجم أن يسعى جاهداً للتحلي بالأمانة والأخلاق المهنية أثناء الترجمة.
١١- في المقدمة، شرح خصائص اللغة المستخدمة في أدب الراوي، والتحديات التي واجهها أثناء الترجمة، وكيف تغلب عليها، والتغييرات التي أدخلها على النص.
الهوامش
[1] - بركت، بهزاد، «دشواريهاي ترجمه ادبي»، مجله ادب پژوهي، ش اول، بهار 1386، ص 29.
[2] - ستوده، هدايتالله، جامعهشناسي در ادبيات فارسي، تهران، آواي نور، 1378، ص 50.
[3] - گنجيان خناري، علي، «واكاوي چالشهاي ترجمه»، دو فصلنامه علمي – پژوهشي پژوهشهاي ترجمه در زبان و ادبيات عربي، سال 8، ش 18، بهار و تابستان 97، ص 99.
[4] - ملايري، يدالله، «چالشهاي مترجم...»، فصلنامه جستارهاي زباني، دوره 5، ش 1، پياپي 17، بهار 1393، ص 262.
عدد الزوار: 7
جديد الموقع
الأكثر قراءة
الترجمة في التاريخ الشفوي والأضرار المحتملة
للترجمة تاريخ عريق، وقد ازداد نطاقها مع توسع دائرة تواصل الإنسان. ولعبت هذه المهنة دورًا محوريًا في تطور الإنسان، وتحسين حياته، ونشوء الحضارات الإنسانية. لم يقتصر دور المترجمين على تسهيل التواصل بين البشر، بل امتد ليشمل نقل الثقافات والأفكار والعلوم والفنون والآداب والمعارف عبر التاريخ.تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي
بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.الانتفاضة الشعبانية كما رواه علي تحيري
مرئيات المراسلين الإيرانيينللعراق حدود مشتركة مع ست دول: إيران، والسعودية، وتركيا، وسوريا، والأردن، والكويت. أربع دول عربية ودولتان غير عربيتين، وفي ذلك الوقت، باستثناء الأردن، لم تكن علاقات الدول الأخرى جيدة مع الحكومة العراقية.
زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ
ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں

