حوار مع السيدة شريفي

مذكرات مديرة مدرسة إبان فترة الدفاع المقدس

من إدارة مدرسة في ثكنة عسكرية إلى إدارة التلاميذ تحت الخيام في الغابة

مقابلة وإعداد: فائزة ساساني خواه
ترجمة حسن حيدري

2021-03-08


 

ولدت كافية شريفي عام 1958م في نفت شهر، من توابع قصر شيرين، وعملت في إدارة التربية والتعليم لمدة 31 عاماً. تزامن جزء من سنوات خدمتها مع الحرب المفروضة.

السيدة شريفي التي تعيش الآن في مدينة إيلام وتعمل في مؤسسة زهرة نرجس آل محمد الخيرية حيث أسستها بنفسها، لديها خبرة قيمة في إدارة المدرسة خلال الحرب المفروضة. قابلتها مراسلة موقع التاريخ الشفوي الإيراني وحاورتها عن تلك السنوات.

أين كنت عندما بدأت الحرب؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن أعود قليلاً للوراء. سمعت لأول مرة صوت إطلاق الرصاص في أواخر مايو 1980. كنا نائمين في المنزل ذات ليلة عندما سمع صوت إطلاق النار. كان منزلنا أحد البيوت الإدارية التابعة لشركة النفط وكان يطل بالضبط على المكان الذي كانوا يقذفون فيه قذائف الهاون. كانت مدينة نفت شهر منطقة غنية بالنفط، وكان بها مضخة للبترول، وهناك العديد من آبار النفط الشهيرة، مثل مسجد سليمان، و...إلخ. قاموا بقصف هذه الأجزاء بالضبط. غادرنا المنزل حينها. الحمد لله، لم يحدث شيء خاص في تلك الليلة، ولم يتم إطلاق النار سوى القصف المدفعي على هذه المنطقة، وبعد عشرين دقيقة من القصف الكثيف على المدينة، هدأ كل شيء. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتجه فيها العراق إلى هذه المنطقة الغنية بالنفط. هذه بداية حرب متعددة الأطراف. بمجرد أن بدأت هذه الحركات وبعدها ببضع ليال، بعد الانتهاء من الفصل الدراسي، قررنا مغادرة المدينة مع أقاربنا كما في السنوات السابقة عندما ذهبنا إلى كرمانشاه أو إيلام في الصيف. غادرنا المدينة وأتينا إلى إيلام. ومع ذلك، ولأنني شخصية ثقافية، فقد أعلنوا أننا يجب أن نعود إلى المدرسة في امتحانات سبتمبر، أجرينا هناك امتحاناً أو امتحانين.

في الواقع، قبل الإعلان عن الموعد الرئيسي للحرب، كانت تحركات على الحدود من العراق. كانت نفت شهر قريبة جداً من العراق. كانت هناك تلال في المدينة من حيث، عندما التقطت الكاميرا، يمكننا أن نرى بالضبط أجزاء من مندلي وخانقين في العراق وحركة الناس. كأطفال، كنا نذهب في مناسبة (سيزده بدر) إلى الحدود ونرى الناس هناك. بالنظر إلى أنّ المدينة كانت غنية بالنفط ولديها الكثير من القواسم المشتركة مع العراق. كانت منطقة حساسة للغاية واستراتيجية لإيران والعراق لوجود العديد من آبار النفط التي لا تزال موجودة. تم تغذية محطة ضخ النفط والمصفاة في كرمانشاه من قبل مدينة نفت شهر وكانت تحظي بإهتمام كبير من قبل إيران. عليّ أن أوضح أنّ معظم سكان المدينة كانوا من غير السكان الأصليين. الذين عملوا في الناقلات وكانوا موظفين في شركة النفط. في الواقع، كان هناك عدد من المسؤولين من غير السكان الأصليين، وعدد من العمال الذين عملوا في شركة النفط، وعدد من الأشخاص الذين كانت وظائفهم في مجال تربية المواشي أو من لديهم أعمالاً حرة. على سبيل المثال، كان والدي يمتلك محل بيع فواكه. أولئك الذين عملوا في شركة النفط كانوا يتمتعون بظروف مالية جيدة للغاية وكان لديهم صيف وشتاء خاصان من كل عام. في نفت شهر، تم منح الموظفين أو المسؤولين في شركة النفط منازل إدارية، لم يستأجروا حتى منزل وكان لديهم منازل في كرمانشاه وطهران وإسلام أباد. أي أنّ نفت شهر كانت مجرد مكان عملهم، وإلا فإن دخلهم سينفق في مكان آخر وكانوا سيستثمرون في مكان آخر. أناس آخرون مثلنا كانوا في مستوى منخفض. على أي حال، لفترة من الوقت، تم توفير دخل الأسرة من قبلي. لم يكن لدى الكثير منهم هذا الدخل. على سبيل المثال، كـ مدرسة، أعطوني منزلاً تنظيمياً لجلب عائلتي. كنا في ذلك المنزل حتى بدأت الحرب.

في الأسبوع الثاني من سبتمبر، ذهبت أنا وزملائي إلى نفت شهر لإجراء الامتحانات، لكن ولأنّ المدينة كانت تحت نيران المدفعية، أعلنا أننا سنغادر المدينة. في الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، عدت إلى هناك مرة أخرى مع والدتي وأخي. في اليوم الرسمي لبداية الحرب، 22 سبتمبر 1980م، كنت في مدرسة تحت إدارتي. على الفور، أطلقت قذائف الهاون والمدفعية على المدينة. اتضح من حجم النار، وخاصة القذائف التي أطلقوها، أنها كانت قريبة جداً. أرسلنا أخي إلى خندق أمام منزلنا، لكننا كنا أنا وأمي بالداخل. أصابت قذيفة الهاون الواحدة تلو الأخرى الخندق. كما سقطت في الفناء أيضاً. بعد لحظات عسيرة ومتعبة، خمدت النار. مع اشتداد قصف المدفعية العراقية على نفس الجزء النفطي من المدينة، خرجنا ليلاً. جاءت سيارة عسكرية وأخذتنا. صعدنا أنا وأخي وعدد قليل من مدينة نفت شهر وذهبنا إلى سومار. المسافة من سومار الى نفت شهر قصيرة جداً، أي حوالي عشرين دقيقة، لكنه في الطريق اصطدمت طلقة بإحدى عجلات السيارة وثُقب وتعطلت عن الحركة. من هناك ذهبنا إلى سومار بسيارة أخرى. مكثنا في سومر حتى الساعة 12 ليلاً للعثور على سيارة. وصلنا إلى إيلام في حوالي الساعة 2 منتصف الليل في سيارة أعتقد أنها كانت شاحنة.

بعد يومين، أردت العودة إلى مدينة نفت شهر مرة أخرى. ذهبت إلى حدود كيلان غرب للذهاب إلى نفت شهر، لكن نيران العدو كانت كثيفة للغاية ومنعتنا من المغادرة. ذهبت إلى كرمانشاه وعرفت نفسي لدائرة التربية والتعليم في كرمانشاه. كان على العاملين في هذا المجال والذين جاءوا من تلك المناطق أن يقدموا أنفسهم لتحديد مكان خدمتهم.

هل سكنتم إيلام بعد مغادرة مدينة نفت شهر؟

نعم. كنا عائلة كبيرة، لدينا ثماني شقيقات وشقيقان. توفي أخي الأكبر عام 1981. كانت إحدى شقيقاتي متزوجة وعاشت في إيلام قبل انتصار الثورة. كانت المسافة من سومار إلى إيلام أقرب بكثير من المسافة من سومار إلى كرمانشاه، وكانت أخت أخرى لي تعيش في كرمانشاه. لأنني كنت صانعة القرار الرئيسي في الأسرة، في إحدى الليالي عندما كان الوضع في نفت شهر فوضوياً للغاية، قررنا نقل الأطفال إلى إيلام. ذهبت إلى كرمانشاه من إيلام وقدّمت نفسي على دائرة التربية والتعليم.

إلى أي مدرسة انتقلت في كرمانشاه للتدريس؟

بالضبط في أكتوبر 1980 م، أصبحت مديرة مدرسة في منطقة سراب نيلوفر في كرمانشاه، والتي أصبحت الآن منطقة ترفيهية وجميلة. كانت منطقة عسكرية في ذلك الوقت وكانت تعرف باسم حامية سراب نيلوفر. كانت المدرسة تقع في منتصف الثكنات وكنت نشطة في كل من المدرسة الإعدادية والثانوية. كنا مستاءين جداً في المدرسة. ومع ذلك، كانت منطقة عسكرية وليس بها فناء. كان ضابط يدعى العقيد جعفري مسؤولاً. استشهد فيما بعد رحمه الله ساعدنا كثيراً. وأمر بإحاطة ساحة المدرسة بالأكياس التي أحضروها حتى لا تُرى من الخارج.

كنت أنا والعديد من المعلمات الأخريات ندير المدرسة. كانت منطقة حرب. هاجر سكان وطلاب ضواحي المدينة من سربل ذهاب وقصر شيرين ونفت شهر، إلخ.  لقد أتينا أيضاً من مناطق الحرب.

يرجى توضيح الصعوبات التي تواجه إدارة المدرسة في حالات الحرب والطلاب المختلفين ثقافياً.

أقوم بالتدريس منذ عام 1976. لقد تخرجت من الكلية بمعدل عالٍ جداً. في ذلك الوقت، قيل لي إنه يجب عليك الذهاب إلى مدرسة ابتدائية في نفت شهر وتدريس الصف الخامس. كان هذا سهلاً للغاية بالنسبة لي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنني كنت أحصل على صفوف دراسية خاصة وأقوم بتدريس بعض الصفوف في الصيف بسبب الوضع المالي السيئ لعائلتي منذ أن كنت في الصف السادس من النظام القديم. في نفت شهر، كان الجميع سواسية بالنسبة لي. كنت أعرف العائلات التي ينتمي إليها الطلاب وما هي ظروفهم، ولكن في سراب نيلوفر تم نقلي إلى مدرسة حيث كان الجميع من مهجري الحرب، وكانوا يعانون من مشاكل عديدة. كانت جميع المنازل عبارة عن منازل إدارية للجيش. على سبيل المثال، في 3 غرف في مبنى سكني في المدينة العسكرية، عاشت 3 عائلات. لم يكن منزلاً به العديد من الغرف. كانت الغرف 18 و 12 و 9 أمتراً. كانوا يعيشون في غرفة طولها 18 متراً لعائلة كبيرة. تعيش عائلة مكونة من شخصين أو ثلاثة في غرفة طولها 9 أمتار. والبعض يعيشون مع أقاربهم. في بعض الأماكن، كان الناس من خلفيات ثقافية مختلفة يعيشون معاً. كان الكثير من الناس يتشاجرون حول أصغر قضية ويدخلون المعركة إلى المدرسة وسيأتي الآباء ويطلبون المساعدة منا. كان عليّ أن أذهب إلى المدينة وأتحدث معهم. كانت المسافة من المدينة إلى الثكنات قليلة جداً. اعتدنا على المشي. عندما ذهبت إلى سراب نيلوفر، كنت أعيش في كرمانشاه مبكراً. كانت المسافة من هناك إلى كرمانشاه 20 دقيقة. مع طرق سيئة للغاية. كانت هناك طرق عسكرية والثكنات في منتصف الطريق. أخيراً، مع الظروف، قررنا البقاء في المنطقة لبضع ليالٍ مع عدد قليل من الزملاء والاهتمام بمشاكل المهاجرين وحلها. أعطونا غرفة وقالوا إنه يمكنك العيش هنا. كان الوضع صعباً للغاية، لكننا في نفس الوقت استمتعنا بالعمل في حالة الحرب تلك ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من مشاكل ثقافية. باستثناء شخص واحد، كنا جميعاً عازبين. لقد كان امتيازاً عظيماً أن أكون قادرة على البقاء طوال اليوم دون الحاجة إلى القلق كثيراً بشأن الأعمال المنزلية. قضيت كل ساعات المرح مع الطلاب وكنت قد انسجمت معهم، ليس أنا وحدي ولكن جميع زملائي كانوا متسامحين مع الطلاب في هذه الظروف. حاولوا الانسجام مع الطلاب أثناء فترة الإستراحة. في الثكنات العسكرية، تكون المنطقة العسكرية عادة مستقلة ولها مدرسة منفصلة. قاموا بتدريب المعلمين لأنفسهم. بينما كنا ندرس في المدرسة، جاء أبناء الجيش أيضاً ودرسوا. كانت المدرسة تدار على فترتين بشكل مناوبة، كانت فترة للفتيات وأخري للأولاد. كانت المدرسة مثل الفيلا. كان فيها 8 صفوف، وهو ما كان كافياً بالنسبة لنا. كان فيها غرفة مدير وغرفة نائب. كان عدد الفصول كافياً للطلاب. كان عدد أطفال الثكنات قليل جداً. مع بداية الحرب، غادرت عائلات الجنود. نادراً ما كان لدينا، على سبيل المثال، 10 طلاب من أبناء الجيش، وكان الباقون جميعاً مهجرين حرب.

ما هي الموضوعات التي يختلف حولها الأسر؟

على سبيل المثال، جلبوا لهم الماء بواسطة صهريج. مع هذا الماء، كان أحدهم يستخدمه للشرب والآخر لغسل الملابس والأواني وباختصار، كل شخص يستخدمه لعمل ما. حيث أنهم يتشاجرون حول الماء. على سبيل المثال، قال أحدهم لقد وصل دوري لأستلم المياه، والآخر يقول إنه دوري. كان لديهم بالفعل الكثير من المشاكل في تلك المستوطنة.

هل كانت المدرسة معرضة لخطر الهجمات العراقية؟

نسمع صوت الطائرات التي تقصف كرمانشاه، لكن على الرغم من أنّ نيلوفر سراب كانت حامية، لم تكن هناك هجمات. بعد عام ونصف في وسط الثكنات، أمرهم السيد أشرفي اصفهاني، إمام جمعة كرمانشاه، رحمه الله، ببناء مدارس داخل البلدة ؛ تم بناء مدرسة كبيرة للغاية وانتقلنا إليها.

هل عملت مع فريق دعم الحرب أثناء إدارة المدرسة؟

في بعض الأحيان كانوا يأتون من مقر دعم الحرب ويسألوننا عن بعض المعلومات. كما زودناهم بمعلومات كانت لدينا. قاموا بتقييم وضع مهاجري الحرب لمعرفة ما هي أوجه القصور والمشاكل. تم تقديم بعض المساعدات للأسر تحت إشراف المدرسة، وبعضها تم تسليمها لهم عبر المستوطنة نفسها. تم إحضار الجزء الآخر من خلال المحاضرات التي كانوا يأتون بها. كان لديّ ابن عم استشهد فيما بعد. في ذلك الوقت، كان ناشطاً في جهاد كرمانشاه. عادةً ما أعطي المعلومات التي أمتلكها إلى هؤلاء الأفراد، وسوف يقوم بتوصيل الإمدادات إلى المدرسة أو المستوطنة أو الثكنات على أي حال.

إذا احتاج المقر دعمنا ومساعدتنا، فسيحصلون على المساعدة منا وننصح الطلاب بالذهاب إلى هناك للحصول على المساعدة. كانت المدينة كبيرة لدرجة أنهم استقروا على الأقل هناك لتلبية إحتياجات المدينة. في البداية، لم يكن هناك متجر في البلدة، يذهب الناس إلى كرمانشاه للحصول على احتياجاتهم الأساسية، ولكن توسعت تدريجياً وأرسلت الإدارات التي لها يد في الحرب ويمكن أن ترسل ممثلين هناك لرعاية مهجري الحرب .

ماذا كانت تفعل النساء في مقر دعم الحرب؟

كانت النساء يقمن بحياكة أو تغليف الطعام، وما إلى ذلك. ذهب الطلاب العاطلون عن العمل إلى هناك للمساعدة. داخل المدرسة، جمعنا أيضاً الكثير من التبرعات من خلال الزملاء والطلاب وقدمناها إلى طاقم دعم الحرب لإرسالها إلى الجبهات. كان هناك قتال شديد على الجبهات الغربية. على سبيل المثال، كانت حامية أبو ذر في سربل ذهاب واحدة من أهم الحاميات التي عادة ما يتم أخذ المساعدات وتوزيعها هناك.

كانت العائلات في تلك المستوطنة،عادة من العائلات الفقيرة وقد مزقتها الحرب، كيف جمعتم منهم أموالاً للجبهة أو للمساعدات غير النقدية؟

أقسم بالله أنهم عائلات أتوا إلى منطقة سراب نيلوفر خالين الوفاض واستلموا كل متعلقاتهم من خلال مقر دعم الحرب. حتى أنهم خرجوا من منطقتي قصر شيرين وسربل ذهاب ليلاً. على سبيل المثال، عمل أخي في قسم المالية بقصر شيرين. كان يسير لمدة يومين وليلتين للوصول إلى مكان استأجروا فيه سيارة للوصول إلى كرمانشاه. لم يجلب معه أي أدوات تذكر. كانت العائلات قد أتت من منازلها في ظل هذه الظروف، ولكن عندما دعت الحاجة، أعطوا ما حصلوا عليه كهدايا من قبل موظفي مقر دعم الحرب! البعض، على سبيل المثال، أعطى بطانيات تسمى البطانيات العسكرية، وكلها كانت موحدة وذات لون غامق. على سبيل المثال، في حفل زفاف تمت دعوتنا من قبل قوات المدرسة، قالوا إنهم قصفوا منطقة ما. جاءت إحدى السيدات وقالت لي: "سيدتي! أريد أن أهدي شيئاً للجبهة". كانت لديها 3 أساور في يدها، والتي لم تكن بالطبع من الذهب. ربما كان سعرها زهيداً جداً. خلعتهن من يدها وقدمتها لي: هذا ما أمتلكه. لم يبق لي شيئاً كي أقدمه لكم! كنت حزينة جداً على تلك المرأة. فقبلتها وقلت: يا أمي! يا عزيزتي! دعيهن في يدك. إذا احتاجت الجبهة، سيقولون لك بالتأكيد. قالت: أريدك أن تعطي هذه الخمسة ريالات للمقاتلين حتى لو كانت قيمتها 5 ريالات فقط".

وضعنا صندوقاً في فناء المدرسة وقلنا إنّ الجميع يريدون مساعدة الجبهة. حتى لو كان لدى الطالب 10 ريالات لشراء الطعام، كان يقول: "هذا ما أمتلكه" ويساعد الجبهة. كان الطلاب يحصلون دائماً على طعام مجاني من خلال الثكنات. قال العقيد جعفري: لا ينبغي أن يواجه هؤلاء الأطفال مشكلة. كل ما كان يهتم به هو أنّ الأطفال لن يواجهوا أي مشكلة مع هذه الحرب في المستقبل، وأنهم سيتعلمون دروسهم. ما جعلني مع كل المشاكل التي مررت بها في الحياة أستمر، هي السنوات التي عشت فيها في سراب نيلوفر.

بالإضافة إلى التعليم، هل لديكم برامج ثقافية للطلاب؟

نعم، كانت لدينا برامج ثقافية. قمنا بدعوة رجال الدين وحتى العسكريين لإلقاء محاضرات على الطلاب. احتفلنا بأيام الفجر بحماسة. كانت لدي كاميرا، كنت أستخدمها دائماً لإلتقاط الصور في تزيين المدرسة والفناء. لم نفكر على الإطلاق أننا في حالة حرب الآن. لطالما شاركت ذكرياتي قبل الثورة مع طلابي. كانت أول سنتين أو ثلاث سنوات من خدمتي قبل انتصار الثورة، ورأيت أشياء كثيرة. حتى قبل ذلك، ما زلت أتذكر ما هي المشاكل وشرحتها للأطفال حتى يفهموا من أين أتينا. كنت ناشطة قبل الثورة. قبل الثورة، كنت منخرطة في السياسة سراً. عادة ما أحاول إبلاغ طلابي تحت عناوين مختلفة، لكنني حاولت عدم التهور والمجازفة حتى لا يتم طردهم. كنت أعمل في الخفاء. كما أوكلت سلسلة من المهام إلى بعض الأطفال الذين عرفت أنهم يتماشون مع النظرة الفكرية لعائلتي. لأنني كنت من أسرة فقيرة، وفهمت الطلاب الذين  يعيشون في حالة فقر وحاولت مساعدتهم. أود أن أصف تلك السنوات لطلابي وأقول، صحيح أنّ هناك حرباً قائمة، لكن بدلاً من ذلك لدينا الحرية. تحدثت عن قضايا مثل الحجاب والدين والصراع الطبقي والمشاكل التي فرضت على المظلومين قبل الثورة. اهتم الأطفال بما حدث من قبل وأين هم الآن. كنت أقول لهم: هذه الحرب ستنتهي ذات يوم وستبقى ذكرياتها، وكيف يجب أن تكونوا. لا أدري الآن، ربما يتقبل الله. كان زملائي يعملون بجد حقاً. أدار الطلاب بأنفسهم جميع برامج عشرة الفجر، وقاموا بالتزيين والعمل بأنفسهم. لكن عشرة الفجر لم تكن كما كانت في السنوات الأخيرة، كي لا نقول: لا قدر الله فقد نسيت! لكننا كنا متحمسين للغاية. كانت الثورة الإسلامية قد انتصرت للتو وبدأت الحرب، وكان الأولاد حساسين للغاية ونشطين في هذه القضايا.

متى انتقلتم إلى المدرسة الجديدة؟

بقينا في منتصف الثكنة لمدة عام ونصف حتى تم بناء مدرسة في البلدة وتم نقلنا إلى هناك. كانت المدرسة الجديدة نظيفة وجميلة للغاية ومجهزة بكافة المرافق التعليمية والرياضية. في تلك الأوقات الصعبة، كان بناء مدرسة من طابقين مفيداً جداً للعديد من الطلاب ومكلفاً للغاية بالنسبة للحكومة، لكنهم قاموا بالأمر. كانت لديهم مشاكل في إمدادات المياه لبعض الوقت. تحدثت وتشاورت مع أحد المعارف الذي كان يعمل في جهاد البناء لحل مشكلة المياه. قاموا بوضع صهريج كبير جداً وجهاز تنقية.

هل كنت هناك حتى نهاية الحرب المفروضة؟

لا. مكثت هناك لمدة 3 سنوات. في الأيام الأخيرة التي كنت فيها هناك، تغيرت المدرسة كثيراً. عندما نظرت، رأيت مدى سهولة دراسة التلامذة. شعرت بالضيق عندما خرجت، لكنني كنت سعيدة جداً لأنّ التلامذة كانوا في حالة جيدة تماماً. كان أسوأ تاريخ في حياتي عندما خرجت من سراب نيلوفر. الآن، أقول لماذا تركت ذلك المكان! لكن على أي حال، كان مصير حياتي هو الخروج من هناك بعد 3 سنوات. أتذكر كل الصور وكل المشاهد من تلك السنوات.

من سراب نيلوفر إلي أين انتقلت؟

أمر الإمام الراحل بالذهاب وخدمة المناطق التي تحتاج إلى مساعدة. كتبت حينها طلباً لدائرة التربية والتعليم في كرمانشاه وقلت لهم أنني أرغب بالعمل هناك. كانوا في حاجة ماسة للطاقات. أصروا عليّ كثيراً وقالوا: لا تذهبي لأنّ سراب نيلوفر يحتاج لوجودك كثيراً. إذا شعرتي بالتعب، يمكنك القدوم والعمل داخل مدينة كرمانشاه. لكني قلت: لا يهمني الزمان والمكان إطلاقاً، فالوضع مهم بالنسبة لي. أذهب إلى إيلام وأبقى هناك لبضع سنوات. إذا رأيت أنّ الوضع على ما يرام، فسأعود ثانية." بالإضافة إلى ذلك، كانت والدتي وعائلتي معي. كان أخي الصغير جندياً. قررت الذهاب إلى إيلام وإحضار أختي وأمي إلى إيلام. عندما ذهبت إلى إيلام، لم يوافقوا على نقلي الدائم لمدة 3 سنوات. ذهبت إلى إيلام في سبتمبر 1984 وبعد 3 سنوات من النقل المؤقت، حاولت جاهدة حتي تمت الموافقة على انتقالي الدائم.

كيف كان الوضع في إيلام؟

بناءً على المعرفة التي حصلت عليها من خلال عائلتي وعدد من أقاربي الذين كانوا في دائرة التربية والتعليم، تم اختياري كمديرة لمدرسة 13 آبان، والتي كانت واحدة من المدارس الجيدة والمجهزة جيداً في وسط المدينة. بدأ العمل بذكريات طيبة وتخرج منها العديد من الطلاب الناجحين.

كيف كان الوضع في إيلام أثناء الحرب؟

مكثت هناك لمدة شهرين بالضبط عندما بدأ قصف المدينة. كما كان لها ظروفها الخاصة. يوجد في إيلام العديد من الغابات وحوالي 50 إلي60 كيلومتراً من المدينة هي مجرد غابة. كلما قصفت المدينة، لجأ الناس إلى الجبال والغابات. نصب الجميع على الفور وبشكل عفوي خيامهم تحت الأشجار وبدأوا في العيش. مع بداية الحياة، لم يجلس الناس مكتوفي الأيدي تحت خيمة التربية والتعليم وأنشأوا مدارس تحت الخيام كمجمع من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية. كنا في 20 خيمة طولها 24 متراً لعدة سنوات. جاء الطلاب من تلك المنطقة إلى هناك، وكنت منخرطة في أنشطة منتظمة كمديرة للمدرسة. كانت ممتعة حقاً. استمر القصف، لكن الطلاب واصلوا تعليمهم في الصفوف الدراسية. كنا ندير مدارس البنات، وذهب الأولاد إلى مدارسهم الخاصة، على بعد مسافة قصيرة.

كما أنني عشت تحت نفس الخيمة  لم يكن بالإمكان القدوم نحو المدينة. لم يكن أحد يتواجد هناك. كنا نغادر عندما يكون الوضع في المدينة خطيراً، على سبيل المثال، كنا تحت خيمة لمدة 4 أشهر. خلال هذا الوقت، ذات يوم لم يهمل التلاميذ تعليمهم، وأحياناً جاء الأولاد وأقاموا خياماً لنا. كانت المدرسة جاهزة للساعة الثالثة فجراً عندما يتم إخلاء المدينة. تم فرش السجاد في الخيام ونصب السبورات في حجرة الدراسة، وكان المعلم مستعداً للتدريس. ساعدنا المعلمون الرجال كثيراً. لقد قدمت دائرة التربية والتعليم خدمات كثيرة للتلاميذ، وتم حشد الجميع لإنجاز عملنا. تمت إزالة الحجارة من الفناء حتى لا يعاني التلاميذ من أي مشاكل. كل هذا الوقت الذي كنا فيه تحت الخيمة حيث كنا تشكلت ذكريات لحظة بلحظة.

هل يمكنك ذكر بعض الذكريات؟

كنت أقوم بإجراء الامتحان النهائي للسنة الرابعة من مشروع عملي في الخيمة. فقدت واحدة من أوراق التلامذة! كان الأمر مؤلماً جداً بالنسبة لي. لقد عملت بكرامة لسنوات ولم أواجه أي مشاكل. لم أسمح للتلميذ بالخروج من الخيمة التي كانت محل الامتحان. فتشنا الخيمة كلها. لكننا لم نخبرهم بأنّ الورقة مفقودة. ذهبت إلى سلة المهملات، وسكبت محتوياتها، ورأيت ورقة مجعدة. فتحت الورقة ورأيت أنها نفس ورقة الاختبار. عندما اضطررت إلى تسليم الاستمارات، أخبرت مدير الدائرة بما حدث، ووجدت الاستمارة ولم تكن هناك مشكلة. وذات مرة جاء وزير التربية والتعليم السيد أكرمي لزيارة المدارس. أراد أن يلقي خطاباً، لكن لم يكن هناك مكان يذهب لالقاء الخطاب. وجدوا حجراً وتركوا السيد أكرمي يقف عليه ويلقي كلمة. في تلك اللحظة، هبت رياح قوية ودمرت خيمتين أو ثلاث، وواصل السيد أكرمي حديثه بصعوبة. لم ينقطع الامتحان النهائي وامتحان القبول في مدارسنا على الإطلاق. كان امتحان القبول الذي أجريناه في قاعات دائرة الزراعة وتربية المواشي. على سبيل المثال، تربية الماشية رقم 1 و 2 و 3، أو تربية الدواجن ورائحتها كريهة. قبل الامتحانات بثلاثة أيام، قمنا بتنظيف القاعات، وكانت تتسع لـ 100 شخص وأجرينا امتحانات الدخول هناك. بمجرد أن جاء شخص من طهران، أحضروه لزيارة دائرتي الإمتحانية. سأل قبل مجيئه: "إلى أين تريدون أن تأخذوني؟" قالوا له: "الحوزة الإمتحانية". كما رد قائلاً: "هنا مكتوب علي الباب تربية الماشية رقم 3!" أوضحوا له أنها الآن حوزة إمتحانية! أي، تم استخدام جميع المرافق على أكمل وجه حتى لا يغيب الأبناء عن المدرسة. عندما دخلوا القاعة سألوا "من هو رئيس الدائرة؟" أجبته أنا" قال: "سيدة شريفي، هل حقا تجري امتحانات هنا بهذا المكان؟ المراقب في مكانه، والسكرتير في مكانه" قلت له نعم. "من المهم بالنسبة لنا أن ندعم الثورة في أي حالة، حتى الحرب لا يمكن أن تمنعنا من تربية أبنائنا".

في ظل تلك الظروف، هل قمتم أيضاً بأنشطة ثقافية، وعلى سبيل المثال، هل احتفلتم بعشرة الفجر المباركة؟

نعم ... نعم، قمنا بتزيين الخيام من الداخل وصنعنا الورق. قمنا بتزيين الأشجار بشرائط ورقائق معدنية. أقمنا الإحتفالات. لم نهمل القضايا الثقافية والإجتماعية والتعليمية والتربوية علي الإطلاق. كنا أبناء حرب. في حالة عدم توفر الأوراق، يقوم التلميذ بإستخدام الأوراق المستخدمة من قبل. لقد صنعوا العلم المناسب للخيام.

لم تقتصر الأنشطة الثقافية على المدارس اليومية فقط. بل لم أفوت حتى الأنشطة الثقافية في المدارس الليلية. حتى أنني قدمت التذكيرات اللازمة للتلامذة، ومعظمهم متزوجين ولديهم أطفال. كنت مديرة صارمة. الآن أقول لنفسي إنّ التلاميذ يقولون لقد تخلصنا منها!

مع الوضع الخاص الذي مررتم به خلال سنوات الحرب، هل كانت لديك خطط شخصية لنفسك أم لم يكن الوقت يسمح؟

لم يكن الأمر كذلك في حياتي لأنني لا أقرأ الكتب أثناء النهار، أو أريد شيئاً ولا أحصل عليه. كنت أحاول الوصول إليه. على سبيل المثال، كنت أرغب دائماً في السفر إلى سوريا، و الحمد لله، في عام 1986، عندما تم اختياري كمديرة نموذجية، تم إرسالي إلى سوريا. كنت أرغب كل عام في زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) وكل ما سنحت الفرصة ذهبت. بالطبع لم أذهب إلى ضريح الإمام الرضا (عليه السلام) بمفردي وأخذت أسرتي معي أيضاً.

إلى جانب إدارة المدرسة، كيف تديرين شؤون الأسرة؟

أمرني والدي بعدم الزواج حتى يتم توطين الأبناء. كما توفي أخي الراحل، الذي كان أكبر مني، وبقيت مع عدد من الأخوات الصغيرات، أنا وأخي وأمي، الذين اعتنوا بهن معي. حتى أنني عملت في مدارس ليلية لإعالة أسرتي. عندما  كنت أخرج في الصباح الباكر، لم أكن في كثير من الأحيان أعود إلى المنزل لتناول طعام الغداء، وكنت أعمل في فترة ما بعد الظهر والليل. كنت أعود إلى المنزل في حوالي الساعة 10  ليلاً. لقد عملت بوصية والدي وتزوجت عندما كانت شقيقتاي الصغيرتان طالبتان في السنة النهائية وأردن التخرج. عندما كنت في إيلام وكانت والدتي وأخواتي في كرمانشاه، كانوا يتصلون بي ويقولون،  على سبيل المثال، ماذا نفعل إذا تم قبول أختي في الجامعة؟ أخذت إجازة على الفور وذهبت إلى القيام بما تحتاجه للتسجيل. على سبيل المثال، تم قبول أحدهن في مشهد. أخذتها إلى مشهد وقمت بعمل تسجيلها. تم قبول أختي الأخرى في كرمانشاه، وقمت بكل الأعمال المدرسية والجامعية من أجلهن وعدت إلى محل إقامتي.

حياة التلاميذ في إيلام حين كانوا تحت إدارتك كانوا يعيشون أزمة حرب والحرب دمرت حياتهم، ألم يكنوا في حالة أزمة نفسية؟

يجب أن أقول أنه كان لدينا أقوى المعلمين التربويين أثناء الحرب. كان لدينا معلم تربوي يأتي إلى المدرسة طوال الحرب، ومهما ذكرناه بأنّ لديك عائلة وأطفالاً وعليك العودة إلى المنزل لم يذهب. كان يفكر فقط في خدمة المدرسة والتلامذة. كان المعلم التربوي هذا قد قدم  قبل شهرين تقريباً عندما أحضر لي خططه وخطط للشهرين المقبلين. اسأل أي شخص كان مديراً في زمن الحرب، سيقول إنّ أفضل وأنسب القوى العاملة في المدارس هم المعلمون التربويون. بالإضافة إلى تعريف الحرب للتلاميذ، قاموا بتعريف جميع المفاهيم الدينية لهم. لا شعورياً، أصبحوا الأكثر خبرة في المدرسة، وكانوا الطلاب يحتذون بهم. طبعاً كل الأعمال الثقافية كانت تحت إشراف المدير، ومن هو المدير الذي يعارض عملهم؟ خاصة نحن الذين كنا جميعاً تحت الخيمة. على سبيل المثال، كنا نخطط للقيام بهذه الأمور في 10 من فبراير من هذا العام. على سبيل المثال، في الليلة التي أردنا فيها القيام بذلك في المدينة، تم قصفها، والله أعلم، بمجرد أن تمركزنا تحت الخيمة، سنواصل هذا البرنامج.

من ناحية أخرى، عندما كنت أعيش كمدرسة أو مديرة تحت الخيمة، وكان لدي نفس المرافق التي كانت لدى التلامذة وكنت في نفس الموقف معهم، كان ذلك مريحاً التلامذة. إذا كانت الإمكانيات ضعيفة، سأكون ضعيفة أيضاً. أو، على سبيل المثال، يلعب المعلمون الكرة الطائرة مع التلامذة في أوقات الراحة، أو، على سبيل المثال، لعبنا ألعاباً فكرية وشاركنا في ألعابهم. كان لهذه تأثير على التلامذة. لم نفصل التلاميذ عن أنفسنا أبداً.

هل تعاونتم مع مقر دعم الحرب في إيلام؟

نعم. كان العمل الذي قمنا به والأشياء التي قمنا بها والأموال التي جمعناها كلها تحت إشراف مدير المدرسة وبمساعدة المعلمين. عرفنا أبناء الجبهة وحرب إيلام. الأخوات اللاتي يعملن هناك يعرفنني جيدًا أيضاً. لست أنا وحدي، لكن مديري جميع المدارس عملوا مع التلامذة. عندما جمعنا التبرعات، أبلغناهم بالحضور واستلامها.

أين كنت عندما أنتهت الحرب؟

درست في الصيف. كنت طالبة في جامعة همدان في فرع الإدارة التربوية. كنت في المنام عندما انتهت الحرب. في اليوم التالي، كان لديّ امتحان عندما رأيت رسالة الإمام لقبول القرارالذي  قُرأ في الأخبار. كان أصعب يوم في حياتي. قلت للحظة، يا إلهي، الإمام لم يقبل هذا! لما سمعت أنّ الإمام قال إني شربت كأس السم قلت ياعلي! ساعد الإمام بنفسك. كنت مجنونة حقا بوفاة الإمام (رحمه الله). لفترة طويلة، لم أستطع حتى التحدث مع إخوتي وأخواتي.

بعد وقت قصير من اعتماد القرار، هاجم المنافقون البلاد ودخلوا. كنت لا أزال في همدان وكانت أمي وأخواتي في كرمانشاه. كم وحيدات. كان أخي في الجبهة حينها. أختي التي كانت تعيش في كرمانشاه، أخذتهم على متن سيارة لاندكروزر عسكرية إلى هرسين. كنت قد ركبت أيضاً سيارة لاند كروزر من همدان ووصلت إلى القرب من كرمانشاه. من هناك أغلق أمامنا الطريق لأنهم كانوا يقصفون المنطقة. تمت عملية مرصاد وبقيت هناك. قال لي شخص: "إذا أردتي الذهاب إلى كرمانشاه، فسوف أذهب إلى هناك". ركبنا السيارة مع سيدة وأتينا. على الطريق من كرمانشاه إلى بيستون، كانت هناك 10 صفوف من السيارات تغادر كرمانشاه، وكانت تعبر الطريق الترابي، وسيارة متجهة إلى كرمانشاه.

أتيت إلى المنزل ورأيت مكتوباً على الباب أختي! إذا أتيت، فقد ذهبنا إلى هرسين! شعرت بالارتياح لأنّ عائلتي غادرت المدينة وركبت السيارة مرة أخرى وذهبت إلى هرسين.

استولى المنافقون على مضيق مرصاد بالكامل. كان هذا هو طريقهم الأخير. لم يبق شيء. كانوا يقصفون كرمانشاه بسهولة حينها. من ناحية أخرى، كان العراق يساعد ويقصف. ركبت شاحنة وذهبت إلى هرسين، حيث وصلت الساعة 2 مساءً. كان لدينا أحد المعارف يعمل في مكتب التوثيق والسجلات، لذلك ذهبت أسأل عن الرجل. قالوا إنّ ضيفاً جاء إليهم، كما لو كانت عائلتي في منزلهم. حصلت على عنوانه على الفور وأخذني أحد موظفي دائرة السجلات إلى منزله. تناولت الغداء بسرعة وجمعت أخواتي وأمي وذهبنا إلى أصفهان. كانت تعيش إحدى أخواتي في تلك المدينة. عندما قمت بتوطينهم،عدت إلي كرمانشاه، وذهبت على الفور وركبت سيارتي وذهبت إلى إسلام آباد. قالوا ليس لك الحق في الذهاب إلى إيلام. كان الطريق قرب حسن آباد مغلقاً وكانوا ينقلون الشهداء. وانتشر المنافقون أيضاً. وقتل البعض هناك. عدت إلى كرمانشاه ومكثت في منزل أختي الكبيرة لبضعة أيام. عدت إلى إيلام في فترة ما بعد الظهر عندما كان الوضع أفضل قليلاً. أعتقد أنني مكثت في منزل قائد فيلق كنكاور لليلة واحدة فقط. كانت زوجة عمي، التي كان ابنها في جهاد البناء واستشهد، هناك أيضاً، ومن خلالها ذهبت إلى هناك. كان لديّ مصحفاً صغيراً، ربما قرأت 15 جزءاً منه بحلول الصباح. في الصباح، بعد الصلاة ،بسرعة أتيت إلى كرمانشاه. لقد كان أحد أكثر الأيام إيلاماً في حياتي. كنت مستاءة لأننا نخسر أمام المنافقين. لم يكن العراق قادراً على الوصول إلى هناك طوال هذه السنوات بكل القوة العسكرية الممنوحة له من قبل دول أخرى، لكن المنافقين كان من السهل جداً تقدمهم.

هل كان من الصعب عليك أن يخونك إيراني ومواطن؟

نعم. كان هؤلاء من دول أخرى لم يأتوا بالطبع، لكنهم تسببوا بإيذاء المواطنين. كل ليلة كنت أقرأ كل آية أسأل الله أن يجعل كيدهم في نحورهم. على سبيل المثال، قالت الأخبار من أين أتوا، أو عندما تم الإعلان عن اسم عملية مرصاد، بقيت أقول: "يا الله، بحق هذه المفردة النورانية القائلة بالمرصاد، أنهي هذا الهجوم لصالح الإسلام ولصالحنا. ". أقول إنّ كل الشهداء الذين استشهدوا في تلك المنطقة كانوا أكثر قيمة ومكانة لأنهم استشهدوا علي أيدي أبناء بني جلدتهم.

كيف تم إنشاء الصفوف الدراسية في فترة ما بعد الحرب؟

بعد الحرب، عندما دخلنا المدينة، تمّ تدمر كل شيء. كان الجزء الداخلي من المدينة على الأرض مليئاً بالزجاج وكانت الجدران كلها تنهار. لم تكن لدينا مدرسة وقمنا بنقل مرافق المدرسة إلى الجبال والسهول. استأجرنا منزلاً في إحدى القرى. كانت جميع ممتلكات المدرسة في ذلك المنزل. قام مقر إعادة الإعمار بعمله الأول في إعادة بناء المدارس، وليس إعادة البناء ولكن التنظيف. في الأول من أكتوبر، عندما ذهبنا، كانت نوافذ المدارس لا تزال غير زجاجية. لكن المدارس بدأت من جديد، والحمد لله، أعيد التعليم إلى مكانه ويوماً بعد يوم ازدهر كل شيء.

في عام 1990، بعد أن استقر جميع أشقائي وشقيقاتي واتباع وصية والدي، تزوجت ولدي 3 أطفال. أصف تلك الأيام لأولادي وأقول إننا نضع رؤوسنا الآن براحة وننام. لم تشاهدوا الحرب و أحداث ما قبل الثورة. أصف ما كان عليه الوضع قبل الثورة. الآن لقد كبر إبني. ابنة لي متزوجة حديثاً. لدي ابنة أخرى تدرس التمريض، لكن في كل مرة تسنح لنا الفرصة، أي عدة مرات في الأسبوع، أخبرهم عن تلك السنوات وأدقق في الموقف. أقول لهم إنني أثناء الحرب عندما أنام كنت أتشهد قبل أن أنام حيث أتوقع سقوط سقف البيت علي رأسي أثناء النوم.

عندما أخبرهم عن أوضاع قبل الثورة يقولون يا أمي! أعني هل كان الأمر كذلك حقاً!؟ أقول نعم كان الفقر متفشياً في كل مكان. يقول الأبناء إنّ بعض الناس لا يزالون في وضع مالي غير جيد. أود أن أقول إننا إذا كنا في مستوى اقتصادي متدني، فلا يزال لدينا توقعات وتوقعاتنا عالية، لكن لم يكن لدينا حتى سجادة بطول 6 أمتار في منزلنا قبل أن تنتصر الثورة. لم يكن السجاد متطوراً كما هو الآن واستخدمنا السجاد الخشن. إبني يقول: "كيف يكون ذلك الأمر يا أمي؟!"  أقول، "نعم!"  كنا على حق، لكنهم لم يعطوه لنا وكان يخرج من البلاد. الآن إذا قال البعض أننا لا نمتلك شيئاً، فإنّ لديهم توقعات كبيرة في الحياة. كانت هناك أجهزة تلفزيون صغيرة جداً حينها. إذا أردنا شراء جهاز تلفزيون، فسنشتري واحداً من تلك الأجهزة الصغيرة، ولكن الآن إذا قال أحدهم إنه ليس لدي تلفزيون، فهو يريد جهاز تلفزيون ال سي دي كبير الحجم للغاية. الآن يقول الفرد الفقير مادياً أنني أريد شراء سيارة بينما لا نفكر حتى في شراء السيارة آنذاك.

لقد أخبرتهم بأشياء كثيرة منذ أن كانوا أطفالاً، لكن الآن بعد أن أصبحوا أكبر سناً، عليهم أن يتعرفوا على الأمور بأنفسهم. أو أخبرهم عن حرم السيدة زينب (سلام الله عليها) والشهداء الذين دافعوا عن الحرم، ما تقرأونه في الصحف أو تشاهدونه عبر الأفلام الوثائقية السورية على التلفزيون كان من المفترض أن يحدث في إيران، لكن نفس الشهداء لم يسمحوا بذلك. ودائماً أقول لأولادي أن نسأل الله ألا يأخذ بركتين من الجمهورية الإسلامية، إحداهما صحة وسلامة الشعب والثانية أمن الوطن. لقد ضحينا بالغالي والنفيس من أجل انتصار الثورة الإسلامية، ولم أرغب أبدا في تحديد مكان عملي وماذا فعلت بعد الثورة. خلال عملي في جهاد البناء، أخبرني الكثير من الناس أنك تقومين بكل هذا العمل، على الأقل احضري الاجتماعات، لكنني لم أسمح لنفسي بالحضور وأقول إنّ لدي ديناً يجب أن أعمل علي إنجازه. لأنه تم العمل الجاد لانتصار هذه الثورة واستشهد الكثير من الشباب لأجله.

نشكرك على إتاحة هذا الوقت لموقع تاريخ إيران الشفوي لإجراء هذه المقابلة.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 169



http://oral-history.ir/?page=post&id=9792