الرواية الشفهية: نافذة حية على الخطاب الثقافي
فاضل شيرزاد
المترجم: السيد محسن الموسوي
2026-02-09
الرواية الشفهية هي رواية مباشرة لحياة الأفراد ونافذة فريدة على عالم التجربة الإنسانية. كل رواية، بالإضافة إلى سرد قصة الحياة الشخصية للفرد، يحمل قيم ومعتقدات ومعايير وحتى صراعات ثقافية للمجتمع.[1]
يستطيع الباحثون الاجتماعيون والثقافيون الاستفادة من خصائص الروايات الشفوية لتقديم صورة ملموسة وواضحة لما يعتقده الناس ويفكرون فيه ويشعرون به. على عكس المصادر المكتوبة الرسمية، التي غالباً ما تكون خالية من الروح وجافة، تُعدّ الروايات الشفوية نسيجاً متداخلاً من الأفكار والمشاعر وتجارب الحياة، ولديها القدرة على عكس الثقافة العامة والخطاب السائد في المجتمع بشكل عميق.[2]
تُظهر الأبحاث أن تحليل الخطاب الثقافي، بمساعدة الروايات الشفوية، يبني جسراً بين التجربة الفردية والبنية الاجتماعية.[3] ويُقال إنه عندما يتحدث شخص ما عن أيام تعليمه أو هجرته أو حتى الأزمات الجماعية، فإننا نتعرف على حياته وظروف ذلك الوقت ومشاعره، وفي الوقت نفسه، تُفتح نافذة على القيم والمعايير المتأصلة في السياق الثقافي للمجتمع. هذه السمة تجعل الروايات الشفوية ليست مجرد مصدر لتسجيل التاريخ الاجتماعي فحسب، بل هي أيضًا أداة للتعرف على الثقافة وتحليلها في سياق الزمن.[4]
من أبرز سمات الروايات الشفوية بُعدها الإنساني. ففيها تتجلى بوضوح مشاعر الخوف والشك والأمل والحزن والفرح. وعند سماع هذه الذكريات أو قراءتها، يتعرف الباحث على الحياة الواقعية للأفراد، ويكتسب فهمًا أعمق لردود الفعل والسلوكيات الثقافية للمجتمع. هذا الجانب الإنساني هو ما يميز الذكريات الشفوية عن الوثائق الرسمية والتقارير والكتب التاريخية.
لكن على الرغم من أهمية البُعد الإنساني لهذه الروايات، فإن تحليلها العلمي يتطلب التزامًا دقيقًا بمنهجيات البحث واعتباراته، وبالطبع، فإن جمع هذه المصادر وتحليلها ليس بالأمر الهين. وللاستفادة المثلى من الروايات الشفوية، يجب على الباحث أن يتعامل معها بعناية وحساسية. يعد اختيار العينات، وطرح الأسئلة المفتوحة، وإجراء المقابلات المنظمة، وتسجيل المحادثات بدقة، ونسخها وإعادة كتابتها مراحل حاسمة في هذا البحث.[5] يتطلب تحليل البيانات أيضاً الدقة والمنهجية العلمية؛ فالكلمات الرئيسية، وتحديد الأنماط المتكررة، والرموز الثقافية، ودراسة كيفية تمثيل القيم والمعايير في الروايات، كلها أجزاء مهمة من تحليل الخطاب الثقافي.[6] وبالطبع، فإن مراعاة الاعتبارات الأخلاقية، بما في ذلك الحصول على الموافقة المستنيرة، والحفاظ على السرية، وإجراء تحليل محايد، هي أيضاً جزء لا يتجزأ من هذه العملية، وبدونها لا يمكن تحقيق نتائج صحيحة.[7]
يمكن رؤية مثال واضح على أهمية الروايات الشفوية والذكريات في دراسة تأثير الحرب على الحياة اليومية للناس.في هذه الدراسات، لا تعبر ذكريات الأفراد عن الأحداث التاريخية فحسب، بل تُظهر أيضًا كيف واجه المجتمع الأزمة، وما هي القيم والمعايير التي تم تعزيزها خلال تلك الفترة، وما هو الخطاب السائد الذي تم تشكيله؛ وهو خطاب يمكن أن يشمل في آن واحد المقاومة والتضحية والشوق والأمل. تُمكّن هذه التجربة الإنسانية المعاشة الباحثين من تجاوز الأحداث السطحية والتعمق أكثر في ثقافة المجتمع ونفسيته الجماعية.
لا تعكس الروايات الشفوية أحداثًا محددة فحسب، بل تعكس أيضًا العمليات التطورية للثقافة. فعندما يدرس الباحثون ذكريات أفراد من أجيال وجماعات مختلفة، يمكنهم ملاحظة التغيرات في المواقف والقيم والمعايير الاجتماعية، ورسم مسار التطور الثقافي للمجتمع. فعلى سبيل المثال، غالباً ما تظهر المواقف المتعلقة بالأسرة، ودور المرأة، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية، وحتى السلوك الاقتصادي، ضمن الروايات الشخصية، مما يوفر صورة أوضح عن الثقافة الحقيقية للمجتمع. ومن الجدير بالذكر أن التقاليد الشفوية ليست الوسيلة الوحيدة لتوثيق الماضي. تُشكّل هذه الروايات مرآةً تعكس صورة المجتمع عن نفسه، ومن خلالها يُمكن فهم الخطاب الثقافي السائد فيه. وتُمكّن هذه المصادر الباحثين من تجاوز مستوى الأحداث والوصول إلى معاني حياة الناس، ومواقفهم، وقيمهم، ومشاعرهم. لذلك، فإن تحليل الذكريات الشفوية مهم ليس فقط لعلم التاريخ، ولكن أيضًا للدراسات الثقافية والاجتماعية والنفسية.[8]
تُظهر النتائج أن التقاليد الشفوية تُذكّرنا أيضاً بأن التاريخ والثقافة لا يقتصران على الكتب والوثائق الرسمية، بل يستمران في كلمات الناس، وفي تجاربهم اليومية، وفي رواياتهم الشخصية.كل ذكرى نافذة على الماضي وبوابة لفهم الخطاب الثقافي للمجتمع. إن الاستخدام السليم والعلمي لهذه المصادر، إلى جانب التحليل الدقيق والمنظور الإنساني، يساعد الباحثين على اكتشاف القيم والمعتقدات الثقافية، ويقدم صورة حية وإنسانية وديناميكية للتاريخ والثقافة.
[1] - Clary-Lemon, J. (2010). Oral histories and the discursive construction of immigrant identities. SAGE Research Methods. Retrieved from: https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0957926509345066
[2] - Macgilchrist, F. (2021). When discourse analysts tell stories: What do they tell us? Discourse Studies. Retrieved from: https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/17405904.2020.1802767.
[3]- Reynolds, B. M. (2024). What's so critical about critical oral history? The Oral History Review. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/00940798.2024.2310467.
[4] - توكلي، ف. (1394). روششناسي تحليل مكالمه، تحليل كفتمان و اعتباريابي در تاريخ شفاهي. نشريه تاريخ شفاهي، 1(بهار و تابستان)، 39. الاسترجاع من : https://www.magiran.com
[5] - Yow, Valerie .Raleigh. (2015). Recording oral history: A guide for the humanities and social sciences (3rd ed.). Rowman & Littlefield.
[6] - Gee, J. P. (2014). An introduction to discourse analysis: Theory and method (4th ed.). Routledge.
[7] - Creswell, J. W., & Poth, C. N. (2018). Qualitative inquiry and research design: Choosing among five approaches (4th ed.). Sage.
[8] - شاد¬منامن، م. (1403). بررسي عوامل تحريف در خاطرات شفاهي. تاريخنكاري دانشكاه تبريز. الاسترجاع من : https://journals.tabrizu.ac.ir
عدد الزوار: 7
http://oral-history.ir/?page=post&id=13061
