ليالي الذكريات الثلاثمائة والسابعة عشر- 1

موقع تاريخ إيران الشفوي
ترجمة: هادي سالمي

2020-10-14


أقيمت ليالي الذكريات الثلاثمائة والسابعة عشر في يوم الخميس 28/9/2020 بصورة مجازية على موقع آبارات. وشارك فيها الجنرال أسد الله مير محمدي والسردار جعفر جهروتي زادة وقدّم الليلة داود صالحي.

وبدأ الحديث الجنرال أسد الله مير محمدي الذي كان سجينا 10 ستوان في أبو غريب وسجن الرشيد؛ دون أن يعلم الصليب الأحمر بوجوده بالسجون. ولم يكن على ارتباط طوال هذه الفترة مع عائلته وبعد اطلاق صراحه وعودته إلى إيران، يبحث عن عائلته ولا يجدها. وجمع ذكرياته في كتاب تحت عنوان "أنت لن تنتهي".

ويبدأ الجنرال مير محمدي كامته عن ذكرى حدثت في 22/9/1980.قال كنتُ أهمّ بالخروج الساعة 12 ظهرا من مكان عملي في ميدان ونك، الذي بات الآن مقر قيادة الشرطة، كنت أذهب إلى بيتي الواقع في شهر ري. كنتُ حينها مهندس اتصلات وأنهيت التدريب في الجيش الأمريكي في مصانع آر. إف. كاميونيكيشن في مدينة راشستر. حين نزلت من السيارة ورؤية السماء وقعت عيني على علم العراق على جناح طائرة.

كنت طوال شهر كامل في الجبهة وقد انهزمنا لحصولنا على معلومات خاطئة، تحملت مسؤلية الخطأ وذهبت لمساعدة عدد من قواتنا الشجاعة التي دربتها، ودخلت إلى أرض العدو للحصول على معلومات. وفي نفس الوقت قامت القوات العراقية من الشمال بنفس العمل،  وكانت عدة من الجنوب تقوم بنفس العمل حتى وصلنا إلى مسافة 4 كيلو متر تفصلنا عنهم. وفي الكلمة الأخيرة التي تبادلناها متسائلين عمّاذا نفعل، قلت لهم لا يمكننا اخراج العدو من خنادقهم بصورة مباشرة. لذلك من اللازم عبور قوات شجاعة في الليل من الأسلاك الشائكة على الحدود (النقاط التي حددناها) ويقلبون مقر العدو؛ حتى وإن كانت القيمة شهادتهم. حدث ذلك حين دخلت القوات في العملية.

قال السادة طيب لنخبر الشهيد جمران وهو قائد العمليات غير المنظمة. بقي ثلاث أيام على أسري، جاء وتحركنا في الساعة 3 بعد منتصف الليل للوصل إلى النقاط المحددة، أريته إياها ليقرر.

حين رأى كلّ النقاط ووافق عليها، كان الوقت يقترب من الفجر. قال لي لنعد ولكني عارضته؛ لأنّ النهار قد بان وسيرانا العراقيون وسيطلقون علينا النيران. كنا نجلس وسط القصب، رفع رأسه ليلقي نظرة على المكان فانطلقت النيران من العراقيين جلس وقال والآن ماذا نفعل؟ قلت اليوم سنسعد لسماع ذكرياتك طوال يوم. أمنا في صلاة الظهر والمغرب ونحن نصف جلوس. وحين قررنا التراجع، كانت السماء مظلمة. أشار إلى نقطة وقال لو سيطرت على هذا المكان، سيسهل دخول قواتي.

في اليوم الثاني ذهبنا مع قواتنا إلى نفس المكان وبمعونة الله سيطرنا على النقطة. حيث كنا لا تفصلنا مسافة مع العدو وكان الوضع صعبا مما دعى اتصال الجنرال فلاحي لكي أعود. قلت له عبر اللاسلكي جنرال! لقد وصلنا إلى مكان جيد ثمّ قطعتُ الاتصال به. واتصل بي بعدها قائد آخر وقال يقول الجنرال عدْ للخلف. وأخبرته لم أستع أن أقول لك لا؛ فإما أن نسيطر على هذه النقطة ليكون نقة انطلاق لجند الاسلام أو، سيكون مكان شهادتنا ولتبقى ذكرنا هنا.

في حدود الساعة الواحدة والنصف ظهرا او الثانية شعرت بقذائف آتية نحونا. تصوّرت أنّ العراقيين باغتونا؛ رجعت للخلف فوجدت دباباتنا الانجليزية هي من تقصف. ثم وصلت إلينا، قالوا أمر الجنرال بالتحاق كل القوات بكم مهما كلّف الأمر.

مساء، لاحظت قدوم العقيد لطفي، رئيس استخبارت الجيش وقد قال له الشهيد جمران ملاحظات ويريد مرة أخرى دراسة المنطقة. بعد استراحة قصيرة، استيقظ ورافقته مع فريق لرؤية المنطقة. وبعد فترة أخبرهم باللاسلكي بأنّ الأمور تسير بخير. أراد العودة حين قال لي لقد دخل النهار. قال قد يجب علينا العودة. يجب البدأ بالعمليات غدا. نهضنا وتحركنا في نفس القصب الذي كنا فيه مع الشهيد جمران.

كان في يده منظار ورأيت من خلف الأسلاك الشائكة غبارا. 6 دبابات وشاحنات تتجه نحونا. ركضنا إلى القصب. ركضنا ثلاثين مترا، وأُصيب العقيد بظهره ووقع. لم أصب. كان مع العقيد بندقية ج 3 وانا معي مسدس؛ مع تجربتي، قلت لنفسي لو استطعت الوصول إلى الج 3، فعلى العراقيين الرتجل والقبض عليّ ويمكنني ابعادهم باطلاق النيران عليهم.

زحفت إلى العقيد؛ في رحكتي الثالثة شعرت بأيّ يدي اليسرى لا تستجيب لي. شعرت بأنّ الصاروخ قد قطعها. لم أتألم ولم أشعر بشيء. ثمّ انقطع اطلاق النار. نهضت نصف نهضة ووجدت يدي مكسورة ولكنها لم تقطع.

مازلت أجاهد للوصول إلى البندقية. والآن رجلي لا تستجيب لي؛ كانت مدماة. علمونا أن نشد الجرح إذا نزف، وهذا ما أردت فعله، حين قبضوا عليّ. وشدّو وثاقي.

وقبل أن نتحرك، ذهب العراقيون إلى العقيد لطفي وقلبوه؛ كنت ما أزال أنظر لهم. رأيت أولا وجهه. وجه أبيض بعينين كبيرين وابتسامة. لم يصب وجهه، بيد أنّ جسده كله مصاب. لقد استشهد ولكنه يبتسم. حين عرف العراقيون أنه قد مات، أخذوني معهم.

كانت بطاقتي في جيبي وأحمل رتبة ضابط. في أول سيطرة تفتيش كانت الساعة 11، حين رؤوا بطاقتي ورآه ضابط الدبابة قال لهم خذوه سريعا. وجدت نفسي في الساعة الواحدة ظهرا في مشفى البصرة. حولي أطباء وأرتدي ثياب المرضى.

أحد الاطباء كان يعد بالانجليزي حتى 6. وسألته ماذا تعني 6؟ قال ستة أقسام من جسدك مكسورة وفي رجلك رصاصة. أخذوني إلى غرفة المعليات وحقنونني بمخدر. بعد لحظات، جاءت طبيبة وسألتني بالانجليزي هل لديّ زوجة؟ إذا أردت أن تعرف هل خُدرت أم لا، فأنا لست مخدرا. ضحكت.

الساعة 6 وقت الغروب أخرجوني من غرفة العمليات وأخذوني إلى زنزانة في نفس القسم. فيها غرفة. ووقف حارس أمام الزنزانة. نظرت للنافذة مازال النور. قلت لنفسي لأصلي الظهر والعصر مادام هناك وقت. سألت هذا الحارس العراقي بصعوبة عن القبلة. ودلّني على مكان. وكنت مدمى. بدأ الجندي بسب الرسول والإمام الحسين والإمام علي والإمام الخميني. ثم شتمني. ولأنه لا يمكنني فعل شيء بدات بالدعاء، فقد يلهمني الله الصبر.

غيّروا الحارس بواحد صامت. فتحت عيني صباحا فوجدت الجندي السابق. أغلق الباب واخرج شيئا من ثيابه وقال هذا لك. قلت: ما هو؟ قال: مساء ذهبت للبيت وحلمت. يقع بيتي في البصرة. حدثت أمي: في هذه الحرب ووسط هذه الضجة، جاء عقيد وسألني عن القبلة، وتيمم وصلى. سألتني أمي أين وضع يده حين صلى وقلت لها على رجليه. قالت أمي إنه شيعي ونحن شيعة، لا تسمح لنفسك بإهانته! قلت لها يا أمي إنها الحرب ولكنها قالت لي لن أضى عنك وافعله له شيئا. قالت صدام يحاربهم؛ أما أنت فلا. أنت تحرسه لكي لا يهرب. قال لقد أوصتني عليك وفكّرت ما هو أفضل ما أقدمه لك في الغربة، فأحضرت لك مذياعا لتسمع إذاعة آبادان. ولقد نظّمته لك.

لم أقبل المذياع منه وقلت سيأتون بعد ساعة لي ويأخذونه مني. لست خائفا من ضربهم لي، أخاف أن يضغطوا عليّ ويسألوني عمّن أحضره ثم يقع اللوم عليك أو يقتلونك. وضع المذياع في مخدتي  حتى وإن قتلوني. قلت في نفسي إلهي ما الذي يحدث؟ متى تغيّر هذا الانسان؟  تيمتت على جدار نجس.

وأكمل مير محمدي ذكرياته بعد عودته من الأسر وقال وصلت إلى إيران وأخذوني إلى قصر فيروزة، حيث معسكر القوت الجوية والحجر الصحي ولكي يعلموا ما الذي حدث لي طوال هذه الفترة. ثم علمت أنّ عائلتي قد انتقلت إلى مكان آخر.

أخبروني أنّ عائلتي تركت المنزل والجيران أيضا. وفي يوم اتصل بي جنود المعسكر وأخبروني أنّ زوجتي على الباب.

حين أسرت كان عمر ابني 4 سنوات وحين أطلق سراحي كان شابا في الرابعة عشر. جاءت امرأتان وشابان. وإن كانت زوجتي قد كبرت، لكني عرفتها. سألتها من هؤلاء؟ قالت هذه زوجة شهيد. وهذا ابننا وزميله في الدراسة ابن هذه السيدة. لم أعرف أيهما ابني. حين كنت أتبادل مع زوجتي التحايا قالت لأحد الشابين: "رضى! إنه أبوك". لم يتقدم. قال ليس أبي، كان أبي أنيقا. صورته في غرفتي، هذا ليس أبي. سألت زوجتي عن عائلتي،  كان يسمعنا واقترب مني وحضنني ووضع رأسه على كتفي وبكى.

أبقى رأسه لحظات على كتفي وبكى ثم رفع رأسه وقال لزوجتي"إنه أبي". سألته عن رفضه لي. قال لأنك لا تشبه الصورة، ولكنك حين تحدثت مع أمي فهمت. لم أر أمي طوال 10 سنوات تتحدث مع رجل غريب، وحين وضعت رأسي على كتفك بعد 10 سنوات، وجدت الطمأنينة. لديّ عم وخال. يحبانني كثيرا ولكن ليس إلى حدّ الطمأنينة. حين رفعت رأسه سألته: "من الشاب الذي يرافقك؟" قال ابن الشهيد إبراهيم. أردت لو تنشق الأرض وتبتلعني. لأنه سمع ما قاله ابني ولن يحصل هذا الشاب على حضن أباه أبدا. طلبت منهم الرحيل وقلت لهم عليّ البحث عن الشباب. وإذا وجدتهم سأحضرهم معي للبيت. فقد عانوا في الحرب. أدعو الله أن يعزّ هذا الشعب ويحفظ قادتنا ويهدي أعداء الاسلام.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 119



http://oral-history.ir/?page=post&id=9501