ليالي الذكريات في نسختها المئتين والرابعة والتسعون

مدافعو الحرم و الأحرار عبر الذكريّات

مريم رجبي
ترجمة: حسن حيدري

2018-09-06


خاص موقع تاريخ إيران الشفوي، عُقد برنامج ليلة الذكريات في نسخته المئتين و الرابعة والتسعون ، مساء يوم الخميس،الموافق 23 من آغوست لعام 2018م في قاعة سورة الفنيّة. وقام كلّ من حجة الإسلام و المسلمين علي شيرزي ومجتبي فلاح بالتطرق لذكرياتهم حول مدافعي الحرم و فترة أسرهم.

إبقَ 45 يوماً إضافياً

تحدث بداية حجة الإسلام و المسلمين  علي شيرازي، مندوب سماحة ولي الفقيه في فيلق القدس التابع للحرس الثوري حيث أنه شقيق لشهيد و أحد مدافعي الحرم.كما أقيمت عدة برامج لليلة الذكريات في جزر الجنوب بجهوده المباركة. أثناء مجيء حجة الإسلام شيرازي إلي المنصّة، عُرض فليم حول المرشد الأعلي أنشدت فيه أشعار حول الشهداء، لهذا بدأ حجة الإسلام شيرازي كلماته قائلاً: « ذلك البيتان الذي أشارا إليهما المرشد الأعلي (نحن ضربنا علي صدورنا، مطرت بصمت، كل ما قلناه لقد شاهدوه، كنّا ندعي الصف الأول، قسّموا الشهداء من آخر المحفل) يتعلق بزيارة جماعية لعدد من عوائل شهداء مدافعي الحرم للمرشد الأعلي حيث كانت تلك الأبيات مكتوبة علي صورة أحد الشهداء،حينها أخذ المرشد الأعلي تلك الصورة و أجهش بالبكاء بعد قراءة تلك الأشعار. إنتهي الإجتماع و الفليم إنتشر عبر شبكات التواصل الإجتماعي. أحد طلّاب حوزة قم العلمية، محمد مهدي مالاميري، كان في سورية. شاهدت زوجته هذا الفليم. أنقل هذه القضية من لسان زوجة الشهيد حيث تحدثت بهذه الكلمات فيما بعد في الإجتماع الذي جمعها مع المرشد الأعلي :«رأيت دموعكم، كان السيد مالاميري في سورية، إتصلت بزوجي وقلت له: إبق 45هناك  يوماً إضافياً يا سيد محمد مهدي.(لأنه بقي حوالي 45 يوماً هناك و كان في أيامه الأخيرة). بقائك هناك بمثابة نذر الحياة و إستمرارية لحياة المرشد الأعلي. لقد استشهد السيد مالاميري بعد أيام قليلة، قلت لله الحمد لقد ضحّي بنفسه في سبيل المرشد الأعلي،سماحة الإمام الخامنئي».

نذر الشهيد

وقال حجة الإسلام شيرازي في كلمته: «لقد أصيب شاباً في سوريا، كان من أهالي مدينة تبريز حيث كان من المقرر أن يتزوج قبل أن ينال درجة الشهادة الرفيعة. إتصل بأبيه و قال له أن لا تعقدوا إجتماع الزواج، لا أتصور البقاء طويلاً في هذه الدنيا،لا تجعلوا أحداً يتعلق بي. بعدها ذهب إلي سورية و سمعنا عن إصابة حامد جواني، قُطعت يداه و فقد بصره و أصبح في غيبوبة. أدخل إلى المستشفى في دمشق و من ثم انتقل إلى إيران. اتصلوا بوالديه وطلبوا منهما الذهاب إلى المستشفى وزيارة إبنهما. جاءا ونظرا إلى حامد . خرج الأب وقال أنني جئت لأقدم كلمات الشكر.سألته حينها: جئت لتشكر من؟ قال : أشكر جميع الأيادي التي ساهمت بنقل حامد إلي سورية، لقد نذر أن يستشهد كإستشهاد العباس بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)،عندما رأيته فاقد العينين و اليدين، شكرت الله علي قبول نذر إبني و أنه وصل إلي مبتغاه. كان طلبي أن أستلمّ كوفية من المرشد الأعلي و أضعها علي جسد حامد كي يشعر بالراحة عاجلاً. لقد أخذت كوفية و أعطيتها لوالد الشهيد. بعد يوم أو يومين، في شهر رمضان المبارك و وقريبا من الإفطار،إتصلوا بي وقالوا أن حامد إنتقل إلي الرفيق الأعلي و نال درجة الشهادة. ذهبت حينها إلي المستشفي ورافقت أمه و والده نحو المشرحة وأريتهما جنازة حامد.قدموا لي كلمات الشكر لرؤيتهما لجنازة إبنهما الشهيد. من ثم ذهبت إلي مدينة تبريز حتي أشارك في أربعينيته كمتحدّث في تلك المراسيم. بعد إجتماع  الخطبة، إلتفتت والدة الشهيد صوبي و قالت كان لدينا ولدان و هما حامد و أمير في الحرس الثوري، استشهد حامد و نطلب أن يذهب أمير أيضاً إلي سورية، إنّه في أتمّ الإستعداد للشهادة. كان والد الشهيد بائعاً جوالاً في سوق تبريز، قال لي يجب أن أذهب قبل أمير. في تلك الإجتماع أوصلت سلام و تحيات المرشد الأعلي إلي عائلة الشهيد. قال لي والد الشهيد: إذهبوا نحو المرشد الأعلي و قولوا لسماحته قدّمنا حامد كي نري ابتسامته، أنا و إبني أمير جاهزين للتضحية كي يبقي حيّاً».

هذا من فضل ربّي

وقال حجة الإسلام شيرازي :«أراد الشهيد اميدواري الذهاب إلي سورية، لقد رأي السيدة رقية (سلام الله عليها) في المنام، قالت إنني سآتي إليك في ذلك اليوم في تمام الساعة 10،في نفس اليوم، كان يوم العمليات. بدأت العمليات في تمام الساعة الـ 8 صباحاً، إشتدّت الحرب حينها، أمر القائد الجميع بأن يجلسوا علي الأرض، إلتفت السيد اميدواري نحو القائد و قال له : أنا لم أصب بأي أذيً لغاية الساعة الـ 10،إسمح لي أن أقضي علي عدد من الإرهابيين.لقد استشهد في تمام الساعة 10 صباحاً. بعدها ذهبت إلي منزل الشهيد.كل هذه الوقائع تم تسجيلها من أصدقاء الشهيد و توجد في منزله أيضاً.توجد الكثير من هذه القضايا في سورية.

لم يصلنا جثمان الشهيد كجباف في ذلك الوقت، إكراماً و إجلالاً لهذا الشهيد، قام بإجراء مراسيم في الأهواز حيث شاركت فيها. تسنّمت زوجة الشهيد المنصة و قالت للمشاركين أن جثمان زوجها لم يصل بعد و لازال بأيدي الإرهابيين. أنا وأصالة عن نفسي ونيابة عن أبنائي، أعلن أنه لايحقّ لأيّ أحد أن يدفع و لو ريالاً واحداً من أجل الحصول علي جثمان زوجي، إذا كان هناك واجب عليهم فاليقوموا ولكن إذا كان من أجل زوجي فلا أسمح بذلك علي الإطلاق. تم نشر هذه الكلمات علي شبكات التواصل الإجتماعي بشكل واسع. لقد ذهبت أسرة الشهيد كجباف لزيارة المرشد الأعلي. حينها قال سماحته: لقد سمعت كلامكم في مراسيم التقدير من الشهيد كجباف، قالت زوجة الشهيد:«هذا من فضل ربي...» في الإجتماع الذي حضرته في منزلهم، قالت زوجة الشهيد، نحن جاهزون علي أن نجمع نساء محافظة خوزستان و إذا اقتضي الأمر أن نذهب جميعاً إلي سورية للدفاع عن الإسلام».

أمنية أم ّ الشهيد

قال حجة الإسلام شيرازي:« استشهد جهاد مغنية في سوريا وعلى الحدود الإسرائيلية. لا توجد أخبار حتى الآن. استشهد عماد مغنية  أبو الجهاد، واستشهد اثنان من إخوانه أيضاً. يعتبر جهاد الأبن الرابع لهذه العائلة، لقد استشهد هو أيضاً و يريدون أن ينقلوا هذا الخبر إلي زوجة عماد، والدة جهاد مغنية. جاء شقيق جهاد برفقة أحد قوات حزب الله ليزفّا نبأ إستشهاده، قال لوالدته أن جهاد قد استشهد، قامت زوجة عماد و أخرجت كفن من حقيبتها و قالت : أن بعثت جهاد للحرب لا أنتظر عودته سالماً، بعثته كي يأتيني نبأ استشهاده كما استشهد والده ،لقد حقق أمنيته. كنت جاهزة لسماع نبأ استشهاد جهاد. ذهبت لمنزل والد عماد مغنية، رأيت زوجة عماد و قلت لها، هل هذه ما تناقلوه حقيقة؟ قالت : نعم، أنا أعددت كفن ولدي و أعلم أن عماد سينال درجة الشهادة الرفيعة.

كان شاباً لبنانياً غير متزوجاً، ذهب إلي سورية لعدة مرّات، في المرّة الأخيرة عندما أراد الذهاب إلي سورية، التفت نحو والدته و قال لها: لقد رأيت حلماً في المنام أريد أن أقصّه عليك. لم تأخذ والدته هذا الأمر بعين الإعتبار  و لم ترد أن يشعر إبنها بقلقها إزاء ذلك الحلم. عندما ذهب إلي سورية، قصّ حلمه علي أصدقائه و قال لهم أنني في عالم الرؤيا دخلت إلي سورية و تم أسري، عندما تم أسري، جلس أحد عناصر تنظيم داعش بلحية طويلة علي صدري و قطع رأسي بسكّين و لقد تأذيت كثيراً وعلي إثر هذا الطيف استيقظت من نومي. في الليلة الأخري أيضاً جثم هذا الداعشي علي صدري ثانية و تكرر الحلم ، أراد أن يقطع رأسي وشعرت بالخوف حينها، جاء بعد ذلك الحسين بن علي (عليه السلام) و قال لماذا تخشي هذا الأمر؟ لقد قطعوا رأسي في يوم عاشوراء، لم أشعر بالألم، سيقطعون رأسك و لن تشعر بالألم. قصّ لي العميد سليماني هذه القصة وتابعتها عندما سافرت إلي لبنان للقاء السيد حسن نصرالله، سجّلت اسم هذا الشهيد، لكن لم أتذكره للأسف الشديد. وأيّد السيد حسن نصرالله هذا الحلم حيث تحقق بعد ذلك علي أرض الواقع. عندما جاء إلى سوريا، تم القبض عليه، وقُطع رأسه وأطلق فيديو كليب على شبكات التواصل الإجتماعي بشكل واسع. قاموا بتعقب جثمانه، وسلمت الجثة ، لكنهم لم يسلموا رأسه. أحضروا الجثة من سوريا إلى لبنان. جاءت والدة الشهيد و هي تنظر إلي جثمان إبنها، و بكت عليه. قالوا لوالدته لماذا تبكين عليه؟ لأن إبنك تم قطع رأسه؟ قالت حينها: عندما نظرت إليه و رأيته دون رأس، قلت الحمدلله، إن الحسين بن علي (ع) قُطع رأسه و لم يتملك رأساٌ أيضاً،إبني أيضاً لم يمتلك رأساً، لكن عندما نظرت إلي جسده، رأيته سالماً، كان بكائي علي، يا ليت لوكان جسده مقطعاً إرباً إرباً كسجد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام). الوجه الآخر للحرب مع الإرهابيين، تسجيد وجوه الرجال الأشاويس.

كان للشهيد شقيقان و هما مجتبي ومصطفي بختي. لقد أرادو الذهاب إلى سوريا في تلك الأيام لم يسمحوا لأحد بالذهاب إلي سورية، كان أحد الأخوين تابع للحرس الثوري، جاءا هذان الشقيقان و طلبا الرخصة من والديهما،حصلوا علي جواز سفر أفغاني و ذهبا إلي سورية. في سورية ولفترة ما لم يعرفوا عنهم بأنهم إيرانيون. استشهد الشقيقان في يوم واحد جنباً إلي جنب. بعد يوم أو يومين من نبأ استشهادهما، ذهبت إلي منزل والدهما في مدينة مشهد. قالت لي والدة الشهيد أنه إبان فترة الحرب المفروضة،عندما يأتون بجنازة أي شهيد إلي المدينة، كنت أتحسّر لإستشهاد عدد من الأمهات و أنا لم أحصل علي تلك الدرجة الرفيعة، حتي حدث ما حدث في سورية و ذهبا أبنائي إلي هناك. قالوا لي أن مصطفي نال الشهادة و مجتبي أصيب بجروح، لم أصدّق ذلك، قال لي قلب أم الشهيد أنهما استشهدا، أكّدوا لي هذا النبأ، عندما سمعت عن نبأ استشهاد الإثنين، وضعت رأسي علي التراب وقلت أنني وصلت إلي مبتغاي و أصبحت والدة للشهداء».

رصاصة لذيذة!

وأضاف حجة الإسلام شيرازي قائلاً: «كنت إبآن الحرب [المفروضة من قبل جيش صدام علي إيران] في فيلق ثار الله، حدث أمراً في عمليات والفجر 8. من أجل شرح هذه الذكري، ينبغي عليّ أن أرجع إلي عمليات خبير.كان لدي فيلق ثار الله مسؤولاً مخابراتياً اسمه محمد حسين يوسف اللهي حيث استشهد في عمليات خيبر. قبل عمليات خيبر، أرسلت مخابرات الفيلق إثنين من قواتها في جولة استطلاعاتية للمنطقة، ذهبا لتحديد بعض النقاط، لكن سقطا في المياه و استشهدا. العميد قاسم سليماني قائد الفيلق، كان قلقاً من أن ينجرف جثمانا الشهيدين نحو العراق، حيث سيكونون علي علم بأننا في حالة تحديد المنطقة و الإطلاع علي نقاطها وسنخسر خطّة المباغتة. كان السيد سيف اللهي، شاباً في عمر 19 أو 20 و من أبناء كرمان، قال للعميد سليماني: هذان الشهيدان لم ينجرف جثمانهما نحو العراق،ستكون إحدها في تمام الساعة 8 صباحاً في تلك النقطة و الأخري ستكون في تمام الساعة 4 عصراً في مكان آخر. لم يصدّق العميد سليماني ما قاله هذا الشاب، لكن بعدها قال مع نفسه لربما يصدق في كلامه. في حوالي الساعة 8 صباحاً، أرسل طاقماً إلي تلك النقطة حيث عثروا علي جثمان أحد الشهداء في تمام الساعة 8 صباحاً. لهذا تأكّد للعميد سليماني العثورعلي الجثة الأخري في الساعة 4 عصراً و حصل ذلك حينها.سأل العميد سليماني السيد يوسف اللهي:  لماذا تم العثور علي أحد الجثامين في الساعة 8 صباحاً و الأخري في الساعة 4 عصراً؟ قال له: عثرنا علي الجنازة الأولي في الساعة 8 صباحاً، لأن ذلك الشهيد لم يترك صلاة الفجر علي الإطلاق. كان ذلك الشخص بمثابة عارف فيلق ثار الله.

كان من المقرر القيام بعمليات والفجر 8. قبل البدء بالعمليات، يأتي أفراد المخابرات إلي القرب من نهر أروند و يقيسون مستوي نسبة سرعة تدفق المياه حيث ينوون القيام بالعمليات في الليلة التي تكون فيها سرعة المياه منخفضة. في إحدي الليالي كان السيد حسين بادبا من قوات أمن فيلق ثار الله، كّلف بأن يقوم بأخذ قياس مستوي سرعة المياه. لكن نام و عندما استيقظ فات ذلك الوقت الذي يتوجب عليه القيام بذلك الأمر.قال مع نفسه، أننا نقوم بهذا الأمر في كل يوم و تغيير مستوي سرعة المياه إلي سانتيمتر واحد أو إثنين لا يغير شيئاً بالمعادلات. في ورقة التقرير،غير بعض الشيء مما هو عليه في الأيام السابقة وكتبه. كان السيد بادبا واقفاً إلي جانب نهر أروند و السيد يوسف اللهي في مكتب فيلق ثار الله في الأهواز. كان السيد محمد جمالي من قوات كرمان، ذهب باستلماس إلي سورية واستشهد هناك. كنا في مراسيم الشهيد جمالي و كنت ألقي خطبة و ذهبت إلي كرمان حينها. جاء السيد بادبا إلي المطار.كان معنا منذ وصولنا إلي كرمان لمنتصف من الليل و لم يتركنا لحظة . كان يلتمسنا لكي يذهب إلي سورية عاجلاً غير آجل. بالنهاية ذهب إلي سورية. في نفس الرحلة، جاءت زوجة الشهيد جمالي و زوجة الشهيد بادبا، الذين كان لا يزالا علي قيد الحياة و لم ينالا درجة الشهادة، وتوسطت وقالت إن حسين لم يعد له لا ليل ولانهار، يذهب إلى قبر الشهيد يوسف اللهي ويذرف عليه الدموع حتي الصباح لكي يستهشد. كانت زوجة الشهيد بادبا تقول: أقسم عليكم بالله أن تأخذوه معكم، لم نذق طعم الراحة بالبيت علي الإطلاق، إنه يبكي ليل نهار. ذهب السيد حسين بادبا إلي سورية و أصيب بجروح في أيام العيد. بقي لعدة أيام في كرمان بعد اصابته وعاد ثانية إلي سورية. لقد التقيته في سورية، قال لي يا فلان هل تعلم كم طعم الرصاصة لذيذ! استشهد بعد فترة وجيزة من الإصابة، جسده لم يعد بعد، لكن قبل الذهاب، قام بشراء قبر إلي جانب قبر الشهيد يوسف اللهي. الآن تم إنشاء قبر تذكاري له بجوار قبر الشهيد يوسف اللهي في كرمان  من هم هؤلاء؟ هؤلاء يتواجدون في مدينتنا و بلدنا، لكنهم و في إختبار عظيم سلموا قلوبهم إلي الله عز وجل، وعاهدوه أن يبقوا في الدفاع عن الإسلام و الثورة والولاية إلي آخر لحظة في حياتهم. نعم إنهم بقوا و أصرّ البعض منهم حتي أن يتذوق شهد الشهادة».

استغرق الأمر 25 شهراً لمعرفة ذلك!

كان السيد مجتبي جعفري الراوي الثاني للبرنامج. حيث قال: «هناك فرق شاسع بين الأفراح التي قامت بها الناس من 16 من يناير لعام 1979م لطرد الشاه المقبور و تحرير مدينة خرمشهر و...إلخ، لغاية دخول الأسري المحررين إلي إيران و الفرق هو أنه في يوم دخول الأحرار إلي أرض الوطن، كان الناس تبكي من شدّة الفرح. عندما بدأت عودة الأحرار،استغرق الأمر شهراً كاملاً ليصل الدور لعودتنا. لقد دخلت أرض الوطن في 12 من سبتمر لعام 1990م. أحد أصدقائنا الذي كان يقوم بواجب استقبال الأحرار و يقوم بترتيب أوضاعهم في الحجر الصحي لكي يقوم بتسليمهم إلي أهاليهم، جاء ووضع يده علي رأسي و أراد أن يرحبّ بقدومي. قال: إعذرني يا مجتبي، لقد ذرفت الدموع في هذه الأيام بشكل كبير، حيث لايمكنني البكاء الآن.وصل الدور لنا و انتهت حتي الدموع.

حدث هذا، ألا وهو تحرير الأسري، في الـ 26 أغسطس لعام 1990م .كنّا في مخيم تكريت العراق نقوم بأعمالنا الروتينية اليومية. جاء العراقيون و طلبوا منّا أن نذهب داخل المصحّة. لقد فعلنا ذلك و ذهبنا داخل المصحّة. فتحوا التلفاز العراقي و بدأنا بمشاهدته. كان التلفاز يردد خبر إعلان مهم. جلسنا نصف ساعة إلى ثلاثة أرباع الساعة ثم قرأوا آخر رسالة لصدام حسين كتبها إلي الراحل هاشمي رفسنجاني. في تلك الرسالة، كتب أن كل شيء قد انتهي في ما بيننا، ماتبقي هو تبادل الأسرى فقط  حيث أننا سنحرر أول مجموعة من الأسري الإيرانيين يوم الجمعة.جلسنا لحوالي ربع ساعة بعد سماع هذا الخبر نشاهد التلفاز بحيرة و دهشة. لم نكن نعرف ما سمعناه صحيح أو خطأ. رأينا أحلاماً كثيرة أثناء النوم ، وفي الصباح نقوم بتعريفها و تحليلها لبعضنا البعض، وكل واحد يتكلم عن مايراه في منامه. جاء تفسير كل أحلامنا إلى إطلاق سراحنا من الأسر، ولكن ما سمعناه من التلفزيون كان صحيحًا، والفرحة دبّت في قلوب جميع الأسري حينها.

في 29 من أغسطس لعام 1988 تم الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والعراق. كان الثامن من شهر محرم ونحن في منطقة الحرب. في 1 سبتمبر لعام 1988، تم القبض علينا، أي بعد ثلاثة أيام من تنفيذ وقف إطلاق النار بين إيران والعراق. لقد كُلّفنا بالاستقرار أمام العراقيين عندما يتعلق الأمر بتنفيذ وقف إطلاق النار لتحديد مكان وجود العراقيين ومكاننا أيضاً. عندما ذهبنا للاستقرارهناك، استمر عملنا حتى صباح يوم 29 أغسطس، وقمنا بمراقبة العراقيين لحوالي الساعة الثامنة من صباح يوم 29 أغسطس .لقد بدأ وقف إطلاق النار في تمام الساعة 6 صباحاً و نحن وقفنا أمام العراقيين في تمام الساعة 8 صباحاً. كنت مساعداً لرئيس الكتيبة و أردت الذهاب إلي خطوطنا. رأيت العراقيين يضعون سيطرة عسكرية أمامنا. تحدثنا معهم و قلنا ما هذه العراقيل التي تضعونها هنا؟ نحن نريد الذهاب إلي إلي خطوطنا. قالوا: نحن نضع حبلاً و أنتم  اذهبو إلى الجانب الآخر، قواتنا تسيطر عليها والعراقيون يريدون أن يذهبوا إلي خطوطهم، حيث يجب علي سيطرتنا وضع حبل. تحدثت مع القائد العراقي وقلت له أننا تبادلنا الحرب لطيلة 8 أعوام و الآن حصل وقف إطلاق النار، حيث إذا ما جائت بعثة المنظمة الدولية و رأت هذه الأوضاع عن كثب، لمن يكون أمرا الأمر جيداً، قال إذن ماذا نفعل: قلت له: عليكم أن ترجعوا للخلف مئة متر و نحن نفعل ذلك أيضاً حتي ننتظر ما يتمخض عنه وقف إطلاق النار. لقد وافقوا علي هذا الإقتراح.رجعوا إلي الخلف مئة متر و نحن فعلنا ذلك أيضاً، ناهيك عن جنودنا الذين كانوا يذهبون في النهار إلي داخل مخابئ العراقيين و يأخذون منهم السجائر، كما أن الجنود العراقيين كانوا يأتون في الليل و يستلمون منّا الثلج و البطيخ. لفترة ثلاثة أيام كان وقف إطلاق النار قائماً فيما بيننا.

في أول يوم من شهر سبتمبر عام 1988م، تزامن ذلك مع أيام عاشوراء، في الساعة الخامسة صباحاً اتصلوا بي عن طريق اللاسلكي  و قالوا أن هناك  ثلاثمائة دبابة وحاملة عراقية وقفة أمامكم.عندما جاء الصباح، رأينا أن السهل الذي كان يقع أمامنا، مكتض بالدبابات و المدرعات. ذهبت و قلت لقائد الكتيبة العراقية ماذا حدث هنا؟ قال لقد ابلغونا أنه بعد وقف إطلاق النار استقريتم هنا و يجب أن تنتقلوا إلي ما بعد النهر و لا دخل لنا بكم. شرحت الوضع للقائد و هو بدوره قال ابقوا في مكانكم. جاء القادة العراقيون و الإيرانيون، فتحوا الخرائط و تحدثوا مع بعضهم البعض، لكنهم لم يتوصلوا إلي أيّ نتيجة تذكر. استمر هذا الوضع حتى الظهر. بالقرب من الظهيرة تحركت الدبابات على طول خطنا وخمسين متراً إلى الأمام ثم توقفت. التقطت اللاسلكي وأخبرت القائد أن الدبابات العراقية تتحرك باتجاهنا ، إما تأمرنا بقصفهن، أو تعطي أوامراً بنقلنا إلي تلك الجهة من النهر، فهذه الحالة مريبة. قال القائد أن نبقي هناك. جئت و قمت بتسليح الجنود حتي نقوم بمهاجمة الدبابات العراقية حال تقدمهما نحونا. هاتفونا لاسلكياً أن لا نقصف الدبابات العراقية علي الإطلاق، حيث تنتفي قضية وقف إطلاق النار و سنواجه عدة مشاكل بعد ذلك. كنا نعلم أن العراقيين لن يطلقوا النارعلينا.  في ذلك الوقت، تحركت الدبابات العراقية وجاءت من زاوية واستقرت خلفنا. قلت لقائد الفيلق ثانية عن طريق اللاسلكي: لقد تحركت الدبابات العراقية واستقرت خلفنا، اعطينا أمراً لنفعل شيئاً.قال: إذهب وقل للقوات العراقية أن تعود إلي الوراء ونحن نعود أيضاً و ستحل المشكلة بهذه الطريقة. ذهبت برفقة أحد الجنود الذين يحمل اللاسلكي و بكافة المعدّات اللازمة نحو قائد الفيلق العراقي حيث كنّا ثلاثة أيام نري بعضنا البعض وقلت له أن قائدنا قال إذا ما ذهبتم أنتم إلي الوراء نحن نفعل ذلك الأمر أيضاً و ستحل هذه القضية بهذا الشكل. قال أنا قائد لسبعة أو ثمانية من الدبابات فقط و إذا ما عدت للخلف،لن يجدينا نفعاً. قلت له: أين قائد فيلقكم؟أشار إلي شخصين داخل الحدود العراقية يبعدون عنا ثلاثمئة متراً.

ذهبت برفقة أحد الجنود الذين يحملون اللاسلكي. قال ذلك القائد للفيلق بدهشة : من أنت و ماذا تفعل هنا؟ لقد عرفت نفسي له و قلت له أن قادئنا قال إذا ما تراجعتم للخلف سنفعل ذلك نحن أيضاً وستحل المشكلة حينها. لا أستطيع أن أفعل ذلك، إذهب إلى قائد لواءنا. وحدثه عن ذلك... قلت: أين أذهب لأرى قائد اللواء؟ على بعد ثلاثة كيلومترات تقريباً من هناك كان يوجد تل أشار إليه . قلت: كيف سنسير على بعد 3 كيلومترات في ظل هذه الأجواء الحارة و في هذه الظهيرة ؟ ذهبنا علي متن حاملة عراقية ونزلنا علي ذلك التل.صعدت علي فوق ذلك التل. رأيت فريق ركن عراقي و عرفت له نفسي وقلت له أن قادئنا قال إذا ما تراجعتم للخلف سنفعل ذلك نحن أيضاً وستحل المشكلة حينها.قال لي: لايمكنني أن أتخذ قراراً حول ذلك الأمر، اجلس هنا حتي أتحدث مع بغداد حول هذه القضية. لقد تحدث إليهم وشعرت أنه ناور وراء الهاتف. مرت عشرة دقائق و قلت له بعصبية لقد توقف إطلاق النار،حدد مصيرنا حتي أذهب من هنا. استاء من كلماتي هذه و أمر الجنود العراقيين أن يضعوني في مخبئ. لقد جلست برفقة صديقي الذي كان يحمل جهاز اللاسلكي في المخبئ و هاتفت قائد الفيلق وقلت له أنا حالياً عند قائد الفيلق العراقي، عليكم أن تبدأوا نقل معداتكم إلي ماوراء النهر حتي أقول له أن قواتنا بدأت تنتقل إلي ذلك الجانب من النهر و ستحل هذه القضية. ذهب بعد ذلك قائد فيلقنا إلي قائد القوات العراقية و قال لهم أن قائد لواءنا الآن جالس مع قائد لوائكم و قال عليكم أن تذهبوا إلي ذلك الجانب من النهر، قال العراقيون إن الحرب قد انتهت، ليس لدينا أي شيء نفعله، إذهبوا إلي الجانب الآخر من إلى النهر. قال قادة لوائنا إنه ليس لدينا وسيلة للذهاب إلى الجانب الآخر من النهر، علينا أن نأخذ شاحنات عراقية وننقل الجنود الإيرانيين  إلي هناك. كان عددنا ما يقارب الـ 2100 شخص حيث ذهب حوالي 1400 شخص علي هذا المنوال. هناك شاحنة كانت تقل قواتنا، استوقفتها دبابة عراقية و قالوا أن يأخذونهم إلي داخل الأراضي العراقية حيث كنّا هناك قبل هذا الأمر. عندما كنت فوق التل، سمعت حديث باللغة الفارسية. نزلت و رأيت أن حوالي 30 إلي 40 من مقاتلينا وكان شقيقي بينهم ، يصيحون و يقولون ما هذه الأوضاع؟ لقد إنتهت الحرب. لقد انخدعنا هنا والحق يقال. قال قائد اللواء اذهبوا نحو مقر الفيلق العراقي، لم نفعل بكم شيئاً. لقد ركبنا الشاحنة و ذهبنا إلي هناك. قال لي قائد اللواء و ما الذي حدث معكم؟ قلت له: لم يحصل أي شيء. قال قائدنا إذا ما رجعتم إلي الوراء سنفعل نحن ذلك و سينتهي الأمر. قال لي هل أقمتم الصلاة؟ قلنا له : كلا. قال ضعوا ما معكم هنا و اذهبوا نحو الحمامات و توضوا و أقيموا الصلاة، لا نطلب أكثر من ذلك. نحن وضعنا معداتنا و ركبنا الشاحنة لكي نذهب نحو الحمامات لكي نتوضئ و لم يسأل أي شخص عن سبب ركب الشاحنات لكي نتجه للمرافق والحمامات؟! ركبنا الشاحنات في تمام الساعة 3 ظهراً و وصلنا مدينة العمارة في الساعة 2 ليلاً! قاموا باستجوابنا لحوالي 48 ساعة وسألوا: ما الذي حدث؟ قلنا: نقسم بالله لم يحدث شيئاً، قال قائدنا أن تتراجعوا للخلف حتي نفعل ذلك نحن أيضاً وستحل المشكلة! لم يصدقوا هم ذلك و ارسلونا إلي سجن الرشيد في بغداد و قاموا باستجوابنا لحوالي 40 يوماً وسألوا: ما الذي حدث هناك؟ قال قائدنا أن تتراجعوا للخلف حتي نفعل ذلك نحن أيضاً وستحل المشكلة. لم يقبلوا بذلك وارسلونا إلي مدينة تكريت و بالتحديد مخيم الـ 19 في تلك المدينة و استغرق الأمر 25 شهراً لكي يفهم العراقيون أنه قال قائدنا أن تتراجعوا للخلف حتي نفعل ذلك نحن أيضاً وستحل المشكلة.لقد ذهبنا في 23 من أغسطس لعام 1988م و في 12 من سبتمر أدركوا أن قائدنا قال أن تتراجعوا للخلف حتي نفعل ذلك نحن أيضاً وستحل هذه القضية».

كان لدينا قائداً يطلق عليه القائد :«حسين ياسيني» حيث الآن أصبح طاعناً في السن.عندما قرأ رسالة صدام في 24 من أغسطس، قام بإنشاء تل صغير داخل المخيّم. كان لدينا عقيد يمتلك خطّاً رائعاً و مذهلاً، طلب منه أن يرسم علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. قام العقيد برسم ذلك العلم و ذلك القائد، قام ببذر بعض النواة من الخضار الموجود هناك علي ذلك العلم و سقاه من المياه. كان العراقيون يقولون أن الخضار الذي زرعتموه و سقيتموه يحتاج لأربعة أو خمسة أيام كي ينمو،هذا الشيء لن يبصر النور بالتأكيد. قال الأمير : إذا ما صبرتم سيكون شيئاً جيداً لاسيما سيبقي كذكري لكم. تقريباً في يوم 20 من سبتمبر،عندما أردنا مغادرة المخيم مع الأمير ياسيني، أخضر ما تم زرعه علي ذلك التل و بقي رمز الجمهورية الإسلامية منحوتاً عليه. من داخل الباص قلنا للعراقيين أنه عليكم سقي تلك الخضار حتي يبقي شيئاً جميلاً».

ثلاث مرات أراد قتلنا ، ولكن ...

إستمراراً برنامج ليالي الذكريات، قال السيد محسن فلاح:«كانت عملية فتح المبين آخر عمليات شاركت فيها. في الليلة الثانية، في عام 1982م، في حوالي الساعة 11 ليلاً، نحن و من خلال تلك الخطوط الأمامية التي قمنا من قبل في تحديدها، تسللنا بشكل مفاجئ داخل الجبهات العراقية. كانت كتيبتنا هي كتيبة حمزة سيد الشهداء من لواء 27 محمد رسول الله (ص)، قائد اللواء كان الحاج أحمد متوسليان، ومسؤول المقر الشهيد همت، قائد كتيبتنا السيد رضا جراغي وهدفنا كانت المدفعية التي تقصف مدينة دزفول. لقد وصلنا إلي هدفنا و اجتازناه. طلبوا منّا أن نرجع إلي الخلف حتي تصدر الأوامر الجديدة من القادة. قمنا بالعودة إلي الخلف. قالوا لنا عن طريق اللاسلكي أن الأخوة غير المرهقين،عليهم أن يأتوا إلي تلال الشوش برفقة باقي المقاتلين.

علي أية حال وصلنا إلي مدينة الشوش. وصلنا في حوالي الساعة 1:30 حتي الـساعة 2 ليلاً حيث وجدنا معظم أخوتنا استشهدوا. من الساعة 12 ظهراً  إلى الساعة 12 ليلاً استشهد حوالي 1300 شخص .كان يخرج من تحت كل شجرة حوالي 120 حتي 150 مصابا وبعد ذلك يستشهدون علي إثر اصاباتهم البالغة. كانوا يختبئون تحت الأشجار كثيفة حيث لا تبان دمائهم، وبمجرد خروجهم من هناك تنزف دمائهم و ينالوا درجة الشهادة الرفيعة.كانت هناك والدة توزع الخبز الحار علي المقاتلين. عندما انتهت من توزيع الخبز، جاءت لكي تساعد طبيبنا. قالت بلهجتها الخوزستانية هل يمكنني تقديم المساعدة؟ قال لها الطبيب: نعم يمكنك ذلك، أخي هذا يقوم بمسك رأس المصاب و أنت عليك بمسك كتفه.كما كانت أرجل ذلك المصاب بيدي. قالت تلك الأم أين أضع عبائتي؟ قال لها الطبيب: ضعيه إلي جانب باقي أدواتك، عندما ينتهي عملك، خذيه و أضعيه علي رأسك ثانية.عندما أرادت تلك الأم أن تأخذ عبائتها، مسك ذلك المصاب ذيل عباءة تلك المرأة وقال لها:« أنا أصبحت بهذه الحالة لكي لا تسقط العباءة من علي رأسك، دعيني أموت و لا تسقط عبائتك من علي رأسك!» قال هذه الكلمات و استشهد.

في اليوم الرابع من العمليات كان من المقرر أن نشن هجوماً علي سهل عباس. كان سهل عباس يعتبر منطقة مدرعة لدي العراقيين. حيث كانت هناك ذخائر كبيرة من السلاح. كأنما كانوا يقومون بتوزيع السلاح إلي باقي المناطق. قالوا لنا: إذا قامت هذه الكتيبة بسد الجناج الأيمن، ستتقدم قواتنا إلي الأمام. أعلنت كتيبتنا عن استعدادها التام حيث قال الحاج أحمد متوسليان أن الإعلان عن الإستعداد لهذا الأمر بمعني أن تصبحوا أرباً إرباً، لكنا أعلنا عن كامل جهوزيتنا للقيام بذلك. هاجمت كتيبة حمزة سيد الشهداء القوات العراقية في الصميم في تمام الساعة 6 صباحاً في صبيحة 24 من مارس لعام 1982م. كما قالوا من قبل، ذهبنا نحو الجناج الأيمن للعدو. من الساعة 6 حتي الساعة 9:30 صباحاً اشتبكنا معهم و استطعنا أن ننقذ حوالي 90 شخصاً ومجروحاً من ضمنهم السيد رضا جراغي الذي أصيب في ذراعه و وجهه وأن نرجعهم للخلف. عندما لاحظ العراقيين بعدم وجود قوات تسندنا من الخلف، قاموا بتضييق حلقة الحصار علينا. في تمام الساعة 9:35 أصبت بطلقة في قدمي اليمني وانشلت علي إثرها قدمي من الركبة. كانت حقيبتي علي بطني ولم أرَ شيئاً. كنت أظن أن قدمي صعقت بتيار كهربائي. عندما كنت أركض رأيت أن رجلي تسحب علي الأرض ووقعت. كانت يد العراقيين مفتوحة بشكل يمكنهم إطلاق رصاص الآربي جي علي كل واحد منّا. عندما وقعت علي الأرض، رأيت من بعيد أنهم يطلقون رصاص الآربي جي نحوي فقط. عدت و نظرت، رأيت أنه لم يبقَ أي شخص من أفرادنا والكل قد استشهد. سحبت نفسي تحت الجسر. سمعت صوتاً يأتي من هناك. نظرت إليه. كان أحد مقاتلي كتيبتنا يسمي نعمت هوشيار و يصيح قائلاً: أخي فلاح، تعال لنذهب. أنا و قبل إنطلاق العمليات ذهبت و وقفت أمام ضريح العباس في سهل عباس وقلت له: أطلب لي من الله إذا كان من المقرر النهاية، فالتمر علينا دون ألم. ذهبت نحو نعمت هوشيار و أتيته زحفاً. بعد أن زحفت نحوه بلحظات، رأيت أنني مصاب بطلقة في أنفي. كان أنفي موصول بقطعة جلد فقط. كان معلقاً و ينزف دم بشدّة. فتحت كوفيتي و وضعتها عليه، لكن لايمكن الوقوف أمام تدفق الدم. ذهبنا قليلاً إلي الأمام و رأينا العراقيين يأتون نحوننا من الجهة الشمالية ويخلصون علي الجرحي بطلقة لكي يستشهدوا. يطلقون الرصاص علي المصابين و يدفنونهم بالجرافات. عندما وصلوا إلينا أطلقوا رصاصة علي نعمة هوشيار و استشهد علي إثرها، نعمت هوشيار الذي كان يقول: إلهي لديك جلال و جمشيد، كل ما لديك، لاتسمح لي أن أقع بيد هؤلائ...! لقد صرخت عليه و كلمته بالعربية قائلاً: يا ايها الكافر!لاتطلق الرصاص و نحن غير مسلحون. التفت العراقي لي ووضع البندقية علي وجهة و قال : أراك متمرداً، سأطلق النار عليك و في الحقيقة أطلق نحو 12 رصاصة في صدري، حيث كسرت العمود الفقري و خرجت من ظهري. أنا وقعت علي الأرض و رأيت الجرافة تتجه نحوي لكي ترمي التراب علي. بيدي هززت جسد نعمت الله و ناديته، لكنه استشهد. في هذه الأثناء، أصيبت الجرافة بقاذفة و دمّرت بالكامل. سقط التراب الذي كان في الجرافة و أنا دفنت داخله حتي العنق، كان رأسي و إحدي يداي خارج من التراب.

كنت افقد الوعي واستيقظ باستمرار. في تلك اللحظة قلت أنك استمعت لنعمت الله،عليك أن تستمع لي أيضاً.كان نعمت الله يقول أنهم أخرجوه من جوادية، لكن بعد مرور شهر فقط حملوه كشهيد فوق الأيادي. لقد بقيت لغاية غروب الشمس تحت التراب و عندما أراد العراقيون تطهير المنطقة، يركلون كل الجثامين، إذا كان شهيداً أو حياً، من خلال أنين الأشخاص يدركون أن ذلك الشخص مات أو لازال حيّاً. لقد ركلوني و أنيني كان يتصاعد. أخذوني معهم، كانوا يضربوننا بشتي أنواع الآليات التي يمتلكونها. جاء مساعد صدام و قال لاتأخذونهم إلي الخلف، اقتلوهم هناك. أخذونا علي متن شاحنة إلي الخطوط الخلفية و كبلوا أيادينا و أرجلنا حتي يقوموا بقتلنا بعيداً عن عيون جنودهم. عندما ذهبت تلك الشاحنة العسكرية قليلاً إلي الأمام،ا صطدمت بمدرعة. أصبح أنبوب الدبابة مانعاً لحركة الشاحنة و بقينا معلقين. بقينا حوالي ساعة أو ساعتين علي ذلك الوضع نصرخ حتي جائت شاحنة عسكرية أخري ونقلتنا من ذلك المكان.عندما كانوا يأخذوننا إلي الخلف، نظرت إلي هؤلاء الأشخاص الذين يريدون قتلنا فوجدتهم مقتولين.ارسلونا إلي حدود منطقة الفكة. رأينا صدام هناك يقود المعركة. كانت هناك كاميرا تصور ما يحدث. قام صدام بدفع أحد الجنود ليضعنا داخل سيارة الإسعاف. قلت للذين معي أن نصرخ حتي لايقوموا بتصويرنا.علي أية حال وضعونا أمام الكاميرات و صورونا و بعدها وضعونا داخل سيارات الإسعاف و أنزلونا علي بُعد خطوات فقط.لاكنّا حوالي 170 إلي 180 شخصاً. كبّلونا علي دبابات محترقة علي شمالي لقد استشهد حوالي 10 أشخاص. عندما وصلوا إليّ، قلت بصوت عال:  قال الله تعالي في ‌كتابه الكريم «واِذَا المَوؤُدَةُ سُئِلَت، بِاَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت».كان هناك مضمداً يبدو إنه ضابطاً فتح يده أمامي وقال لاتقتلوه.إنه يتلوا القرآن الكريم. سأل هل هم يقرأون القرآن الكريم أيضاً؟ قلت له : كلنا مسلمون. القرآن في صدورنا.علي أية حال إنهم غضوا النظر عن قتلنا...بعد ذلك الأمر نقلونا علي متن سيارة إلي مدينة العمارة. قطعنا مسافة 60 كيلومتر بين العمارة والفكّة. في العمارة أخذنا إلي مدرسة هنا. في الإستجواب كان إسمي مشابهاً لضابط في الجيش الإيراني. كان الجنود يقولون أن الضابط فلاح هو قائدنا حيث يظن أني الضابط فلاح. لقد عرض عليّ خلال التحقيقات نجمتين و سألني ما هذا؟ قلت : هذه مؤشرات الضباط.. قال بعد ذلك: في الحقيقة إنك ضابطاً في الجيش. قلت: لأنني أعرف هذين النجمتين فأنا ضابط؟ لقد وضعوا النجمتين زوراً وبهتاناً علي كتفي و أصبحت ضابطاً من منظارهم. كان يريدون مني معلومات عسكرية و أنا لست متبحراً في ذلك. لقد حكموا عليّ بالإعدام رمياً بالرصاص. ذهبوا بنا إلي القرب من الساتر. وراء الساتر كان عدة أشخاص مصطفين. قاموا بتكبيل يداي وعيناي و أرادوا تنفيذ قتلي بالرصاص من الخلف.عندما انتهت عملية إطلاق الرصاص رأيت أنه لم أصب بأي رصاصة من رصاصاتهم. قلت للشخص الذي كان إلي جانبي هل أصبت بإطلاق نيرانهم؟ قال : كلّا. سألنا بعضنا البعض ورأينا أنه لم يتم إطلاق النار على أحد. في الوقت نفسه، وصلت طائرتان إيرانيتان وهاجمتا المعسكر. بمساعدة من كان جنبي، فتحنا أيدينا وقدمينا. نظرنا حولنا ورأينا لا يوجد أحداً. نظرنا إلى ظهورنا ورأينا  أن الأشخاص يقفون على مسافة 500 متر منّا ، مشيرًا إلى أننا يجب أن ننظر تحت أقدامنا. نظرنا ورأينا أن الجنود العراقيين الذين كان من المفترض أن يقتلونا قد ماتوا جميعاً. بعثونا إلي المخابرات في بغداد. أخذنا إلى المخابرات في بغداد. كان هناك عقيد حكم عليّ بالإعدام في العمارة. كان حوالي 1200 إلى 1300 شخصا. جاء وألقى نظرة على الأسماء ورأي أنني واحد من الشخصيات المحكومين بالإعدام. أمر بأخذنا و تنفيذ الحكم علينا بشكل عاجل. بعد ذلك اقتادوا عدداً من الأشخاص إلي ساحة علي مايبدو كانوا يربطون الخيل فيها. أخذونا و كبلونا بأعمدة الإسطبل ووضعوا كيساً علي رؤوسنا. في ذلك الوقت تمنيت الموت حقاً لأنني جزعت كثيراً من تلك الأوضاع العصيبة التي مررت بها. كنت جاهزاً للموت، سمعت صراخ مهيب. وسمعت بعدها سقوط شخص. سألت أحد الواقفين بجانبي: هل أنت بصحة و عافية؟ قال : نعم...قبل أن ينتهي حديثي معه سمعت صراخ شخص آخر. سألت ثانية و قال أنني لازلت حيّاً. في هذه الأثناء و عندما كنت أحدث هذا الشخص، جاؤوا و نزعوا الكيس من رأسي و فكوا وثاق يدي و قدمي و عيني حيث سقطت أرضاً. الجندي العراقي قال لي بلغة غير مفهومة إلي حد كبير أن أذهب نحو باقي الأفراد.أثناء عبورنا، رأينا أن وراء الجدار من الركبة إلي الأسفل أرجل شخصين و بأرجلهم بسطال بشكل واضح. قلت هل هؤلاء ميتيين؟ قالوا: كلا أنهم أحياء و أوصلونا رويداً رويداً نحو باقي الأفراد. ذلك العقيد أرسلنا ثلاث مرات إلي الإعدام بهذا الشكل، في المرة الثانية التي بعثنا نحو الإعدام و أرادوا أن يضعوا كيساً علي رؤوسنا، قلنا لهم أقتلونا بأي طريقة تريدونها ولا حاجة لوضع الأكياس علي رؤوسنا. رفع ضابط عراقي رأسي ووضع مسدس على حلقي وقال هل تريد أن أقتلك؟ بمجرد أن تحدث هكذا، رأيت أنه سقط على رأسه. سألت الشخص الذي لا أستطيع رؤيته جيداً هناك، ماذا حدث؟ قال: سقط أرضاً ودخلت السكين في عنقه. قلت من ضربه؟ قال : لا أدري. جاء الجندي مرة أخرى وأخذنا إلى القاعة، وجاء العقيد ورأي أننا ما زلنا أحياء .قال للمترجم: يخافون من قتلهم أم يرحمونهم؟ قلت له أنهم لايخافون من قتلنا و لايمتلكون أي رحمة في قلوبهم، حتى الآن، كل من يريد أن يقتلنا قد مات هو، وكنت متأكد أنه إذا أطلق النار في اللحظة نفسها، فسوف يموت. قلت: إذا كنت لا تصدق، جربها بنفسك وقرأتُ عليه واحدة من آيات سورة ياسين، حيث قال الله سبحانه وتعالي:« اِنَّما اَمرُهُ اِذَا اَرادَ شَيئًا اَن يَقُولَ كُن فَيَكونُ» فجأة ارتعدت يداه و رجلاه و طفحت عيناه و هرب علي ركبتيه خائفاً. سألني احد الأخوة ماذا قالت له يا أخي أنه خائف جداً؟ قلت: لم أكن أعرف بالضبط ما قلته له، لكنه فهم تماما ما قلته. في اليوم التالي وضعونا في غرفة وبعد يومين أخذونا إلى بغداد كأسري. كنا في الغالب مصابين بجروح بالغة. وضعوا في كل مركبة عسكرية ستة أشخاص واستشهد شخصان في سيارتنا. كان بإمكان الجيش العراقي أن يأخذ ما لا يقل عن ثلاثة آلاف أسير في عمليات الفتح المبين وبيت المقدس. بإختصار اطلقوا النار علينا و سقطنا أرضاً و تم أسرنا من قبلهم. كما قاموا بعد ذلك بخلع ملابسنا. قمت بحركة ما وفتحت زر ملابسي، لأن ملابسي كانت جديدة و وضعتها في زاوية بالقرب منّي. تم القبض علينا في النهار حيث قامت القوات الإيرانية بتحرير ذلك المكان في الليل. كان أحد الجنود قد شعر ببرد قارس و لبس ملابسي. علي إثر إصابة شظايا القاذفة في جبينه من ناحية اليسار، استشهد ذلك الشخص و حسن مداحي الذي عثر علي جثته و يعرفني جيداً، رأي أن داخل جيبه بطاقتي الشخصية و لقد كتب علي الملصق الذي كان علي صدري إسمي أيضاً. تم إلقاء القبض علي في الرابع من آذار (مارس( حيث شيّع جثماني في شهريار و حيينا في 12 عشر من آذار (مارس). كانوا واثقين من وجودي. يقول أبي أنني مسحت صورتك لثلاث مرات و رأيت أنك لاتزال حيّاً. كما يقول عمّي أنني شاهدت الجثمان لعدة مرات و لايشك أحد في استشهادك و لغاية الآن لم أصدق أن تلك الجنازة لم تتعلق بك. جئت إلى الحيّ في الأول من أيلول / سبتمبر ، ولم يصدق أحد بأنني عدت ثانية حيث ذهبت و أنا وزني كان 72 كيلوغرام وعدت و وزني  أصبح42 كيلوغراماً فقط. عندما عدت ثانية، رأيت غبار الألم علي وجه أمي بسبب فقدان أخي الأصغر مني سنناً. التفت نحو أمي و قلت لها إنك البطلة الحقيقية نحن لم نفعل شيئاً.قالت لي أمي : أنت فخرنا و تاجنا».

و في نهاية الحفل أزيح الستار عن كتاب «من ارتدى ملابسي» (چه كسي لباس مرا پوشيد) والذي يتضمن ذكريات المحرر من الأسر السيد محسن فلاح بقلم محبوبة شمشيركرها. كما قالت السيدة محبوبة شمشيركرها أن الغرض من تأليف هذا الكتاب هو أن نأمل في العثور على هوية الشهيد الذي لبس ثوب محسن فلاح ودفن الآن باسم الشهيد  المفقود في منطقة شهريار من توابع مدينة طهران. لقد عُقد برنامج ليالي الذكريات في نسخته المئتين و الرابعة والتسعون حول ذكريات الدفاع المقدس، مساء يوم الخميس، الموافق 23 من آغوست لعام 2018م في قاعة سورة الفنيّة. كما سيقام البرنامج الآتي في يوم 27 من شهر سبتمر.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 51


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر
نظرة علي كتاب « خطر سقوط الإنهيارات الثلجية»

ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب

«خطر سقوط الإنهيارات الثلجية: ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب» ، صدر الكتاب الرابع تحت عنوان  موضوع دراسات الحرب عن مجموعة  كتاب هابيل. وصدر عن دار آرما للنشر في إصفهان حديثاً (بهمن 1396) للكاتب محسن حسام مظاهري. وأوضح مؤلف الكتاب في المقدمة أنّ: «مذكرات كتب الحرب هي أكثر الأعمال عدداً من حيث الأرقام والأعمال التي كتبت ونشرت من أي وقت مضى حول موضوع الحرب بين إيران والعراق». كل عام، يتم إنتاج عدد كبير من المذكرات الجديدة في أشكال مختلفة