الانتفاضة الشعبانية كما رواه علي تحيري

مرئيات المراسلين الإيرانيين

اختارته: فائزة ساساني‌خواه
المترجم: السيد محسن الموسوي

2026-04-13


للعراق حدود مشتركة مع ست دول: إيران، والسعودية، وتركيا، وسوريا، والأردن، والكويت. أربع دول عربية ودولتان غير عربيتين، وفي ذلك الوقت، باستثناء الأردن، لم تكن علاقات الدول الأخرى جيدة مع الحكومة العراقية. في الوقت نفسه، ونظرًا لأن إيران وتركيا وسوريا كانت تستقبل أكبر عدد من اللاجئين العراقيين، إيران على وجه الخصوص، التي كانت تربطها علاقات دينية وعاطفية أقوى بالثوار وتعتبر قاعدة للمعارضة العراقية، لم تدخر جهداً في تغطية أخبار الانتفاضة والقمع الوحشي لشعب ذلك البلد. ويتضح هذا الادعاء من خلال التغطية الإعلامية الواسعة للأخبار المتعلقة بالانتفاضة في وسائل الإعلام الإيرانية؛ حيث تشير التقارير التي أعدها محمديا علي (المراسل) وقدير شين‌جو (المصور) من صحيفة كيهان، أو حسن خامه‌يار ، وهو مراسل مكلف من قبل صحيفة "جمهوري إسلامي" والذي ذهب إلى العراق مع عدد من المراسلين والمصورين الآخرين لوسائل الإعلام الإيرانية بهدف تغطية أخبار الحرب، والتي نُشرت في صحافة تلك الأيام، تشير إلي هذه التغطية للأخبار.

بعد عودتهم من العراق، قام بعض الصحفيين بإطلاع الجميع على أحداث ووقائع ذلك اليوم في العراق من خلال انعكاس وجهات النظر والحقائق المتعلقة بحرب قوات التحالف والقمع الواسع النطاق للحركة الشعبية من قبل جيش صدام، وعقد مؤتمرات صحفية وتنظيم معارض صور. قام هؤلاء الأشخاص، من خلال كتابة رحلاتهم، بنشر ذكرياتهم إلى جانب التقارير والمقابلات مع الناس، ولعلّ إحدى هذه الحالات كافية لإثبات هذا الادعاء. إضافةً إلى ذلك، بذلت وسائل الإعلام في سوريا وتركيا قصارى جهدها لإطلاع الجمهور من خلال تغطية القمع والظلم الذي كان يُمارس على العراقيين. فيما يلي ملخص لرواية مراسل صحيفة "جمهوري إسلامي"، والتي أُتيحت لنا، ونُشر تقريره المفصّل في الصحيفة المذكورة آنذاك:

"في محادثات أجريتُها مع بعض الناس، بعيدًا عن أعين مرشدي وزارة الإعلام التابعة لنظام البعث، أدركتُ بوضوح أنهم سئموا بشدة من مغامرات نظام صدام. في مدن بغداد، والكاظمية، والنجف، والكوفة، وسامراء، عندما علم الناس في الشوارع والأسواق بأننا مجموعة من المراسلين الإيرانيين، رحبوا بنا وأعربوا عن استيائهم من الوضع الراهن وأداء صدام، بعيدًا عن أعين العملاء العراقيين... في هذه المهمة، تلقينا معظم الأخبار والأحداث المتعلقة بالحرب وهزيمة الجيش العراقي في الكويت والانتفاضة الشعبية من مصادر شعبية. وخلال رحلتنا إلى مدينة النجف الأشرف عبر محافظة بابل، حيث مررنا بجزء من طريق بغداد-البصرة السريع، اصطفت شاحنات طويلة تحمل معدات عسكرية ومركبات لجنود عراقيين فروا من ساحة معركة الكويت على جانبي الطريق، وكأنها جيش مهزوم...

ذات مرة، قررتُ، دون الكشف عن هويتي ودون تنسيق مع عملاء وزارة الإعلام العراقية، أن أستقل سيارة أجرة من بغداد إلى كربلاء. ركب معي ثلاثة ضباط من الجيش... وكانوا يلعنون صدام طوال الطريق. قال أحدهم لزملائه: "ما هذا العمل الذي يقوم به هذا الرجل الملعون؟" (كان يقصد احتلال الكويت). ألم تكن سنوات الحرب الثماني مع إيران كافية له حتي يحتل الكويت هذه المرة؟ وقال ضابط آخر: "انتهى دور صدام بهذه الحرب، ولن يبقى في السلطة لبضعة أيام أخرى".

سأل سائق التاكسي الضابطين: "من برأيكما سيصل إلى السلطة؟" فأجاب أحدهما أنه من المرجح أن تُستبدل الملكية في العراق مجددًا، وأن يتولى سعد، نجل رئيس الوزراء السابق صالح جبر، الحكم. لكن الضابط الثاني رفض كلام رفيقه قائلًا: "لا أعتقد أن ذلك سيحدث. فبحسب الأخبار الواردة من جنوب العراق، فإن معظم الأهالي والقبائل يدعمون السيد باقر الحكيم. وقد انتفض الناس في جنوب وشمال العراق رافعين صور السيد الحكيم، وهاتفين بشعارات إسلامية."

تُظهر هذه التصريحات الصادرة أيضاً عن ضباط عسكريين، أن آية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، رغم بعده عن وطنه، كان شخصيةً معروفةً لدى مختلف شرائح الشعب العراقي، ويحظى بشعبية واسعة؛ وهذا ما كان عليه الحال. عندما سمع الأمريكيون شعارات ومطالب الشعب العراقي الذي انتفض، سمحوا لصدام بقمع الانتفاضة الشعبية العامة والوطنية بشدة، خشية أن يفلت مصير العراق من أيديهم، أو أن تُقام الجمهورية الإسلامية في العراق وتتحالف مع إيران. وبناءً على هذا الضوء الأخضر من الولايات المتحدة، قمع الحرس الرئاسي العراقي الشعب بوحشية باستخدام الأسلحة الثقيلة والمروحيات...

خلال هذه الرحلة، تساءل بعض المراسلين العرب، في حوارات مع مراسلين إيرانيين، عن سبب عدم دفاع إيران عن نفسها ضد الولايات المتحدة في الحرب العراقية الإيرانية، وعدم دخولها الحرب معها. كما تساءلوا عن سبب دعم إيران لآية الله الحكيم، لا سيما في ظل الغزو العسكري الأمريكي للعراق. رداً على هذه التساؤلات والاعتراضات، أوضحتُ أن النظام العراقي وقع ضحية خدعة أمريكية في احتلال الكويت، وأن الهجوم على الكويت كان فخاً نصبه الأمريكيون لنظام صدام. بعد أقل من أسبوع على تحرير الكويت، رفع نظام صدام الراية البيضاء في وجه الولايات المتحدة. وخلال الهجوم الأمريكي، دُمرت جميع مرافق المياه والكهرباء في العراق، ومعدات الاتصالات، ومباني الاتصالات، والجسور، والثكنات العسكرية. من أجل التواصل مع القادة العسكريين العراقيين الذين يتفاوضون مع القادة العسكريين الأمريكيين عند معبر صفوان الحدودي بالقرب من الكويت، كان على المسؤولين العراقيين في بغداد أن يأتوا إلى فندق الرشيد، حيث كان المراسلين الأجانب متمركزين، ليلاً ويسألوا عن نتائج المفاوضات عبر خط الهاتف الفضائي لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا). للوقوف على حقيقة ما يجري بينهم والقضايا التي يناقشانوها، حاولتُ التقرب إلي المسؤولين العراقيين، وكان أحدهم المندوب العراقي الدائم السابق لدى الأمم المتحدة. وبعد تلخيص المحادثات الهاتفية بين المسؤولين العراقيين والقادة العسكريين المتمركزين في صفوان، تأكدتُ من أن الأمريكيين أعطوا نظام حزب البعث الضوء الأخضر لقمع الانتفاضة الشعبية العراقية بشدة، وهذا ما حدث بالفعل.

في تلك الأيام، أينما حللنا، كان اسم آية الله السيد محمد باقر الحكيم وذكراه يتصدران. بعد أيام قليلة من الانتفاضة، طلب مسؤولو وزارة الإعلام العراقية من المراسلين الأجانب مغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن. وعندما سألنا أحد المرشدين عن السبب، قال لي: "الوضع غير مستقر للغاية، والحكومة العراقية لا تستطيع ضمان سلامتكم". قررتُ العودة إلى إيران بأسرع وقت ممكن... في طريق العودة، وعلى مشارف مدينة خانقين، كانت عدة دبابات متمركزة عند مدخل الشارع الرئيسي للمدينة وحول مبنى الحاكم العسكري. كما كانت مروحية تحلق في سماء المدينة، وكان الوضع فيها غير طبيعي. سألتُ ضابط أمن عما حدث وما يجري في المدينة، فأجابني بنبرة حادة: "ما لم يحدث بعد، انتظر بضع دقائق وسأريك". عندما دخلنا خانقين، بدت وكأنها مدينة أشباح. لم يكن هناك أي حركة في المدينة، ولم تكن شوارعها وساحاتها سوى جثث من ثاروا ضد نظام البعث في اليوم السابق. كانت جثث القتلى كثيرة لدرجة أنها جُمعت في شاحنات القمامة، وكانت أيديهم وأقدامهم معلقة من مؤخرة هذه الشاحنات. إن ضابط الأمن الذي أرانا هذه المشاهد المفجعة  كان يقول بأنّ آية الله السيد محمد باقر الحكيم هو المسؤول عن الانتفاضة الشعبية العراقية ضد النظام والحكومة.[1]

النص الفارسي

 

[1] - ميردار، مرتضي، مبارزه به روايت علي تحيري، المنقّح: شيما آشتياني، نشر ايران، 1402، ص270.



 
عدد الزوار: 12



http://oral-history.ir/?page=post&id=13192