في ذكري الطيّار الذي كان يحكي مذكراته

منصور قرباني
ترجمة: هادي سالمي

2019-09-27


عندما سمعت الخبر قلقت كثيراً. كأنما أصبت برصاصة في صدري وفعلت فعلتها وخرجت من الطرف الثاني واستمرت في طريقها. بإختصار وبألم شديد: لقد ذهب العميد الطيّار أكبر توانكريان إلي لقاء ربّه. الخوف من مواجهة الوداع الأخير في زمن تشييع الجنازة ذكرني بزيارتنا الأولى. الزيارة التي لا تذهب بعيداً بما فيه الكفاية. حيث كان ذلك في ربيع عام 2018م.  اتصلنا به مراراً وتكراراً حتى وصل أخيراً إلى مكتبنا في يوم من الأيام. في ذلك الوقت، كان مكتبنا في منتصف حديقة كبيرة وكان الطقس جيداً. لكنّ الوجه الذي طُبع في ذهني وقت الزيارة الأولى هو ذلك "الرجل الذي كان يرتدي القناع".  الروح التي أرادت الوقوف وليس الانحناء. كان هذا المرض قد ترسخ في رئتيه وكبده وبعض أعضاء جسده الأخري، لكن هذا الرجل، بكل ما لديه من آلام، كان ينهض ليستمر بحياته ثانية.

في ذلك اليوم جاء العميد للحصول على هواجس أثيرت عنده حول مكتبنا. اساساً يسأل أين يوجد مكتب استدامة إصفهان وما الذي نفعله هنا؟ فرحنا أيضاً بأننا كنا نجلس بحضور رجل عظيم، و تطرقنا إلي كل ما كان في جعبتنا، كما تحدثنا عن عملية إجراء المقابلة، وأهدافنا، وأولئك الذين كان يعرفهم، وأجرينا مقابلات معهم، مثل العميد أمير نوربخش والطيار حسن نجفي.

من الجيد جداً أنه استمتع من وجود قدراتنا واستعراضها، فقد زادت زياراته إلى مكتبنا. وقال إنه سوف يأتي ويجلس للحديث معنا. تحدثنا عن كل شيء. عن إصفهان وأماكنها الرياضية وسيستان وبلوشستان وقراها. عن الطائرات التي تحلّق من إصفهان وهمدان وتقصف مراكز العدو بمختلف الصواريخ.

أتذكر اجتماعا للمسؤولين في مكاتب دراسات الثقافة والاستدامة في أنزلي وشاركنا فيه. قبل أيام قليلة من الرحلة، تلقينا رسالة، مع نص من كتاب (كتيبه اي بر آسمان) وهي عبارة عن  (مذكرات الطيار الراحل أكبر صياد بوراني)، حيث طُلب منّا التعليق على الكتاب. وضعنا نص الكتاب أمام العميد أكبر توانكريان. لقد كان صديقاً للطيار أكبر صياد بوراني وبقدر ما استطاع أن يتذكر صديقه، قدّم لنا أدلة لتصحيح وتنقيح الكتاب. أخيراً، عندما كان حزيناً جداً، وضع قناعه على وجهه وغادر المكتب. عندما وصلت إلى أنزالي، طلبت من السيد محمد برحلم، رئيس مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في إدارة فنون كيلان، إرسال دعوة إلى العميد أثناء مراسيم تقديم الكتاب.

بعد عودتي من أنزلي، سعيت إلى إيجاد مقدم ماهر ومتمرس في معرفة إصطلاحات سلاح الجو. حتى ناقشت الأمر مع حجت شاه محمدي، وهو كاتب وطيار متقاعد. كان علي أتم الإستعداد  لإجراء مقابلة وتحرير تدوين العميد. نسقنا بعد ذلك لإجراء مقابلة معه، لكن اللواء لم يكن وضعه الصحي مساعدا . يزداد سعاله في كل لحظة وكان صوتها متقطع جداً. كما فقد  شعر رأسه إثر الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي. ولكن في الوقت نفسه، بدأ يروي المذكرات وأخذنا إلى نهاية يوليو عام 1982م، وكانت العملية تتم مع ثلاثة مقاتلات من طراز F-4 لتحلق في سماء بغداد، لكن طائرته لم تكن قادرة على الطيران بسبب مشاكل فنية .لقد بقي هو ومساعده خسروشاهي ولم يرافق زملائه في تلك العملية حيث كانت آخر لحظاتهم مع عباس دوران. كان ذلك التحليق هو الأخير للشهيد عباس دوران و كان أكبر يتنهد فقط.

الوقت ينفد والميزانية ليست كافية لالتقاط وتسجيل الذكريات. أتمنى أن تكون لدينا ميزانية لجمع كل ثانية من ذكريات جميع المقاتلين، ولن ندع لحظة من تلك الذكريات أن تندثر. أتمنى أن نضغط على مفتاح التسجيل في كل مكان، دون أن ندع تاريخنا الحربي يبقى في الصدور وأن يدفن تحت حفنة من التراب. أتمنى ألن لا نمر مرور الكرام علي نقل مثل هذه الذاكرة النقية. ليس كل المحاربين، وكل القادة سيبقون على قيد الحياة إلى الأبد. أتمنى ألا نقلل من منزلة هذا العمل. هذا العام (2019م) لم يكن فقط عام استشهاد الطيار أكبر توانكريان [1]. لقد فقدنا الكثير في إصفهان. الطيار حسن نجفي، والعميد الحاج أحمد فضائلي القائد السابق لجامعة الإمام الحسين (ع)، و أيضاً رحيم أنصاري قائد سلاح مشاة البحرية  كربلاء25، والذي كان في انتظار مذكراته تحت عنوان (دلافين أروند) ولربما العشرات من المقاتلين حيث يعتبر كل واحد منهم نافذة نحو قلب المذكرات وتاريخ الحرب. رحمهم الله جميعاً في واسع رحمته.

---------------------

[1] أكبر توانكريان، مواليد 19 سبتمبر عام 1950م في مدينة إصفهان. طيار مقاتلة فانتوم وقائد كتيبة 61 و31، ومساعد قائد قاعدة جابهار الجوية، قائد القاعدة العاشرة، وأيضاً قائد كلية الطيران، نائب قائد منطقة الشهيد بابائي الجوية، رئيس عمليات الإختبار في الصناعات الجوية، كما أنه يمتلك علي وسام الفتح...

النصّ الفارسي 



 
عدد الزوار: 527



http://oral-history.ir/?page=post&id=8807