ليلة الذكري الـ372 - 2

الإعداد: موقع تاريخ إيران الشفوي
المترجم: السيد محسن الموسوي

2026-04-13


في بداية شهر "مهر" من الشهور السنة الشمسية، وتزامناً مع أسبوع الدفاع المقدس، أُقيم برنامج ليلة الذكرى الـ372 في 25 سبتمبر 2025 في قاعة "سوره" التابعة لحوزه هنري. وخلال هذا البرنامج، قام كل من الحاج حسين صادقي سيروئي، والحاج حسن ناجي‌راد، والسيد مرتضى آذر هوشنغ ببيان ذكرياتهم. وعلى هامش هذا الحفل، تم الكشف عن كتاب "حسين غاردي" للمؤلف محمد هادي زرغري. و كان داوود صالحي مقدم هذه الليلة للذكري.

قام المقدم بتعريف الراوي الثاني قائلاً: وُلد الحاج حسن ناجي‌راد في مارس 1964 في مدينة بروجرد الدينية، وهي مدينة شكّلت أجواؤها الدينية والأسرية حياة العديد من المراهقين في ذلك الوقت. نشأ هو أيضاً في أسرة دينية، حيث كان أحد أعمامه رجل دين، مما أثّر بلا شك في تكوين رؤيته الدينية والثورية.

في السنوات التي سبقت ذروة الثورة، كانت بروجرد موطناً لرجال دين جاهروا بمعارضتهم الشديدة لنظام بهلوي. وكان من أبرز شخصيات تلك الفترة الحاج ديباجي، وهو رجل دين مكافح كان يقوم بإلقاء محاضرات ثورية في الليالي. في إحدى هذه الليالي، وبعد انتهاء المحاضرة، اندلع اشتباك عنيف بين الشعب وقوات الحكومة، واستشهد شخص واحد في ذلك الحادث.

نقلت هذه الحادثة ذلك المراهق الحساس واليافع آنذاك إلى مرحلة جديدة؛ حادثةٌ أشعلت شرارةً في ذهنه، وقادته نحو المشاركة الفعّالة في الحركات الثورية. وسرعان ما جعلته مشاركته في المسيرات والمظاهرات العامة والاحتفالات المختلفة مراهقًا ثوريًا. مع اندلاع الحرب المفروضة، ازدادت رغبة الراوي إلي الحضور في الجبهات، لكن لصغر سنه، مُنع من التجنيد، ومثل كثير من أقرانه، بدأ بتزوير بطاقة هويته. بعد فترة، هزّه نبأ استشهاد أحد أعمامه، فكان دافعًا أقوى له للذهاب إلى الجبهة. بهدف الاطلاع علي كيفية استشهاد عمه ولقاء أحد أقاربه العسكريين، اتجه جنوبًا وواصل رحلته ودخل منطقة العمليات. وفي أبريل 1982، وقع أسيرًا في إحدى المعارك، واستمر أسره لأكثر من ثماني سنوات حتى عاد إلى وطنه مع أول مجموعة مؤلفة من ألف رجل مُحرر. اليوم، هو متقاعد من حرس الثورة ، لكنه لا يزال يسلك طريق العمل الجهادي كالسابق، وينشط مع مجموعة من أصدقائه في المناطق المحرومة في سيستان وبلوشستان.

بدأ الراوي كلامه بتذكر الشهداء، معتقداً أن أسر المحررين هو جزء من سردية الدفاع المقدس التي تم تجاهلها لسنوات، في حين أن دورها في تبيين المقاومة لا يقل عن الاستشهاد والمعاقة. ثم قال: "كان دخولنا إلى الأسر مصحوباً بجهل تام. اقتيدنا إلى معسكر الموصل رقم واحد، وهو أحد أربعة معسكرات تقع بالقرب من مدينة الموصل. كل ما حاول العراقيون فعله هو إبقائنا في غفلة عن العالم. كان تمر حوالي ثلاثة أشهر من أسري، ويمضي شهر من تحرير خرمشهر تقريباً ، لكننا لم نكن نملك أي معلومات."

كان دخول المعسكر بحد ذاته له قصة. فقد اعتاد العراقيون على إنشاء "نفق رعب" عند وصول السجناء. كانوا يقفون على جانبيه ويضربون السجناء بكل ما تقع عليه أيديهم، كالأسلاك والعصي وأخماص البنادق والمجارف والمعاول وغيرها. كانوا يضربوننا بوحشية شديدة لدرجة أنهم عندما ينتهون، كانوا يقولون لبعضهم البعض: "تقبل الله!" وكان من بين الحراس واحد يُدعى "محمد"، كنا نلقبه "عكاس". كلما أراد هذا الرجل اللعين أن يصفعنا، كان يُهيئ وجه الأسير لبضع دقائق، ويشتت انتباهه، ثم يصفعه فجأة بيده الثقيلة.

وتابع الراوي: "في ظلّ ظروف الاختناق والجهل تلك، لم تكن الصحف العراقية التي أحضروها موثوقة أيضاً. وقد اختار العراقيون السيد جمشيد نريماني مسؤولاً عن السجناء ومنسقاً لهم. وكانوا يبحثون ببأس عن متسللين وجواسيس بيننا، وخاصة الشباب وصغار السن مثلي، للحصول على معلومات."

أثار هذا الأمر فكرةً في أذهاننا. شكلنا مجموعةً من عشرة أشخاص وطلبنا من السيد نريماني السماح لنا بالتطوع لتنظيف القسم الذي يحضر فيه العراقيون. كان هدفنا الحصول على معلومات. وفي أحد الأيام، عندما ذهبنا إلى قسمهم ومعنا دلو ومكنسة، تمكنتُ من دخول غرفة قائد المعسكر. كان هناك جهاز راديو ثنائي الموجات على مكتبه. كاد أن يغرينا أخذه على الفور، ولكن عندما أخبرنا السيد نريماني، اعترض بشدة وقال: "لا تفعلوا هذا، سيجلب هذا الأمر لنا كارثة".

بعد يومين، ذهبنا للتنظيف مرة أخرى. هذه المرة لم يكن الراديو في غرفة القائد. نظرت حولي فرأيت أنه نُقل إلى غرفة  راحة الجنود. كان "محمد عكاس" نفسه مستلقيًا على السرير يشاهد التلفاز، وكان الراديو موضوعا فوق التلفاز. خططنا. ثم أحضر صديق دلوًا من الماء، وفجأة سكبنا الماء على أرض الغرفة! نهض محمد غاضبًا وقال: "ماذا تفعلون؟" قلنا: "إنها متسخة، نريد تنظيف الأرض بالممسحة. اخرج من الغرفة لبضع دقائق." وبينما كان يخرج ويعود، أخذنا جهاز الراديو وأدخلناه إلى المخيم.

عندما رأى السيد نريماني جهاز الراديو، انتابه القلق من أن يأتي العراقيون ويفتشوا الجميع، لكننا، بصغر سننا ذلك، قلنا له ألا يقلق، فهم لن يجرؤوا علي هذا. وكما يقول القرآن الكريم: «وَ ما رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَ لكِنَّ اللهَ رَمي».

أخذنا جهاز الراديو إلى دورة المياه، وأزلنا بطارياته، ولففناه بالبلاستيك، وأدفناه في أرض المخيم. والغريب أن العراقيين لم يأتوا إلينا فحسب، بل لم يبحثوا عن الراديو.

بقي ذلك الراديو هناك حتى عيد الفطر عام ١٩٨٢. في ذلك اليوم، استخرجناه وتمكنا من تسجيل خطبة الإمام الخميني (رحمه الله)، وكتابتها، وبثها في المخيم. وبالطبع، للتغطية على الخبر الأصلي، بثثنا أيضاً سبعة أو ثمانية أخبار كاذبة، أو "أخباراً مزيفة" كما نسميها اليوم.

وتابع الراوي: "بعد فترة، أحضر العراقيون نحو 100 شخص ارتكبوا جرائم في إيران، مثل التفجيرات، إلى المخيم لتقديمهم كسجناء إلى الصليب الأحمر. وكان معهم جميعًا أجهزة راديو. وعندما علم العراقيون بذلك، جمعوهم جميعًا في مبيت، وألقوا بطانية علي الأرض، وقالوا: ضعوا جميع أجهزة الراديو الخاصة بكم هنا. خلال هذه الزيارات المكوكية، تواصلنا مع أحدهم من خلف النافذة. وسألته: "هل لديك راديو؟" فأشار إلى جهاز راديو صغير برتقالي اللون وقال: "هل تقصد هذا؟" قلت: "نعم، خبئه خلف حافة النافذة." قام بعض الأطفال بتهدئة الحارس وأخذنا الراديو. أصبح لدينا الآن جهازان.

لكتابة الأخبار، كنا نرسل أحد الرفاق  باسم حسين فتحي، إلى الحمام ومعه دلو من الماء ليتظاهر بأنه يستحم. كانت المياه في المخيم مقننة وعكرة للغاية، وكنا نواجه صعوبة بالغة في تنقيتها. في أحد الأيام، شكّ أحد الأشخاص الفضوليين في سبب ذهاب الشخص المذكور أعلاه إلى الحمام دون أن يخرج مبللاً، فنظر من فوق جدار الحمام. وفجأةً، أسقط صديقنا، الذي كان خائفاً أيضاً، دلو الماء، فسقط راديونا البرتقالي في الماء واحترق مكبر الصوت.

بقينا بلا مكبرات صوت لفترة من الوقت حتى قام السيد "قدرت حزابه" بعمل رائع. عندما دخلت شاحنة الطعام العراقية إلى المخيم، نزل السائق، وتسلق "قدرت" من الباب الآخر، والتقط جهاز الراديو من لوحة القيادة، واختفى بين الحشد. لم يجرؤ السائق العراقي على الإبلاغ خوفاً. كان جهاز الراديو الثالث معطلا، لكن مكبر صوته كان سليماً. أنا كنتُ على دراية بسيطة من الأعمال الهندسية، وفتحتُ مكبر الصوت وركّبته على جهاز الراديو البرتقالي الذي سقط في الماء، واستعدنا جهاز الراديو.

وتابع الراوي: الآن كان علينا إخفاء هذه الأشياء. كان العراقيون يعلمون أن جهاز الراديو موجود داخل المخيم، وعندما كانوا يفتشونه، كانوا يجعلون حياتنا بائسة. كانوا يخلطون السكر والملح والحليب المجفف معًا بحيث يصبح غير صالح للاستخدام. في المخيم بأكمله الذي يضم ألفي شخص، ربما لم يكن يعلم سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص بمن يحمل جهاز اللاسلكي. كنت أرتدي قميصًا فضفاضًا، وكان لديّ جيبان سريان مخيطان تحت إبطي. وكنت أضع أجهزة الراديو هناك. كنت نحيفًا جدًا، ولم يشك أحد فيّ.

في أحد الأيام، بينما كنتُ ذاهباً من مبيتنا (المبيت رقم 6) إلى المبيت رقم 1 لزيارة أصدقائي، اقتحم العراقيون المكان فجأةً بوحشية. سبعة أو ثمانية جنود برفقة مسؤول ضخم يُدعى "مقداد". صاحوا: لا تتحرّكوا!، ثم أمروا الجميع بالنهوض والذهاب نحو الباب. عند الباب، كان يقف عدد من الجنود الآخرين لإجراء تفتيش جسدي.

أنا نهضتُ وبيديّ جهازان لاسلكيان، كانا في الأسر بمثابة قنابل نووية. وبينما كنتُ أسير نحو الباب، بدأتُ أتلو الآية: "وَجَعَلْنَا من بَيْنهم سدا و  من خلفهم سدا ..." ولما اقتربتُ من الباب، رآني مقداد. كان يعلم أنني من المبيت رقم 6. فسألني: "ماذا تفعل هنا؟" فأجبته: "جئتُ لزيارة صديقي".

جاء دوري للتفتيش. كنت في حالة اضطراب، لكن مقداد التفت فجأة إلى جنوده وقال: "أتركوه يخرج، ولا تقوموا بتفتيشه!"

صدقوني، لم يكن هذا إلا من فضل الله. طوال فترة أسري، كنتُ مسؤولاً عن زرع مواد محرمة، من صور الإمام الخميني وقائد الثورة والشهيد بهشتي حتي المنشورات الخاصة بعشرة الفجر التي كنا نُعدّها بأقلام وأوراق محرمة. في يوم أسري، لم أكن أملك شيئًا، ولكن بنهاية أسري، وبفضل الله، تمكنت من جمع مئتي قلم، وكمية كبيرة من الورق، وجهازي راديو، وصور للشخصيات. لو انكشف أي منها، لكانت المخيمات كلها في حالة اضطراب، ولكن الله كان دائمًا عونًا لنا.

يتبع...

النص الفارسي



 
عدد الزوار: 112



http://oral-history.ir/?page=post&id=13187