الأركان الثلاثة للتاريخ الشفوي؛

تحليل مفاهيم "الزمن" و"المكان" و"الراوي" في عملية المقابلة

حسين نصر الله زنجاني
المترجم: السيد محسن الموسوي

2026-1-7


التاريخ الشفوي، كمنهج بحثي، ليس مجرد جمع بيانات، بل هو عملية إنشاء وثيقة تاريخية. جوهر هذه المنهجية هو المقابلة. تعتمد جودة المقابلة على فهم المُحاور للمفاهيم الثلاثة المترابطة: الراوي، والزمن، والمكان. تُشكّل هذه العناصر الثلاثة مثلثًا، يؤثر كل جانب منه على الجانبين الآخرين، والسرد الناتج هو نتاج تفاعل هذه العناصر الثلاثة. ولتوضيح المسألة، لا يخلو إلقاء نظرة سريعة على هذا الثلاثي من فائدة.

الزمن

الزمن ليس فئة خطية أحادية البعد، بل ظاهرة متعددة الطبقات، يجب على المُحاور أن يكون قادرًا على التنقل بين طبقاتها المختلفة. في التاريخ الشفوي، نصادف ثلاثة أزمنة:

1- زمن الحدث

يُعتبر الزمن التقويمي أو زمان وقوع الحدث أساس التوثيق التاريخي، وعلى المُحاور أن يسعى جاهداً لتثبيت تفاصيله وشرحه، إلا أن التوقف عند هذا المستوى يُحوّل السرد إلى تقرير جاف.

 

٢- لحظة تكوّن الحدث في ذهن الراوي

 تشير هذه اللحظة إلى عملية اكتشاف الحدث وفهمه تدريجيًا لحظة وقوعه. يواجه الراوي معلومات متناثرة تتشكل تدريجيًا في ذهنه، وتتحول إلى سرد متماسك. هذه المرحلة هي لحظة الانتقال إلى فهم حدث ما. على سبيل المثال، يدرك الشخص أن حقيبته مفقودة. في مراجعة ذهنية للأحداث الأخيرة، يتذكر أن أحدهم دفعه في الشارع. هذا "الدفع"، الذي بدا في البداية تافهًا، أصبح الآن ذا معنى.

 

٣- زمن التداعي

يشير هذا إلى زمن إعادة قراءة الذاكرة وإعادة بنائها في ذهن الراوي في الفترة الفاصلة بين الحدث والسرد. خلال هذه الفترة، يُعاد تفسير الذاكرة مع كل استرجاع.

 

٤- زمن الرواية

يشير هذا إلى الوقت الحاضر واللحظة التي تجري فيها المقابلة. يستخدم الراوي معارفه وتجاربه ومشاعره ودوافعه لاستحضار الذكريات.

لذا، ينبغي تصميم الأسئلة لفصل هذه الطبقات الزمنية الأربع.

 

المكان

ليس مجرد جغرافيا، بل هو عامل فاعل في تشكيل الذاكرة ومنحها هوية، والتي، مثل عنصر الزمن، لها ثلاثة مواقع منفصلة:

 

  1. موقع الحدث

هو الموقع الجغرافي للحدث، وهو ما يُضفي على الرواية مصداقيةً وصدقًا من خلال ذكر تفاصيل المكان وخصائصه.

 

  1.  مكان التداعي

يُمثل هذا البعد الشحنة العاطفية والحسية للمكان. يرتبط مكان الحدث في ذهن الراوي برائحة المكان، والأصوات، والضوء، والمشاعر.

كما أن عوامل مهمة تُؤثر في ارتباط الذكرى في ذهن الراوي، مثل حديقة الشهيد، أو منزله، أو الموقع الجغرافي المُشابه لمكان الحدث.

 

  1. مكان الرواية

مكان إجراء المقابلة. يؤثر أمن هذا المكان أو انعدامه على عمق السرد. لذا، ينبغي تصميم الأسئلة بهدف تحديد مفهوم الجغرافيا بوضوح. بالإضافة إلى الاستفسار عن تفاصيل جغرافية المكان وتضاريسه، ينبغي استكشاف مشاعر الراوي وتعلقه به. على سبيل المثال، "إذا كنت تريد رسم خريطة لهذا المكان، ماذا ستظهر؟"

 

الراوي

يُعدّ الراوي العنصر الأهم في المقابلة. فهو ليس مصدرًا للمعلومات، بل شريك في صنع التاريخ. لفهم دور الراوي فهمًا كاملًا، يجب أولًا معرفة من هو وما هي خصائصه؛ ثم دراسته في ثلاثة سياقات زمنية منفصلة.

أولاً، قد يكون حاضراً لحظة وقوع الحدث، أو شاهداً مباشراً ومراقباً موضوعياً له بالتفصيل.

ثانياً، قد لا يكون حاضراً في زمان ومكان الحدث، ولكنه قد يكون على علم به بحكم منصبه أو مسؤوليته في البيئة المعنية.

ثالثًا، قد يكون هو ناقل السرد من لغة الرواة الأوائل. ومن خلال هذه الصورة لنمط الراوي، سندرس موقفه:

بطبيعة الحال، تتأثر رواية الشخص الذي حضر الحدث بجوانب شخصية وقيود وقت وقوعه. فمعرفته المحدودة، ومشاعره المباشرة والمباشرة، وخوفه، وفرحه، وغضبه، أو ارتباكه في تلك اللحظة، وعمره، وهويته، ومعتقداته آنذاك، وغيرها، كلها عوامل تؤثر على روايته.

لتحسين جودة المقابلة، يمكنك طرح أسئلة حول مزاج الشخص في تلك اللحظة، وأفكاره ومشاعره، وأشياء من هذا القبيل.

علاوةً على ذلك، فسّر الراوي، وحلّل، وأعاد بناء الذاكرة مرارًا وتكرارًا من لحظة الحدث إلى لحظة السرد. ولعلّ الحدث اكتسب، مع مرور الوقت، معنىً جديدًا لديه وتأثر بروايات أخرى. لتجاوز هذه الصدمة، يمكننا أن نسأل: هل فكرتَ فيها خلال السنوات التي تلت الحادثة؟ هل تغيّر منظورك؟ هل أصبح أيٌّ من تلك الذكرى رمزًا لك؟ هل أثّر ما قاله الآخرون عن الحادثة في ذكراك؟

مع ذلك، على المُحاور، مع إدراكه لموقع الراوي وقت الحدث وعلاقتهما ببعضهما البعض، أن يضع نفسه مكان الأنواع الثلاثة من "الرواة". يجب أن تكون الأسئلة بحيث تستخلص الحقائق الموضوعية (من الراوي وقت الحدث)، وعملية بناء المعنى (من الراوي في الفترة الزمنية)، ودوافع السرد (من الراوي وقت السرد). في الواقع، إن نجاح مقابلة التاريخ الشفوي هو فن نسج هذه المفاهيم الثلاثة.

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 35


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 

الفرق بين الذكري والتاريخ الشفوي

ومن الجدير بالذكر أن وجود فرق بين الذكري (بما في ذلك الذكري الشفوية المكتوبة وحتى الذكري المكتوبة لما سئل وسمع) والتاريخ الشفوي لا يعني بالضرورة تفضيل أحدهما على الآخر، لأن كل واحد من هذين "المتذكر" و"المسترجع" له أهميته وصلاحيته الخاصة ويوفر للباحثين موضوعا خاصا. الذكري (سواءً كانت منطوقة أم مكتوبة) مبنية أساسًا على "أنا" صاحبها.
الأركان الثلاثة للتاريخ الشفوي؛

تحليل مفاهيم "الزمن" و"المكان" و"الراوي" في عملية المقابلة

التاريخ الشفوي، كمنهج بحثي، ليس مجرد جمع بيانات، بل هو عملية إنشاء وثيقة تاريخية. جوهر هذه المنهجية هو المقابلة. تعتمد جودة المقابلة على فهم المُحاور للمفاهيم الثلاثة المترابطة: الراوي، والزمن، والمكان.

ذكريات زوجة الشهيد السيد محمد علي جهان‌آرا

حول حفل زفافهما
اتصل محمد وتحدثنا عن موعد الزفاف الرسمي. اتفقنا على إقامة حفل زفاف بسيط في منزلنا في التاسع من سبتمبر، الذي كان يصادف عيد ميلاده. بالطبع، كانت هذه المصادفة صدفة، ولم تكن مُخططًا لها. في صباح يوم الزفاف، حضر محمد. اشترى الفاكهة للحفل، وكنتُ قد اشتريتُ الحلويات في اليوم السابق. في ذلك اليوم، ارتدى قميصًا أبيض لم يكن جديدًا.

زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ

 ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں