الكشف عن الحدود بين الخيال والواقع في كتابة المذكرات: من العدم حتي المدينة الفاضلة
حسن بهشتي بور
المترجم: السيد محسن الموسوي
2026-2-14
الملخص
في كلّ مجتمع، لا يُحفظ الماضي في الوثائق والأحداث فحسب، بل يُحفظ أيضًا في ذكريات الناس ورواياتهم وخيالهم الجماعي. وما يُسجل على أنه "ذاكرة" أو "تاريخ شفوي" غالبًا ما يكون مزيجًا من الواقع وإعادة بناء ذهنية. تعتمد هذه المقالة على مفهوم الخيال في فلسفة التاريخ ونظرية الذاكرة، وتدرس العلاقة بين الواقع التاريخي والتمثيل الخيالي باستخدام أسلوب تحليلي - وصفي. في هذا الإطار، يتم تحليل ازدواجية "اللامكان" و"المدينة الفاضلة" ليس فقط كمفاهيم أدبية، ولكن كطريقتين للنظر إلى الماضي والمستقبل؛ إحداهما رغبة في الهروب من الواقع والأخرى محاولة لفهمه. تؤكد المقالة على أن الحدود بين الخيال والواقع في كتابة المذكرات الإيرانية المعاصرة لا تُزال ولا تُنكر، بل يجب الاعتراف بها وإدارتها وربطها بالأخلاقيات التاريخية. فالخيال الموجه قد يجعل التاريخ أكثر إنسانية، كما أن الوهم الجامح قد يُفرغه من الحقيقة.
هذه المقالة هي محاولة لربط الفكر بموضوع الخيال واليوتوبيا بالتجربة التاريخية وكتابة المذكرات الإيرانية؛ وبدلاً من التحذير من تشويه التاريخ، فإنها تتناول سؤالاً أكثر جوهرية: كيف يمكن للمرء أن يدرك الحقيقة في عالم يمكن إعادة بنائه بلا نهاية؟
الكلمات المفتاحية: الخيال، الحقيقة التاريخية، كتابة المذكرات، فلسفة التاريخ، اليوتوبيا، الذاكرة الجماعية
المقدمة
التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو ساحة تلاقٍ بين الذاكرة والخيال. لا يستطيع أي مؤرخ أن ينفصل عن عقله، ولا يستطيع أي راوٍ أن يفلت من خياله. فالخيال، كما يقول "بول ريكور"، لا يعمل ضد الواقع، بل ضمنه، لأن الماضي يُعاد بناؤه دائمًا في أفق الإدراك البشري. ولهذا السبب، فإن أي محاولة لكتابة التاريخ هي في الواقع إعادة بناء لصورة العالم، وليست مجرد انعكاس له.
في الفكر الإيراني، للخيال مكانة مزدوجة: فهو من جهة مصدر الإبداع والإلهام، ومن جهة أخرى، في غياب العقل، قد يتحول إلى وهم وتشويه. وتتجلى هذه الازدواجية أيضاً في كلمة "اليوتوبيا"، وهي كلمة ابتكرها توماس مور من الكلمتين اليونانيتين "ou" (لا) و" topos" (مكان)، وتُترجم إلى "اللا مكان". لكن في اللغة الفارسية، يُشار إليها أحيانًا باسم "المدينة الفاضلة". هذا الاختلاف في الترجمة يشير إلى موقفين: أحدهما الرغبة في الهروب من الواقع، والآخر هو السعي لبناء مستقبل أفضل.
في كتابة المذكرات الإيرانية المعاصرة، ولا سيما في الروايات المتعلقة بالثورة والدفاع المقدس، تتعايش هاتان النظرتان. فقد تحولت بعض المذكرات إلى نمط من الترحال حيث حلت المثالية محل الحقيقة، بينما تقترب مذكرات أخرى، بالاعتماد على الصدق والفهم الإنساني، من اليوتوبيا الحقيقة. والحد الفاصل بينهما هو نفسه الحد الفاصل بين الخيال والالتزام الأخلاقي.
تسعى هذه المقالة إلى توضيح، من منظور فلسفي وتحليلي، كيف يمكن للمرء، في عملية سرد الماضي، التمييز بين الخيال البنّاء القائم على الواقع والوهم الهدّام. والسؤال الرئيسي هو: هل يمكن توجيه الخيال، لا إلغاؤه، بل مساعدته على إلقاء الضوء على الحقيقة التاريخية؟ تتطلب الإجابة على هذا السؤال وجود صلة بين فلسفة التاريخ، ونظرية الذاكرة، وأخلاقيات السرد ؛ وهي ثلاثة مجالات تتقاطع في هذا البحث.
1. الخيال والحقيقة في فلسفة التاريخ
1-1. الخيال كقوة خالقة للمعنى
في التقاليد الفلسفية الغربية، وخاصة بعد القرن العشرين، لم يعد يُنظر إلى الخيال على أنه نقيض للواقع. وقد استكشف فلاسفة مثل الفرنسي بول ريكور[1]، في كتابه المعنون "الذاكرة، التاريخ، النسيان"[2]، والذي نُشر بالفرنسية عام 2000، قضايا تتعلق بالتذكر، وكتابة التاريخ، والنسيان من خلال منهج تأويلي - ظاهراتي. بيّن أن الذاكرة والخيال وجهان لعملية واحدة؛ فكلاهما يسعى لإعادة بناء الماضي، ولكن بنوايا مختلفة. تسعى الذاكرة إلى حفظ الواقع، بينما يحاول الخيال فهمه. بالنسبة لريكور، يُعدّ الخيال جزءًا من آلية التمثيل التاريخي، وليس عدوًا لها.[3]
في هذا الصدد، يعتبر الفيلسوف الأمريكي هايدن وايت[4]، في مقالته بعنوان "قيمة السرد في تمثيل الواقع"، أن التأريخ ليس انعكاسًا للأحداث، بل نوعًا من "البنية السردية" التي يُجبر فيها المؤرخ على اختيار الأحداث وتفسيرها وربطها. هذه الخيارات إبداعية، لكنها ليست تشويهات إذا كانت تخدم فهم الحقيقة. يوضح وايت قائلاً: "لا يكون للواقع معنى إلا عندما يُعبَّر عنه في سرد، والسرد غير ممكن بدون خيال."[5]
لذا، يُعدّ الخيال في كتابة التاريخ أداةً للتفسير لا للخداع. فالخطر لا يكمن في وجود الخيال بحد ذاته، بل في غياب الصدق وكيفية استخدامه. فالخيال البنّاء يخدم الحقيقة، بينما يخدم الخيال الهدّام الوهم والمصالح.
١-٢. الخيال في التراث الفكري الإيراني
في الفكر الإيراني، لا يُعدّ "الخيال" قوةً ذهنيةً فحسب، بل هو مستوى من مستويات الوجود. ففي كتاب "حكمة الإشراق"، يرى السهروردي عالم الخيال كوسيط بين الملموس والمعقول؛ حيث تتحرر المعاني من قيود المادة، لكنها لا تُجرّد تمامًا بعد.[6] وفي قصائد جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي، يُمثّل الخيال سبيلًا لاكتشاف الحقيقة الباطنية للإنسان؛ وجسرًا بين الأرض والسماء.
بالطبع، عندما تكون هذه القوة بعيدة عن توجيه العقل، فإنها تصبح "وهمًا" أو "هلوسة". هذا هو الفرق بين الخيال والوهم: فالخيال يخلق لإعطاء معنى، أما الوهم فيخلق للهروب. في عالم كتابة المذكرات أيضاً، يتأرجح الراوي بين الواقع والخيال. تبدأ كل ذكرى كمزيج من الذاكرة والخيال، ولكن عندما يضحي الراوي بوعي بالحقيقة من أجل التمني أو الصور النمطية النحوية، يصبح الواقع وهماً.
يربط هذا المنظور بين الفلسفة الإسلامية والنظرية التاريخية الحديثة؛ فكما يتحدث ريكور عن "الخيال المُعيد للبناء"، يشير السهروردي إلى "عالم المُثُل" باعتباره مجالًا تستطيع فيه الروح إعادة خلق الواقع بصورة جديدة. من هذا المنظور، لا يُعدّ الخيال عدوًا للحقيقة، بل لغتها الأخرى، بينما يُهيمن الوهم على السرد التاريخي والذاكرة.
1-3. التمثيل لا الانعكاس
في التأريخ التقليدي، كان يُفترض أن الواقع خارجي ومستقل، وكان على المؤرخ أن يعكسه "بدقة". لكن في المنظور الحديث، يُعدّ التاريخ دائمًا شكلًا من أشكال التمثيل؛ أي أنه سردٌ يُبنى من خلال التفاعل بين الحدث والراوي والجمهور. وهذا لا يعني إنكار الواقع، بل يعني التسليم بحقيقة أن الحقيقة التاريخية لا يمكن تشكيلها دون اللغة والخيال.
يقول رولان بارت[7]، وهو كاتب وناقد وعالم سيميائي فرنسي بارز، وله نظريات مهمة حول السرد واللغة والبنى الثقافية: "كل سرد، حتى السرد الحقيقي، يحتوي على اختيارات وحذف". لذلك، فإن المؤرخ يبني دائماً "عالماً ممكناً" من الماضي. يتجلى خياله في اختيار وجهة النظر، وفي ترتيب الأحداث، وفي اختيار الكلمات. فإذا كان هذا الخيال قائماً على الأخلاق والمنهج، فإن السرد يقترب من الحقيقة، أما إذا كان يخدم أغراضاً سياسية أو عاطفية أو أسطورية، فإنه يحجب الواقع.[8]
١-٤. الخيال كوسيلة أخلاقية
من منظور أخلاقيات السرد، يحمل الخيال المسؤولية. وكما يقول باسكال، يمكن أن يكون الخيال "ملك الأكاذيب" أو "ملكة الحقيقة". الخيال الأخلاقي هو القدرة على رؤية الآخر وفهم معاناته في صميم السرد. التاريخ الشفوي، إذا حُرم من هذه القدرة، يصبح سجلاً لمشاعر أحادية الجانب أو دعاية رسمية.[9] بمعنى آخر، الخيال الأخلاقي في التاريخ هو محاولة لرؤية ما تم إغفاله؛ أصوات المهمشين وتجارب البشر المنسية. هنا، ليس الخيال خالقًا للأكاذيب، بل مكتشفًا للحقيقة.
٢. من المدينة الفاضلة إلى اللا مكان - سرد إيراني عن المثالية والوهم
٢-١. وجهان لليوتوبيا
منذ أن صاغها توماس مور عام ١٥١٦، حملت كلمة " اليوتوبيا " معنيين: أحدهما حلم بناء مجتمع مثالي، والآخر رغبة في الهروب من الواقع. هذه الازدواجية جعلت اليوتوبيا تقف على مفترق طرق بين الخيال والنقد. فمن جهة، توجد المدينة الفاضلة: عالم ممكن وأكثر إنسانية مبني على أساس الأخلاق والعقل؛ ومن جهة أخرى، لا وجود لها: أرض خيالية لن توجد أبدًا، لكنها تخدع العقل.
كما أشار المفكر الألماني إرنست بلوخ[10] في كتابه "مبدأ الأمل"[11]، وأشارت عالمة الاجتماع والمنظرة روث ليفيتاس[12] في كتابها " اليوتوبيا "[13]، فإن اليوتوبيا حية وإنسانية عندما يتم فهمها في سياق الواقع الاجتماعي والتاريخي. وإلا، فإنها ستصبح مجرد خيال عقيم؛ لكن اليوتوبيا، إذا فُهمت على أنها "أفق الأمل"، يمكن أن تكون محركًا للتغيير. بعبارة أخرى، تكون اليوتوبيا حية عندما تُستخدم لنقد الوضع الراهن والبحث عن الحقيقة، لا للهروب منه.
2-2. مفهوم اللامكان في الفكر والأدب الإيراني
في الثقافة الإيرانية، كان مفهوم اللا مكان موجودًا في التصوف والأدب الفارسي قبل أن يكون ترجمة لكلمة " Utopia". في كتاب "الغربة الغربية"، يذكر السهروردي أرضًا "لا هي هنا ولا هناك"، يصل إليها الإنسان في طريقه إلى التنوير. هذه "الأرض المجهولة" هي في الحقيقة مكانٌ داخل الإنسان؛ رمزٌ لكمال الروح والحقيقة الأبدية.
لكن في الاستخدام الاجتماعي والتاريخي، اكتسبت كلمة "لا مكان" معنى آخر: عالم خيالي منفصل عن الواقع التاريخي، يحول دون فهم الإنسان لزمانه ومسؤوليته. وفي العصر الحديث، يختلط هذان المعنيان أحيانًا: فقد تحول "اللامكان" الصوفي، الذي كان يُمهد الطريق للتحرر، إلى "لامكان"سياسي وأيديولوجي يُبرر الهروب من الحقيقة.
هنا ينفصل الخيال عن مصدر المعنى ويصبح أداةً للتبرير. فعندما يقوم كاتب المذكرات أو المؤرخ، بدلاً من تسجيل الواقع، بخلق صورة مثالية للماضي لتبرير الحاضر، فإنه في الحقيقة يتحرك في عالمٍ لا معنى له.
٢-٣. المدينة الفاضلة كأفق أخلاقي
على النقيض من هذا التوجه، لا تُعدّ المدينة الفاضلة نفيًا للواقع، بل محاولةً لتجاوزه. في السرد الإيراني، تتجذر المدينة الفاضلة في فكر الفارابي الساعي إلى العدالة في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، والخواجة نصير في كتابه "أخلاق ناصري"، ونظام الملك في كتابه "السياسة". وبهذا المعنى، ترتبط المدينة الفاضلة بالواقع لا بالوهم.
في مجال كتابة المذكرات أيضاً، يمكن التمييز بين نوعين من السرد:
السرد اللامكاني، الذي يتناول الماضي بطريقة لا تترك مجالاً للخطأ أو الشك أو الألم؛
والسرد اليوتوبي، الذي، مع الحفاظ على الأمل والمعنى، يظل وفياً للواقع.
إن المدينة الفاضلة ليست هروباً من الحقيقة، ولا مجرد تكرار لها، بل هي محاولة لإيجاد معنى أخلاقي في صميم التجربة التاريخية.
٢-٤. الحد الفاصل بين المدينة الفاضلة والتاريخ
عندما تنفصل المدينة الفاضلة عن الأخلاق، تتحول إلى أسطورة وتفلت من التاريخ. التاريخ، بدون المدينة الفاضلة، يصبح سجلاً جافاً بلا روح؛ والمدينة الفاضلة، بدون التاريخ، حلماً لا أساس له.
في كتابة المذكرات الإيرانية، يسود التوتر بين هذين العنصرين: الخيال الديني والثوري من جهة، وضرورة الالتزام بالواقع من جهة أخرى. ومهمة المؤرخ والراوي هي إيجاد توازن بينهما، مع توظيف الخيال لخدمة الحقيقة.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى المدينة الفاضلة كنوع من أخلاقيات المستقبل: الرغبة في تحسين الإنسان والمجتمع، لا بإنكار الماضي، بل بفهمه بصدق. هذا الموقف هو ما يرتقي بكتابة المذكرات من مجرد عاطفة وشعار، ويحولها إلى فكر إنساني وعالمي.
3. أخلاقيات السرد والذاكرة التاريخية الجماعية
3-1. الذاكرة كمسؤولية
على عكس الوثائق، لا تُبنى الذاكرة لإثبات شيء ما، بل لفهمه. كل إنسان يتخذ خيارات في سرده للماضي؛ فما يتذكره وما ينساه يحملان معانيَ. يشير موريس هالبواكس[14]، وهو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، في نظريته عن "الذاكرة الجماعية[15]" إلى أن الذاكرة تتشكل دائمًا في إطار الجماعات الاجتماعية وتتغذى من القيم والهويات الجماعية.[16] لذلك، عندما نتحدث عن "الأصالة" في المذكرات، لا ينبغي أن نعتبرها تعني التطابق الكامل مع الواقع الخارجي، بل نوعاً من "الوفاء الأخلاقي" للتجربة. الراوي الصادق هو من يلتزم بنواياه، ويسعى لفهم الماضي لا لتبرير الحاضر أو تمجيد نفسه. من هذا المنطلق، يُعدّ التاريخ الشفوي جزءًا من الوعي الجمعي، وليس مجرد وسيلة لتوثيق الأحداث. وأي تحريف له هو في الحقيقة خيانة لذاكرة الأمة.
3-2. ثالوث أخلاقيات السرد
لحماية الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع، يجب على الراوي والمؤرخ الالتزام بثلاثة مبادئ؛ ثلاث فضائل يقوم عليها كل تاريخ بشري:
الدقة العلمية:
تعني الالتزام بفحص الوثائق، ومقارنة الروايات، والمراجعة المستمرة. الدقة هي ضمير البحث الذي يكبح جماح الخيال ويمنعه من تجاوز حدود الوهم.[17]
الأمانة الأخلاقية:
تعني قول ما تعرفه، والصمت عما تجهله. الأمانة هي نقطة التقاء المعرفة والضمير. وبدونها، تصبح كل حقيقة أداةً للقوة.
الحساسية الإنسانية:
إن التاريخ، لو خُفِّف من معاناة الإنسان وأمله، لكان مجرد تاريخ للقوة والانتصار. الحساسية الإنسانية تعني الإصغاء إلى أصوات المهمشين، ورؤية وجوه المنسيين، وفهم التجارب الإنسانية فهماً عميقاً.
تُشكّل هذه الفضائل الثلاث الحد الفاصل الواضح بين الخيال الأخلاقي والوهم الإيديولوجي. فالخيال الأخلاقي يُضفي طابعاً إنسانياً على الواقع، بينما يجعل الوهم الإيديولوجي الإنسان أداةً للسرد.
3-3. خطر السرد وتكوين الذاكرة بناءً على الصور النمطية
في مجتمعنا، يصبح تأليف المذكرات أحيانًا ساحةً للتنافس الفئوي والسياسي؛ إذ تسعى كل فئة إلى إعادة كتابة الماضي ووضع صورتها الخاصة في صميم السرد. في هذه الحالة، تصبح الحقيقة ضحيةً للمصلحة الآنية.
لكن كما حذر إريك هوبسباوم[18]: "إن الماضي، عندما يُفرط في استخدامه، يتوقف عن العمل كذاكرة؛ ويصبح أداة للسياسة."[19]
في مواجهة هذا الخطر، لا بد من التمييز بين "إعادة البناء النزيهة" و" صنع الذاكرة المخصصة ". تسعى الأولى إلى فهم الماضي، بينما تسعى الثانية إلى ترسيخ السلطة. يحرص الراوي المُطّلع على حماية لغته من الضغوط الخارجية، مدركًا أنه إذا أُخفيت الحقيقة اليوم، فستعود غدًا في صورة كذبة أكبر.
٣-٤. الخيال كأداة للتعاطف
في نهاية المطاف، لا يُشكل الخيال تهديدًا للحقيقة فحسب، بل هو أيضًا أداة للتعاطف وفهم الآخر. فالخيال، إذا كان أخلاقيًا، قادر على تجاوز حدود التجربة الشخصية، وجعل الفهم الجماعي ممكنًا. وكما يقول ريكور: "يربط الخيال الذاكرة بالمستقبل".[20] أي أننا نتذكر الماضي لنجد معنى للحاضر ونأمل في المستقبل.
بهذا المعنى، تُعدّ كتابة المذكرات الصادقة عملاً أخلاقياً: مصالحة بين ما كنا عليه وما نريد أن نكون عليه. لا تُكتب هذه الرواية لتمجيد الماضي، بل لإحياء الضمير الإنساني.
الخلاصة:
ثمة خط رفيع ولكنه مصيري بين الخيال والواقع. فالخيال، إن كان يخدم المعنى والأخلاق، يُخرج التاريخ من جموده ويمنحه الحياة، أما إن كان خالياً من الضمير والمنهج، فإنه يتحول إلى وهم يُلوث الذاكرة ويُشوّه الواقع.[21]
في سياق كتابة المذكرات الإيرانية، رأينا كلا الجانبين: مذكرات سردت تجربة المعاناة والأمل بلغة إنسانية وصادقة وأصبحت منارة لفهم الماضي؛ ومن ناحية أخرى، روايات سعت إلى تمجيد التاريخ أو تطهيره أو القضاء عليه وحولته إلى حقل من الأساطير.
لا يكمن الفرق بينهما في الأسلوب، بل في النية والمنهج. يسعى الراوي المثالي إلى إظهار الحقيقة في ضوء الرغبة، بينما يسعى الراوي المتجول إلى إخفاء الحقيقة في ظل الرغبة. من منظور فلسفة التاريخ، لا يمكن استبعاد الخيال، لأنه القوة الدافعة وراء إمكانية السرد. ما يجب ضبطه هو وهم الاستبدال؛ تلك اللحظة التي يظن فيها الإنسان أن خياله هو الحقيقة المطلقة. وهنا يبرز دور الأخلاق:
الأخلاق هي حامية الحدود بين ما نعرفه وما نرغب في معرفته.
لذا، لا يمكن تحقيق المدينة الفاضلة للحقيقة إلا عندما يقترن الخيال بالصدق والدقة والحساسية الإنسانية. لا ينبغي تجريد التاريخ من الخيال أو الضمير، لأن الحقيقة تظهر في اللحظة التي يصل فيها الخيال البشري إلى الوعي الذاتي والمسؤولية.
بمعنى آخر، إنّ الانتقال من وهم العدم إلى المدينة الفاضلة للحقيقة هو رحلة من الشعور إلى الفكر، ومن السرد الشخصي إلى الفهم الجماعي، ومن الذاكرة إلى الوعي. هنا يصبح التاريخ لا مجرد سجل للأحداث، بل مرآة للإنسان؛ مرآة ينبض فيها الماضي بالحياة، ويجد فيها المستقبل معناه.
[1] - Paul Ricoeur. (2013-2005)
[2] -“La Mémoire, l'Histoire, l'Oubli”.
[3] - Ricoeur, Memory, History, Forgetting, University of Chicago Press, 2004, pp. 4–5, 85–88. https://dl1.cuni.cz/pluginfile.php/738780/mod_resource/content/2/Ricoeur%20-%20Memory%2C%20History%2C%20Forgetting.pdf
[4] - Hayden White. (1928-2018)
[5] - White, Hayden.“The Value of Narrativity in the Representation of Reality,” Critical Inquiry, Vol. 7, No. 1 (Autumn 1980), pp. 5–27https://religion.ua.edu/wp-content/uploads/2021/10/Value-of-Narrative.pdf
[6] - سهروردي، شيخ شهابالدين. (۱۳۹۷). حكمتالاشراق. تصحيح و ترجمه: سيد جعفر سجادي. تهران: انتشارات دانشگاه تهران. (صص ۹۰-۹۳، بخش «في تقسيمات العوالم»، الشفا ۴۵)
[7]- Roland Barthes.
[8] - Barthes, Roland. “Introduction to the Structural Analysis of Narratives,” New Literary History, Vol. 6, No. 2 (Winter 1975), pp. 237–272, https://www.uv.es/fores/Barthes_Structural_Narrative.pdf
[9] - لئون برونسويك، پاسكال ( انديشه ها و رسالات )، ترجمه رضا مشايخي، انتشارات ابن سينا، چاپ اول، 1351. قطعه 44
Pascal, Blaise. )۱۹۶۶). Pensées. (A.J. Krailsheimer, Trans.). London: Penguin Classics. (Fragment ۴۴(
[10] - Ernst Bloch, 1885–1977.
[11] - Bloch, Ernst. The Principle of Hope. MIT Press, 1986, Vol. 1, pp. 3–5.
[12] - Ruth Levitas.
[13] - Levitas, Ruth. The Concept of Utopia. Peter Lang, 2010, pp. 1–3.
[14] - Maurice Halbwachs.1925-1992
[15] - mémoire collective.
[16] - Maurice Halbwachs – On Collective Memory (University of Chicago Press, 1992). P.35 https://www.jstor.org/stable/2781705
[17] - كمري، علي رضا، ياد مانا، تهران، انتشارات سوره مهر، چاب اول، 1381.
[18] - Eric Hobsbawm.
[19] - هابسبام، اريك. (۱۴۰۳). ابداع سنت. ترجمه: محمد نبوي. تهران: انتشارات بيكاه. Hobsbawm, E. (۱۹۸۳). The Invention of Tradition. Cambridge: CUP. (p. ۲) Hobsbawm, Eric, and Terence Ranger, eds. The Invention of Tradition. Cambridge University Press, 1983, p. 2
[20] - Ricoeur, Paul. Memory, History, Forgetting. University of Chicago Press, 2004, pp. 357–359, esp. p. 358.
[21] - المؤلف: لمواجهة آفات الذاكرة والتاريخ الشفوي، قدمتُ اقتراحاتي في مقال "متطلبات ومنهجية تجميع التاريخ الشفوي". لمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة العنوان التالي: https://www.oral-history.ir/?page=post&id=12859
عدد الزوار: 7
جديد الموقع
- الکشف عن الحدود بین الخیال والواقع فی کتابة المذکرات: من العدم حتی المدینة الفاضلة
- محمد؛ مسیح کردستان
- الروایة الشفهیة: نافذة حیة على الخطاب الثقافی
- مکانة اللغة المعیار فی تدوین التاریخ الشفوی
- لیلة الذکرى ٣٧١ - ٢
- اللغة وأسلوب الکلام فی السرد الشفهی
- لیلة الذکرى ٣٧١ - ١
- تحلیل مفاهیم "الزمن" و"المکان" و"الراوی" فی عملیة المقابلة
الأكثر قراءة
الرواية الشفهية: نافذة حية على الخطاب الثقافي
الرواية الشفهية هي رواية مباشرة لحياة الأفراد ونافذة فريدة على عالم التجربة الإنسانية. كل رواية، بالإضافة إلى سرد قصة الحياة الشخصية للفرد، يحمل قيم ومعتقدات ومعايير وحتى صراعات ثقافية للمجتمع.تحليل مفاهيم "الزمن" و"المكان" و"الراوي" في عملية المقابلة
التاريخ الشفوي، كمنهج بحثي، ليس مجرد جمع بيانات، بل هو عملية إنشاء وثيقة تاريخية. جوهر هذه المنهجية هو المقابلة. تعتمد جودة المقابلة على فهم المُحاور للمفاهيم الثلاثة المترابطة: الراوي، والزمن، والمكان.محمد؛ مسيح كردستان
إن مدينة سنندج متأزمة وتعمّها الفوضي. قال بروجردي لدرويش على الفور: "جهّز بعض الأشخاص لننطلق". ثم ذهب إلى مصطفى، الذي كان يعمل على خريطة كردستان. استقام مصطفى وقال: "خلال خدمتي في الجيش، خضتُ حربًا شاملة في كردستان. حرب العصابات في كردستان - وبأسلوب حرب العصابات تحديدًا - لها قواعدها الخاصة. يريد قادة الثورة المضادة جرّنا إلى حرب يختارونها بأنفسهم."زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ
ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں

