مقطع من مذكّرات مرضية حديدچي (الدباغ) -2

المترجم: مقدام باقر

2023-12-24


حان وقت الذهاب إلى قصر كرملين. نهضنا من الطاولة. أعلن مدير التشريفات البرنامج. كان بودّهم أن يفرّونا على الأماكن السياحية في موسكو. ولكن قال الإخوة لا نذهب إلى مكان غير قصر كرملين.

بذلك قد وصّانا السيد الإمام عن طريق ابنه السيد أحمد؛ أنه: «أراد الإمام أن لا تذهبوا إلى أي مكان سوى إلى قصر كرملين لتبلغوا الرسالة إلى غورباتشوف. وقال إذا أردتم أن تتسوّقوا أو تأخذوا جولة في الأماكن السياحيّة فأجّلوها إلى فرصة وسفرة أخرى!»

برأيي لقد أراد الإمام أن يتبلور الهدف الرئيس وأهمّيته من هذه السفرة بوضوح وأن تختلف عن السفرات الدبلوماسية لدى سائر البلدان.

تأمل مدير التشريفات قليلًا ثم قال: «لا بدّ أن تزوروا قبر لينين وتقدّموا الاحترام له! هذه الفقرة من قوانين بلدنا ونرجو أن تحترموها!»

وافق سماحة آية الله جوادي آملي على ذلك. فركبنا السيّارات نفسها التي نقلونا بها منذ الأول. كان الجو باردًا والثلج قد غطّى سطح الأرض. ولكن الشوارع كانت خالية من الثليج ويتصاعد منها البخار. سألت المترجم عن سبب هذه الظاهرة، فسأل السائق.

أجاب السائق: قد امتدّت تحت الشوارع أنابيب من الماء الحار، وإنما تُوَفّر حرارتها من حرق النفايات. فمع هذه الحرارة لا حاجة إلى جرّافات الثليج بعد، وعلى الرغم من الثلج والبرد القارس هنا، تتنقّل السيّارات بسهولة.

راقت لي هذه الفكرة. أخذت أتفرّج على الناس. كانت لا تزال الشوارع فارغة ولا يمشي على الرصيف إلا القليل. وكان كلّهم مرتديًا قبعات وألبسة دافئة ويخرج البخار من فمهم.     

وأخيرًا وصلنا إلى قبر لينين، المنظّر للحزب الشيوعي؛ الذي شيّد أفكاره على أساس أفضلية طبقة العمّال!

بعد ما نزلت من السيّارة، لفتت أنظاري عجوزة كانت تجرف الثلج من الرصيف وتجمعه في عربتها ثم تكبّه أبعد أمتارًا. أشفقت عليها. سألت المترجم لماذا تعمل هذه العجوزة؟! ألا تعطيها الحكومة راتبًا لكي تبقى في بيتها ولا تضطر إلى مقاساة العمل في هذا البرد؟!

أجاب المترجم: «إنما تكافؤها الحكومة على عملها هذا! فإن راتب التقاعد لا يكفي مصارفهم! ولذلك فإنهم يعملون إلى متى ما قدروا على العمل!»

تأثرت عاطفيّا على تلك العجوزة. كان علينا أن نمشي قليلًا إلى قبر لينين. كنت أفكر أن زيّنا الغريب على أبناء هذا البلد سوف يلفت أنظارهم إلينا ويستثير فضولهم ومن ثم سيحيطون بنا تلبية لفضولهم وحبًّا للاستطلاع كما هو المعتاد في بلدنا. أما المارّون بنا كانوا يلقون علينا نظرة لا أكثر ثم يستمرّون بالذهاب.

قلت: «يبدو أن سلوكهم غير متعارف!»

فهزّ المترجم رأسه وقال: «يخافون! هؤلاء أيضًا شأنهم كباقي الناس يعتريهم الفضول وبودّهم أن يعرفوا من أين أتيتم؟! ولكن بسبب الاختناق الموجود لا يورّطوا أنفسهم!» كانت مقبرة لينين بناية كبيرة واجهتها مغلّفة بالطوب البرتقالي والمرمر الأسود. ارتقينا السلالم السوداء واللامعة ودخلنا البناية. وقفنا بجانب حجر قبره الأسود وصمتنا دقيقة وفق أعرافهم! إذ من المضحك أن نقرأ الفاتحة لمن أنكر وجود الله!

ثم ذهبنا مباشرة إلى قصر كرملين. وهو بناء عظيم جدّا محاط بجدران عالية. في بوّابته كان درج من مرمر، وواجهة القصر تبدو بيضاء. استقبلنا الحرّاس والحماية باحترام وهدونا إلى داخل البناية. في البداية خطر ببالي أن لماذا لم يفتّشوا حقائبنا، ولا سيّما الحقيبة الكبيرة على كتفي والتي كانت ظاهرة من تحت العباءة.

ولكني عرفت الجواب من خلال الأنظار التي كنت أتحسّسها في غرفتي. أعتقد أنهم يعرفون جيّدًا ما في حقيبتي وما عند رفقائي في السفر. في داخل ساحة القصر بناية هي خاصة بقائد الحزب السوفيتي، فذهبنا إليها.

قادونا أنا مع الشيخ جوادي آملي والسيد لاريجاني إلى قاعة طولها حوالي عشرين مترًا. ثم دخل جمع من المراسلين وأخذوا يصوّرونا ويلتقطون الصور. أخرجوهم جميعًا ثم أبقوا عددًا من المراسلين الذين كانوا قد عيّنوهم مسبقًا. وكذلك منع من الدخول باقي مرافقينا ومنهم السفير.

كانت في القاعة طاولة بيضوية حولها خمسة كراسيّ. كانت ثلاثة كراسي في جانب وكرسيّان في جانب آخر. وما كان على الطاولة سوى بضعة أوراق بيض وأقلام. كانت تبعد عن هذه الطاولة طاولة أخرى بأمتار يبدو أنها طاولة عمل غورباتشوف. قام السيد غورباتشوف من خلف طاولته وتقرّب منّا. صافح الشيخ جوادي آملي والسيد لاريجاني، ثم مدّ يده إليّ.

سحبت يدي إلى الوراء. اكفهرّ وجهه وتمتم في نفسه. أظن أنّه انزعج كثيرًا من عدم مصافحتي إياه وأنا استغربت من أنه لماذا لم يبلّغ كيف يتصرّف مع المرأة المسلمة!

دخل مترجم مع غورباتشوف. لم يكن للمترجم كرسي. جاءوا بكرسيّ من خارج القاعة فجلس عليها وأصبحنا ستّة. قال السيد لاريجاني للمترجم ليسمحوا بحضور السفير الإيراني أيضا. فامتنعوا في البداية وقالوا: «لقد قلتم نحن ثلاثة!»

لقد استغربت من هذا التصعّب!

وأخيرًا وبأمر غورباتشوف، جاءوا بكرسيّ آخر فدخل السفير وجلس عليه. بعد تقديمات مختصرة، طالب غورباتشوف السفير أن يعرّفنا فقام السفير بذلك. قال السفير عني: إنها إحدى القادة العسكريين في إيران، لها سوابق جهادية وهي من فريق حماية الإمام.

كان غورباتشوف يستمع ويهزّ رأسه. ثم قال: يبدو أن السيد الخميني أرسل إليّ رسالة! فإن أمكن هاتوني إيّاها لأطّلع عليها.

فقال السيد لاريجاني للمترجم: قله له، نحن نقرأها عليه!

هذا ما أراده الإمام نفسه، بأن تُقرأ الرسالة على غورباتشوف قراءةً، ولا تسلّم إليه فحسب!

فقلّص كتفيه وهزّ رأسه تأييدًا.

ففتح سماحة آية الله جوادي الرسالةَ وبدأ بقراءتها:

«بسم الله الرحمن الرحيم

فخامة السيد غورباتشوف، رئيس هيئة رئاسة الاتحاد السوفييتي

مع الأمل بالسعادة لكم وللشعب السوفييتي..»

كان سماحته يقرأ الرسالة والسيد لاريجاني يترجمها إلى الإنجليزية، ثم يترجمها المترجم إلى الروسية. تأملت في وجه غورباتشوف. رأيته بُهِت في عدّة مقاطع من الرسالة واحمرّ وجهُه. وفي عدّة مرّات كتب كلمات على الورقة التي كانت أمامه ورسم خطّا حول إحدى الكلمات.

حينما انتهت الرسالة، توجّهت كل الأنظار إلى غورباتشوف. فقال: «أوهل فيها مطلب آخر؟!»

فقال السيد لاريجاني: كلا!

فساد السكوت لحظةً.

استهلّ كلامه بالشكر ثم قال: «خطر ببالي بضعة أسئلة! لقد دعانا السيد الخميني إلى الإسلام وطالبنا بأن نسلم! أفهل بإمكاننا أن ندعوه إلى الشيوعيّة؟!»

فابتسم الشيخ جوادي آملي وقال: «مجرّد الطلب ليس بشيء! الكلام في القبول! لقد طالبكم الإمام بأن تكملوا خطوتكم الأولى إلى نهاية المطاف!»[1]

قال غورباتشوف: لقد تدخّل السيد الخميني في شؤوننا الداخليّة أيضا!

فقال الشيخ جوادي آملي: كلا! إن رسالة الإمام رسالة توحيديّة! إنها كلام القرءان وكلام الإنجيل والتورات وهو أنه إذا سمعتم واعية مظلوم في العالم ولزمتم الصمت فقد ظلمتموه! لأن الناس عيال الله! وإنما طرح الإمام الخميني قضيّة مكافحة الظلم! فلم يُذكَر شيء من مياه البلد وأرضه.

ثم استطرد قائلا: من هنا إلى علا السماوات السبع وإلى أعماق الأرضين السبع كلّه في نطاق أرض بلدكم. ولكن النّاس فليسوا بشيء من الأرض والتراب! لقد خلقت السماوات والأرض من أجل رفاه الناس! والإسلام قد أمرنا بأن ندافع عن المظلومين!

احمرّ وجه غورباتشوف وما كان بإمكانه إخفاء ما تغيّر من وجهه إثر جواب آية الله جوادي آملي، ولكن ما كان عنده جواب ولم يقل شيء.

تمالك نفسه ثم سأل: وما السبب ممّا قاله حول إرسال العلماء إلى قم؟!

فأجاب الشيخ جوادي: من أجل التعرّف على العلماء والعرفاء الإيرانيّين من قبيل محي الدين ابن العربي وملا صدرا وشيخ الإشراق وباقي العلماء المعاصرين الذين يعيشون في إيران! فليأت علماؤكم ومفكروكم ليخوضوا بحثًا ونقاشًا في الآيديولوجية وقضايا أخرى.

فهزّ غورباتشوف رأسه وتشكّر ولم يقل شيئا بعد.

حان وقت الذهاب. نهضنا لنخرج من الباب فصافح غورباتشوف الجميع ثم انحنى ومدّ يديه إليّ أيضا. تحيّرت وما كنت أدري ماذا أفعل. ما كانت فرصة لأسأل الشيخ جوادي عن طريق حل أو مهرب. فأدخلت يدي تحت عباءتي.

فشزر الشيخ جوادي آملي إليه. فقال غورباتشوف وكان قد شعر بتلك الشزرة: ما كنت أريد أن أصافحها، وإنما أردت أن أمدّ يدي الخالية من السلاح إليكِ يا أمّ الثورة لتعرفي أننا لسنا بصدد التعدّي أو الطعن بجارتنا إيران.

فهزّ آية الله جوادي آملي رأسه وأفهمه بأننا عرفنا خطأتك!

خرجنا من قصر كرملين وانطلقنا مباشرة إلى المطار. كان قد حان وقت أذان الظهر. فرش الإخوةُ بساطًا ثم صلّوا الظهر والعصر بإمامة آية الله الشيخ جوادي آملي.

لم يسعني البساط. فنأيت بنفسي إلى زاوية بجنب الجدار وصلّيت. كان قد وقف عدد كبير من عمّال وموظّفي المطار ويتفرّجون علينا متعجّبين. كأن في طول عمرهم لم يروا صلاةً ولا سيّما جماعةً!

حينما ركبنا السيّارة وخرجت الطائرة من المدرج، تنفّسنا الصعداء. كأن عبءا ثقيلًا رفع من عاتقنا. كنّا فرحين بأن تكليفنا قد أنجز جيّدًا وكنّا نشكر الله. قمنا في الطائرة بتحليل ومناقشة الحدث عبر دراسة انطباعات وردود فعل غورباتشوف. وخرجنا بنتجية أن الرسالة تركت وقعها على غورباتشوف إذ لم يكن قد تنبّأ مضمونها. بعد يوم من الرجوع، دعا الإمام أعضاء الوفد ليزوروه.

فوصلنا بخدمة الإمام في جماران. كانت رؤية وجهه النوراني والقاطع مسكّنة للفؤاد. كان قد جلس على قنفته في الغرفة ونحن أمامه.

قدّم سماحة الشيخ جوادي آملي والسيد لاريجاني شرحًا عن السفر وحكيا للإمام ما جرى فيه.

ثم سأل الإمام: من الذي كان منتبهًا على حركات غورباتشوف؟!

أجبت: أنا يا سيد! كان الشيخ جوادي آملي يقرأ الرسالة، وكان السيد لاريجاني يترجمها إلى الإنجليزية، وكان السفير يشرف على صحّة ترجمة المترجم الروسي ويكتب رؤوس أقلام! أما أنا فكنت أكثرهم فراغًا فكنت قد سلّطت أنظاري على غورباتشوف!

فقال: وما كان ردّ فعله؟!

قلت: قد احمرّ وجهه في عدّة مقاطع من الرسالة. أحدها عندما قلتم أرسلوا خبراءكم إلى قم، والأخرى عندما قلتم: نحن نرى أنفسنا شركاء في مصير مسلمي العالم.

فهزّ الإمام رأسه ورأيت ملامح الشعور بالرضا من وجهه.

ذهب التعب منّي. ويبدو أن هذا الشعور نفسه قد اعترى باقي أعضاء الوفد. كنت أشعر بأني حصلت على درجة القبول من سيدي وإمامي مرّة أخرى.[2]    

النص الفارسي

 

[1] لقد قام ميخائيل غورباتشوف في زمن قيادته على الاتحاد السوفييتي بإصلاحات كانت من أهمّها منح الحرّية النسبية للشعب. فإنه قد ألغى كثيرًا من القيود على الصحف والمنشورات وأطلق سراح كثيرًا من السجناء السياسيّين.

[2] المصدر، اسكندري، مونا، زني از تبار الوند (امرأة من سلالة ألوند) مرضيه حديدجي (دباغ)، دار چنار للنشر، الطبعة الأولى، 1391ه.ش. ص134.



 
عدد الزوار: 503



http://oral-history.ir/?page=post&id=11633