الراوي البختياري لمدرسة ميناب
من الموكب الجوال إلى شهرٍ من التضامن
محمد مهدي عبداللهزاده
المُتَرجَم آلياً، التنقيح: السيد محسن الموسوي
2026-8-9
قال قائدنا الشهيد:«أنتم الذين ينبغي أن ترووا حقائق مجتمعكم وبلدكم وثورتكم. فإن لم ترووا أنتم، روى العدو. وإن لم ترووا الثورة، روى العدو. وإن لم ترووا أحداث الدفاع المقدس، روى العدو، وفسّرها كما يشاء، وكذب كذباً يناقض الحقيقة تماماً، فيجعل الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً».[1]
تُعدُّ صناعة الرواية إحدى أبرز تجليات الحرب الناعمة، ومن يسبق إلى رواية الأحداث يكون أوفر حظاً في الانتصار في هذا الميدان. وهذا الفن يحتاج إلى المعرفة والإبداع والأدوات المناسبة، وقبل كل شيء إلى دافعٍ قوي. وما يقرؤه القارئ في الصفحات التالية هو حصيلة مقابلة استمرت ساعةً كاملة مع شاب بختياري مفعم بالحماس، أصبح راوي مأساة مدرسة «شجرة ميناب». ومن خلال هذا التقرير تتجلّى بوضوح روح التضامن الوطني بين مختلف المكوّنات الثقافية في إيران.
ولد محمد چهارلنگ عام 1367 هـ.ش في مدينة رامهرمز، وأمضى المرحلة الابتدائية في زاهدان، ثم أكمل المرحلة المتوسطة والدراسة المهنية في الأهواز. وخدم الخدمة العسكرية خلال عامي 1387 و1388 هـ.ش في دزفول وأصفهان.

وبعد انتهاء خدمته العسكرية افتتح ورشةً لإصلاح السيارات العاملة بالبنزين عند مدخل مدينة «شهرك رزمندگان» في الأهواز. وقد أسهمت مهارته في العمل وأمانته في التعامل مع الزبائن في ازدهار عمله، حتى إنه لم يخلُ متجره يوماً من متدرّبٍ واحد على الأقل.
كان والده، غلام علي، متقاعدًا من شركة الفولاذ، ويحمل شهادة الدكتوراه. وهو من أفراد التعبئة (البسيج) الملتزمين، ويواظب على حضور صلاة الجمعة والمناسبات الدينية والسياسية في مدينة الأهواز. ويُشكّل أبناء قومية اللُّور نسبةً ملحوظة من سكان الأهواز، ومن بينهم أسرة چهارلنگ. كما يُعدّ غلام علي من وجهاء المنطقة وعضوًا في مجلس الصلح بمحافظة خوزستان، وله دور فاعل في تسوية النزاعات والخلافات المحلية.
وفي عام 1400 هـ.ش اشترى محمد سيارة فولكس فاغن فان ليستخدمها في المناسبات الدينية، مثل تاسوعاء وعاشوراء، موكبًا متنقلًا لخدمة الزائرين. وكان موضع هذا الموكب ــ الذي يقدّم في الغالب المشروبات للوافدين ــ مقابل مرقد علي بن مهزيار في الأهواز.
ويهتم محمد بتاريخ قوم اللُّور، ويحمل في نفسه ألمًا عميقًا لما تعرّض له هذا الشعب من ظلم في عهد الأسرة البهلوية؛ ولذلك يحرص أيضًا على رواية سيرة بي بي مريم وعلي مردان خان ونضالهما.
وتزوّج محمد من السيدة مينا موسوي، ورُزق بابنٍ يبلغ من العمر عشر سنوات يُدعى أبو الفضل.
مع الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في 23 خرداد 1404 هـ.ش، واندلاع الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا، ازداد حضور محمد في قواعد التعبئة الشعبية، وإن كانت حياته لا تزال تسير على وتيرتها المعتادة. غير أنّه مع بداية أحداث الاضطرابات في دي 1404 هـ.ش، فقد رغبته في مواصلة عمله الجاد في ورشته، وأخذ يشعر بأن واجبه الحقيقي أصبح في مكان آخر، ومع ذلك ظل يفتح متجره من غير حماس.
وفي يوم 9 اسفند 1404 هـ.ش، الموافق للعاشر من شهر رمضان، وما إن انتشر خبر العدوان الجديد للعدو، حتى لم يعد قادرًا على الذهاب إلى عمله من شدة الحزن، وزادت أخبار عمليات الاغتيال من قلقه واضطرابه.
ظلّ مستيقظًا حتى قبيل السحور في ليلة العاشر من رمضان، ثم نام بعد تناول السحور. وبينما كان غارقًا في نومٍ عميق، أيقظه أخوه حسين وهو يهزّ كتفه باكيًا ويقول باللهجة البختيارية: «مَمَد، انهض... لقد استهدفوا القائد!»
نهض محمد مذعورًا وهو في حالة صدمة، وقال في البداية متأثرًا: «لا تُصغوا إلى هذه الشائعات!». غير أن دموع والدته سهيلا بهمني، ولطمات أخيه حسين على رأسه ووجهه، ثم إعلان التلفزيون الرسمي، أكدت جميعها صحة الخبر.
عندها انفجر محمد بالبكاء والنحيب، وشارك أفراد أسرته حزنهم العميق على هذا المصاب الجلل.
بعد استشهاد القائد، كان محمد ووالده يتناوبان على الخدمة في نقاط التفتيش مرتديين الزيَّ البختياري المحلي. كما كانت شقيقته ترافق والدته، التي أصبحت تعاني من صعوبة في الحركة، للمشاركة المستمرة في التجمعات الشعبية.

غير أنّ أكثر ما آلمه بعد فاجعة استشهاد القائد، كان نبأ العدوان الذي استهدف مدرسة «الشجرة الطيبة» الابتدائية في ميناب. فقد أسفر هذا الهجوم عن استشهاد 156 شخصًا، بينهم 120 تلميذًا.
وبعد يومين أو ثلاثة من التفكير، توصّل محمد إلى قناعة بأنه لا بد أن يقوم بشيء من أجل هؤلاء الشهداء الأبرياء. فخطرت له فكرة تحويل سيارته إلى موكب ثقافي متنقل، وذلك بتزيين جوانبها الأربع بصور الشهداء، لتبقى ذكراهم حيّة أمام أنظار الناس أينما حلّ وارتحل.
قام محمد بجمع صور الشهداء، وأنفق عدة ملايين من التومانات لإعدادها وتهيئتها لتثبيتها على سيارته من نوع فولكس فاغن فان. وفي 17 اسفند 1404 هـ.ش، تعاون مع والدته وأفراد أسرته في تثبيت الصور على جوانب السيارة، كما ألصق أسفل كل صورة أوراقًا بيضاء ليكتب الزائرون عليها كلماتهم ورسائلهم.
ومنذ 18 اسفند، بدأ محمد يشارك بهذا الموكب الثقافي المتنقل في التجمعات الشعبية بمدينة الأهواز. وخلال فترة وجيزة، حضر في خمسة عشر تجمعًا مختلفًا داخل المدينة، وكان استقبال الناس، واهتمام الصحفيين، وتغطية هيئة الإذاعة والتلفزيون في محافظة خوزستان، عوامل زادت من يقينه بأنه يسير في الطريق الصحيح.
وبعد أيام قليلة، انضم إليه شخصان آخران، أحدهما مرتديًا الزي العربي التقليدي (الدشداشة) والآخر بالزي البختياري. ثم توجهوا إلى المدن المجاورة، مثل سوسنگرد وحميدية وشادگان، حيث كان المشهد نفسه يتكرر؛ إذ كان الناس يقفون أمام صور الشهداء، يتأملونها، ويكتبون كلماتهم في الأوراق المخصصة لذلك. كما بادر عدد من المحسنين إلى تقديم مساعدات مالية دعمًا لهذا العمل الخيري.
وفي يومي 14 و15 فروردين، شارك محمد مع والده وعدد من مرافقيه، وهم يرتدون الزي البختياري، في مراسم تشييع ودفن اللواء الشهيد تنكسيري في مدينة آبادان. وكلما ازداد إقبال الناس على موكبه، ازداد شعوره بالمسؤولية، حتى اتخذ قراره بالسفر إلى ميناب، ليزور أسر الشهداء بنفسه ويواسيهم.
وانطلق إلى محافظة هرمزغان برفقة منصور أبيات، وهو من عرب خوزستان وكان يرتدي الزي العربي ويحمل بندقية صيد مزدوجة السبطانة، وكذلك برفقة السيد عالي بور مرتديًا الزي البختياري، كما اصطحب معه ابنه أبا الفضل، البالغ من العمر عشر سنوات.
في بندر عباس، شاركوا في اليوم الأول في المراسم التي أُقيمت أمام الجامعة. وقد لفتت سيارة الفان المزيّنة بصور الشهداء، إلى جانب الأزياء المحلية التي ارتداها مرافقوه، أنظار الحاضرين جميعًا. فطُلب من محمد أن يصعد إلى المنصة ويلقي كلمة.
ورغم أنه فوجئ بهذا الطلب، فإنه تمالك نفسه، واستهل حديثه بالتعريف بقبيلة البختيارية، متناولًا ما تعرضت له من ظلم في عهد الأسرة البهلوية، ومستعرضًا تاريخها في مقاومة الظلم، ثم روى سيرة بي بي مريم وعلي مردان خان ونضالهما. وبعد ذلك تحدث، متأثرًا، عن شهداء ميناب، موضحًا أنه جاء إلى هذه الديار ليقدّم واجب العزاء لأسرهم ويشاركهم مصابهم.
وقد تكفّلت بلدية بندر عباس بتوفير مكان إقامتهم وضيافتهم، وبقي محمد هناك ثلاثة أيام أخرى، ألقى خلالها كلمات وخطبًا في عدد من المناسبات والتجمعات المختلفة.

وعندما وصلوا إلى ميناب، تغيّرت أجواء المجموعة بصورة واضحة، وأصبحت الدموع تسبق كلماتهم. وكانت محطتهم الأولى موقع المدرسة المدمَّرة، حيث لا تزال أعداد كبيرة من أُسر الشهداء تتوافد إلى المكان. وقد كان حضور أشخاص قدموا من خوزستان لمواساتهم موضع تقدير واهتمام من الأهالي. وكان أفراد الأسر يردّدون في معظم الأوقات الهتافات المؤيدة للقائد الشهيد، وقد خيّم عليهم الحزن العميق. كما حضر في المكان ممثلون عن الحرس الثوري، ومؤسسة الشهيد، ومحافظة هرمزغان، وعدد من الدوائر الرسمية الأخرى.
وأصبح محمد أذنًا صاغيةً ورفيقًا مواسيًا لأسر الشهداء، متعطشًا لسماع رواياتهم وقصصهم. وقد خُصص لهم مكان للإقامة من قِبل لجنة الإمام الخميني للإغاثة، غير أن أسرة يحيائي نجاد، وهي أسرة ثقافية كانت تتولى أيضًا إدارة أحد المواكب، أصرت على استضافتهم في منزلها، فكانت خير مضيف لهذه المجموعة الراوية.
وكان محمد يرافق كل يوم عددًا من المسؤولين ورجال الدين المحليين لزيارة منزل شهيد أو شهيدين، سواء في مدينة ميناب أو في القرى والمناطق التابعة لها، فيستمع إلى ذكريات ذويهم وشهاداتهم. وكان، إلى جانب تصوير اللقاءات وتسجيلها صوتيًا، يطلب من كثير منهم تدوين ذكرياتهم بأقلامهم في دفترٍ يحمله معه.
وشملت زياراتهم قرى دمشهر، وحاجي خادمي، وراونگ، وإسلام آباد، وزهوكي، ومنطقة تكهور التي قدّمت أربعة من شهداء الفرقاطة دنا، وكذلك قرية سرني التاريخية التي قدّمت ستة من شهداء الفرقاطة نفسها.

استغرقت هذه الرحلة نحو شهرٍ كامل. وبسبب المسؤوليات المحلية، عاد رفاق محمد إلى الأهواز بالحافلة، أما هو فقرّر مواصلة رسالته في المدن الواقعة على طريق العودة.
ففي كرمان أمضى يومين، وفي رفسنجان أربعة أيام، وفي سيرجان يومًا واحدًا، وكان يحدّث الناس في كل محطة عن شهداء ميناب وأسرهم، وينقل إليهم ما سمعه وشاهده بنفسه.
وعندما وصل إلى يزد، تبيّن له أن الطرق الوعرة في ميناب قد ألحقت أضرارًا بسيارته، كما أدّت الرطوبة العالية إلى تلف صور الشهداء المثبّتة عليها. وبمساندة عدد من أصدقائه، جرى استبدال الصور وتجديد السيارة، فعادت كما كانت.
ومكث في يزد ثمانية أيام، وألقى خلالها كلمات في أكثر من ثلاثين تجمعًا في يزد وأردكان ونائين وكوهبايه، وإن لم يُوفَّق في إقامة برنامج بمدينة ميبد.
وكان منهجه في كل لقاء أن يقدّم أولًا تعريفًا موجزًا بمأساة ميناب، ثم يروي سيرة أحد الشهداء، مستندًا إلى ذاكرته القوية التي مكّنته من استحضار أدق التفاصيل، وهو ما كان يترك أثرًا بالغًا في نفوس الحاضرين.
كما استضافته محافظات فارس وأصفهان، ومدينتا كاشان وقم، حيث واصل رواية مظلومية شهداء ميناب وتعريف الناس بقصصهم.
وبعد عودته إلى الأهواز بأيام قليلة، توجَّه مع زوجته إلى مشهد للمشاركة في مراسم تشييع القائد الشهيد، وفي الوقت نفسه لمواصلة التعريف بالشهداء ورواية سيرتهم.
وفي طريق العودة، مرَّ بمدن نيشابور وسبزوار وشاهرود ودامغان وسمنان وگرمسار، حيث شارك في تجمعات مختلفة، وهو يعتزم مواصلة رحلته نحو مدن شمال البلاد.
وقد تحدّث محمد أكثر ما تحدّث عن محبة الناس ومرافقتهم له طوال هذه الرحلة الطويلة. ولما سُئل عن ردود فعل المعارضين للثورة، قال:«إذا وجدتُ من يساندني، فأنا على استعداد لأن أسافر بهذه السيارة نفسها إلى خارج البلاد أيضًا، وأن أنقل ــ بمساعدة مترجم ــ رواية هذه الحادثة التاريخية إلى شعوب العالم. صحيح أن جهل بعض الأشخاص أدى إلى ثقب إطارات سيارتي، وكسر مرآتها، وتمزيق بعض صور الشهداء، واقتلاع ماسحات الزجاج، بل واضطررنا أحيانًا إلى قضاء الليل داخل السيارة، لكن قيمة هذا العمل أكبر بكثير من كل هذه المتاعب، ولذلك فإن هذه التضحيات لا تُذكر».
وفي ختام حديثه، استشهد ببيتٍ للشاعر جلال الدين الرومي يصف به حاله:
«إذا قصدتَ الكعبة شوقًا، وسلكتَ طريق الصحراء، فلا تحزن إن لامتك أشواكُ المغيلان وأدمت خطاك».[2]
[1] من كلمة القائد الشهيد في لقائه بالممرضين وأسر شهداء القطاع الصحي.
[2] أُجريت هذه المقابلة في 23 تير 1405 هـ.ش في منزل العقيد علي عالمي، الذي استضاف الراوي.
عدد الزوار: 5
جديد الموقع
الأكثر قراءة
الترجمة في التاريخ الشفوي والأضرار المحتملة
للترجمة تاريخ عريق، وقد ازداد نطاقها مع توسع دائرة تواصل الإنسان. ولعبت هذه المهنة دورًا محوريًا في تطور الإنسان، وتحسين حياته، ونشوء الحضارات الإنسانية. لم يقتصر دور المترجمين على تسهيل التواصل بين البشر، بل امتد ليشمل نقل الثقافات والأفكار والعلوم والفنون والآداب والمعارف عبر التاريخ.تحديات إجراء المقابلات في التاريخ الشفوي
بعد سنوات من التعلم عن الأسس النظرية للتاريخ الشفوي، وإجراء ساعات من المقابلات والمعالجة اللاحقة، ودراسة الأدبيات المتاحة عن التاريخ الشفوي، نجحت أخيرًا في تجميع تقييم لعشرات مشاريع التاريخ الشفوي.ذكريات مرتضى سرهنكي
كان مرتضى سرهنكي، أحد مؤسسي مكتب أدب وفن المقاومة التابع لـ حوزة الفن، ضيف البرنامج رقم (286) من برنامج «ليلة الذكريات»، الذي أُقيم في شهر آذر سنة 1396 الشمسية. وقد تحدّث خلاله عن بدايات فكرة برنامج «ليلة الذكريات» وكيفية إطلاقه في السنوات الأولى لتأسيس حوزة الفن.زباني تاريخ ميں سچ اور جھوٹ
ان حكايات ميں تبديلي سے يہ سوال پيدا ہوتا ہے كہ ہم كس چيز كو بنياد قرار ديں؟ اور ہميں قضايا كي ضرورت بھي ہوتي ہي۔ يہ قضايا، نظريات بناتے ہيں اور اسي طرح كسي نظريہ كي تصديق يا ترديد كرتے ہيں

