قالت خديجة عابدي عن أشهر الحرب المفروضة الأولى

سفر فتيات خرمشهر الذي لا يُنسى

فائزة ساساني
ترجمة: أحمد حيدري مجد

2017-09-29


أُسس مكتب القرآن خرمشهر، كأول مركز ثقافي للنساء في مدينة خرمشهر ويصل تاريخ نشاطه إىل قبل انتصار الثورة الإسلامية.بعد انتصار الثورة الاسلامية وبداية الحرب المفروضة، لعبت سيدات هذا المركز، في الأيام الأولى من الحرب، دوراً مهماً في الدعم. وللتعرف عن قرب على المركزحاورنا مؤسسة ومديرة المركز سابقا السيدة خديجة عابدي. وفي حوارها تتطرق إلى الكثير من الأمور ومنها المهمة التي أوكلها بها الشهيد جهان آرا.

متى تأسس مكتب القرآن في خرمشهر؟

تأسس في زمن الطاغوت. لكن لم تكن نشاطاته بصورة رسمية، وتقوم بعض النساء بنشاطاتهن وبرامجهن في المساجد والحسينيات. قبضوا على منزلين مخصص للأخوات حيث يقمن فيه نشاطاتهن. كان الناس يتركون منازلهم لمركز القرآن وفي الواقع كانت كل نشاطات المركز بدعم شعبي. أجرّ البناء الواقع في شارع 40 متري آيةُ الله موسوي، إمام جماعة مسجد جامع. آمن الاخوات أنّ الجلسات الدينية والمراسم يجب أن تكون بقرب الناس ويجب أن تنشط المساجد والحسينيات لعموم الناس ومركزها هو هذا البناء. ولأنّ البعض محدود بحركته، فقد كان سكان المدينة متعصبين والعوائل متشددة، ولذلك إضافة للمركز كانت هناك نشاطات في المساجد والحسينيات.

إضافة للنشاط القرآني، كانت هناك برامج أخرى مرافقة؟

بل برامج كثيرة. فإضافة للنشاط القرآني ةتفسيره ونهج البلاغة، كانت هناك الأحكام والعقائد. وهناك صفوف دراسية حوزوية وتدرس النساء الأدب العربي. ذهبنا في مرة أنا مع بعض الأخوات إلى أحد علماء المدينة ونقلنا نفس ما تعلمناه للأخوات. في الأعياد والمناسبات كانت لدينا برامج. حتى الخدمات الاجتماعية كانت جزء من برامجنا. وأذكر هنا أنّ المركز كان أول مركز ثقافي نسوي في خرمشهر. حتى تعبئة الأخوات جاءت فيما بعد. جاء قائد الحرس وقال لي: "نريد اعداد تعبئة الأخوات". ورشحتُ له السيدة حورسي.

نظراً على اصراركم أن تكون النشاطات قريبة من الناس، هل كنتم تذهبون للقرى؟

نعم. في الزمن البهلوي، تذهب عضوات المركز في الاسبوع مرة إلى آبادان وأهواز وشوش دانيال. وكانت الأخوات مهددات من الساواك ولذلك أخذوهن عدة مرات.

نظراً للظروف المحتدة التي حكمت البلاد، كيف أقمتم البرامج السياسية؟

كمثال في اطار الفنّ، كان لديهم نشاط سياسي ويعرضون مسحرية في حسينة مشهورة ويستقبلها الناس جيدا. على الظاهر يمثلون دور أبو جهل، ولكن في الباطن ينتقدون الشاه وسياساته. في نفس اليوم وجه الساوام تحذيرا لصاحب الحسينية لانهاء المسرحية.

وكيف كانت النشاطات بعد الثورة؟

نشطت كل الاخوات في فترة انتصار الثورة الاسلامية. مع انتصار الثورة، توسعت النشاطات. بالطبع في محافظة خوزستان، وفي خرمشهر، قبل بداية الحرب، عبرنا من فتة خلق عرب. كان لمركز القرآن دور كبير في اطفاء هذه الفتة في خرمشهر. من خطط لضرب مسؤلين النظام، تجمعوا في منزل أحد العلماء. كانت المركز له حالة وساطة. تحدثنا مع من انخرط في هذه القضية لنحد من الخلافات. واحيانا ندعو بعض المعارضين ويأتون مسلحين وبسيارات الجيب ونتحدث معهم.

متى تزوجت الشهيد مهدي آل بوغبيش؟

تزوجنا العام 1979 وعشنا بعدها في أحد غرف المركز. أردنا تأجير منزلا، ولكنه قال: "برامج المركز تبدأ في الصباح الباكر. وعلى ذلك نسلمهم الايجار ونستخدم إحدى غرفه".

 

حديثنا عنه قليلا.

كان الشهيد أل بوغبش من الشباب النشطين. طالب جامعي ومعلم ونائب شورى المدينة ويعمل في النيابة. مثقف جدا وباحث ولديه معلومات كثيرة. جمع أرشيفاً من الصحف المؤيدة والمعارضة. لقبوه بأبي ذر خرمشهر. يدعونه لمناقشة المنافقين والشيوعيين والعاطلين عن العمل.

حين جاءت الحرب كان المركز من أول الأماكن التي غيرت عملها لخدمة الدفاع المقدس والقوات المدافعة، ماذا كانت برامجه؟

قالت الاخوات: "من وظائفنا البقاء في المدينة والدفاع عنها". المخازين التي أحضروها من بقية المدن ينزلونها في مكانين، مسجد جامع ومركز القرآن. تأتي شاحنات كبيرة وتنزل حمولتها. نوقع ونختم على الأوراق التي تثبت وصول المؤن.

من أيّ المدن كانت تأتي في الاكثر المواد الغذائية؟

شيراز وطهران وبقية مدن خوزستان ومن أطراف خرمشهر.

ما هي البرامج الاخرى للمركز في فترة الحرب؟

الطبخ والاسعافات كانت ضمن أعمالنا. طلب منا الشهيد آل بوغبيش أن نعدّ الخنادق لكي تكون حاضرة حين عودة المقاتلين. كانت عملية ملئ الأكياس بالحصى والتراب صعبةً جدا. من أعمالنا الاخرى حراسة مخازن الأسلحة والعتاد. في أيام الحرب الاولى قصف البعثيون معسكر دج. اشتعلت نار كبيرة واستشهد البعض منا. كان عتاد كبير فيها. جاء الإخوة وقالوا: "الأخوات لنذهب ونحضر العتاد من معسكر دج". وذهبنا. كان بعض الجنود يعودون لمدنهم طلبوا منا اقناعهم بعدم التراجع. قالوا لنا: "من الممكن لو رؤوكن أن يتراجعوا عن رأيهم". كان حضورنا مؤثرا. قلنا لهم: "لا تتراجعوا". قالوا لنا: "يا أختي، هل ترين عدد القتلى". منعنا تراجعهم وإذا كان هناك من يصر على التراجع نأخذ بندقيته. وكان بيننا منافقون يطلعون البعثيين على ما يحدث. يأتون لمعسكر دج لأخذ الأسلحة وأخذها لمدن أخرى لاحداث حرب شوارع. ولخيانة أبو الحسن بني صدر، رئيس الجمهورية في تلك الفترة، أثر كبير مع قلة الأسلحة، أكثر أسلحة المدافعين بنادق خفيفة. لذلك طلبوا منا صناعة قنابل المولوتوف. كان بناء المكتب بجانب مقر حزب الجمهورية الإسلامية، هدمنا الجدار وأعدنا القنابل الحارقة وسط الساحة.

كان بناء المركز في شارع 40 مترا وهو معرض للخطر أكثر. ألم يقلقكم خطر الاصابة وانفجار قنابل المولوتوف؟

نعم صحيح. ولكن ليس هناك مكان آمن في خرمشهر. لأنّ العراق حاصر المدينة. وكما قلت كان يكفي اصابة القنابل لكب تنفجر ونهلك ولكننا اعتمدنا على الله. لم يكن أحد يخاف الموت. في إحدى المرات أصابت المركز قذيفة ولكنها وقعت في أكياس الطحين! وقال الشخيد آل بوغبيش: "في الخط الأمامي حين رأينا ذرات الطحين في السماء عرفنا أنهم قصفوا المركز القرآني". وفي مرة أطلقوا الرصاص على المركز وظاهر أنه من أعمال الطابور الخامس.

كم عدد النساء في المركز القرآني؟ ألم يود أهاليهم أخذهن معهم؟

تعاون معنا عدد كبير من النساء. صحيح، جاءت عائلة شهناز محمدي زادة ليأخذوها فقالت لي: "تريد عائلتي أخذي. أرجوك لا تدعيهم يأخذوني". قلتُ: "حسنا". حين وصلت عائلتها قلت لهم: "إسمحوا لها بالبقاء. من المهم بقاؤنا الآن في خرمشهر". وسمحوا لها.

في اليوم 30 سبتمبر 1979  من أيام الحرب الأولى هي نفسها التي استشهدت شهناز محمدي زادة وشهناز حاجي شاه، تحدثي لنا عنهما.

كانتا نشطتين في المركز القرآني قبل الثورة. خاصة شهناز كانت نشطة جدا وذكية ومؤمنة. وضع كل وقتها للمركز. سعت أن تدخل الفتيات في المركز. كانت طباخة ماهرة وتطبخ من الصبح للمساء. وحين قلنا: "المسؤلية كلها تقع على عاتقك" تجيبنا: "هذه عبادة".

هل تذكرين يوم شهادتهما؟ كيف حدثت؟

كنا في تلك الأيام سوية. لكل واحدة منهما شخصية. كان الغذاء الواصل لنا قليل، فوضعت الاخوات لهن قوانين بعدم أكل البعض منها مثل الفواكه والمعلبات وارسالها للإخوة في الخط الامامي. في ذلك اليوم قالت لي شهناز محمدي زادة: "سيدة عابدي هل يمكنني الأكل من هذا التفاح؟" قلتُ: "ولمَ لا؟ هنيئا، أنتِ من وضع هذا القانون!" قالت جملة لم أفهمها في تلك اللحظة. قالت: "هذه آخر فاكهة أتناولها!" قلت: "ماذا تعنين؟" ابتسمت. صباحا حين اجتمعنا على المائدة قالت مرة ثانية: "هذا آخر افطار اتناوله!" مزحوا معها قائلين: "ماذا حدث؟ هل وصلك خبر!" ضحكت شهناز مرة أخرى. اتجهن كل واحدة حيث مهمتها. رأيتُ شهناز تجلس على صندوق فاكهة وأمامها بضعة مناديل ورقية وتكتب عليها. كنت أريد الذهاب لمسجد جامع. قلتُ: "الجلوس هنا خطر". ابتسمت مرة أخرى. كانت شهناز طيبة، ولكن في ذلك اليوم امتزجت طيبتها مع شيئ آخر. ذهبتُ لمجسد جامع وعدت، رأيتها مازالت في مكانها. ظننت أنها غير مرتاحة من شخص. قلت لها: "مازلت هنا؟ هل هناك احد مسك بسوء؟" قالت: "لا، أنا لست متأذية من أحد".

أحضرت سيارة غذاء من أحد المدن. نادينا على الاخوات ليخلوا السيارة. أوشكن على النهاية حين قصف البعثيون. كانوا يعرفون المناطق التي فيها تجمعات. اتجه الجميع للخنادق.

السيدات منا حين يجلسن دون عمل يبدأن في المناقشات العلمية. قالت إحدى السيدات: "أنا أسأل وانت أجيبي". وسؤالها هو: "لماذا علينا دفع الخمس؟" قالت شهناز لي: "سيدة عابدي أنت درستنا هذا الدرس. هل تسمحين أن أجيبها؟" أجابتها وشرحت فلسفة الخمس. قصف العراقيون مرة أخرى المدينة. قصفوا مكانا قرب مسجد جامع. نهضت شهناز وقالت: "دعونا نذهب للمساعدة" كانت تطلب منهم المساعدة حين قلت: "لا تذهبن، الوضع خطر، لا أحد هناك". ورأيت شهناز حاجي زادة تنهض أيضا! وقعت القذيفة بينهما. كان منظرا صعبا. كانتا من أفضل بناتنا.

لم يكن لدينا سيارة. جاءت سيارة بيك آب من الشارع المقابل. أركبناهما في السيارة واتجهنا للمشفى، ولكن فقدا الحياة. في الليلة السابقة ذهبتُ مع شهناز حاجي زادة للسطح، كان الهواء حاراً ولم يكن لدينا مروحة. زحفنا زحفا. الوضع خطر. قلت: "لقد عطشنا. كيف سننزل في هذا الظلام؟" قالت شهناز: "لا مشكلة سوف أحضر الماء". رأيتها تحت ضوء القمر ترتدي ثيابا جميلة. كانت أنيقة وفنانة ومتدينة. كنا نمزح كثيرا. قلتُ لها مازحة: "يا سيدة شهناز كأنّ هذه الثيابـ ثياب عروس". وكانت ثياب الشهادة. قالت: "نعم، هذه الثياب جديدة الليلة ارتديتها". وضحكت. في اليوم الثاني استشهدت ورأيت ثيابها ممزقة، في الحقيقة هذا كفنها.

حتى متى كنتِ في خرمشهر؟

كنا آخر فريق يخرج من المدينة، بعد شهادة آل بوغبيش.

متى استشهد؟

 

14 اكتوبر 1979.

هل كنتِ حتى ذلك الوقت في المدينة؟

نعم. حتى أنّ الكثير من الإخوة غادر. جاء الإخوة في الحرس وقالوا: "لقد نقلنا مقراتنا إلى تلك الجهة من الماء. لا يمكن البقاء هنا". كانت المدينة تسقط. كانت الاخوات شجاعات مهما قلت لن أصف شجاعتهن. لا يخافن ويرين أنّ بقاءهن في المدينة أكبر عبادة. لذلك قالن: "لن نغادر. نريد الحفاظ على المدينة".

رحم الله الحاج شيخ شريف قنوتي. أحضر عدة رشاشات. قالت الاخوات: "سوف نبقى وندافع عن المدينة بالرشاشات". قال الحاج: "لا تستخدموا هذه الأسلحة، لو أطلقتوا النار سوف تظن قواتنا أنكم العدو ويطلقون عليكن النار". قلنا: "سوف نستخدم المولوتوف". وأخذونا بالقوة.

كلما ذكرت اليوم الأخير في مدينة خرمشهر، ما الذي يتداعى لذهنكِ؟

يوم حزين. النار والدخان في كل مكان. في نفس اليوم مات آل بوغبيش. أذكر حين أردنا الرحيل قالوا: "خذوا كل ما تحتاجونه". لم يأخذ أحد سلعة قيمة. ولأنّ زوجي استشهد أخذت ألبوم الصور. لم يكن لديّ الكثير من الذهب، ورغم ذلك لم آخذه، والبقية فعل ذلك، لم نكن نرى العالم.

هل ذهبتم إلى مدينة آبادان؟

لا. الحرس أخذنا إلى مقره في تلك الجهاة من نهر كارون. ثم أخذوا لنا بناية في آبادان، إذ تركها اهلها.

يبدو أنّ الشهيد محمد علي جهان آرا، قائد الحرس في خرمشهر طلب منك الذهاب إلى طهران وإخبار الإمام (ره) عن خيانة بني صدر والمسؤلين؟

نعم. قال بني صدر لن نعطي الحرس الثوري العتاد. كانت قواتنا دون أسلحة. قال الشهيد جهان آرا: "لو رحلنا، ستخلو الخنادق. أعرف جيدا أنّ الإمام لا يعرف بالوضع هنا. أوصلي نفسك للإمام وأخبريه بخيانة بني صدر". وشعرتُ أنه تكليف ويجب القايم به.

هل رأيت الإمام قبل بداية الحرب؟

رأيته. حين جاء لقم رأيته في لقاء خاص. كانت لديه كلمة في أعضاء المركز القرآني وقال: "أرحب بالأخوات القادمات من خرمشهر من المركز القرآني". خطب نصف ساعة. في بداية الثورة ولأنّ الناس لا تعرف المنافقين، أطلق عليهم مجاهدين خلق وكتبوا شعاراً لهم "فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما". خدعوا الناس والناس صدقوهم أنهم ثوريين. وضعوا خيما لهم في شارع 40 متر خرمشهر ومناطق أخرى واستقطبوا أعضاء. انخرط الكثير من الشباب معهم. وكان الوضع على كل البلاد مشابهاً. عرضنا قضية مجاهدين خلق على الإمام ليسمعه الجميع: "لديّ سؤال يقوم مجاهدين خلق باستقطاب الاعضاء. هل تأيد الدخول في هذه المنظمة؟" فأجاب: "لا".

هل تذكرين من رافقك من النساء في هذه المهمة إلى طهران؟

 

أذكر سهام طاقتي وأختها فخري وفاطمة أبو الحسن وأختي سوسن عابدي وصالح بور وسليمة عيداني وعصمت حبيب زاده زوجة صاحب عبود زاده ونسرين بزاز واحترام رفيعي وزهراء عدالت وسهيلا فرهادي.

كيف خرجتم من المدينة وذهبتم إلى طهران؟

لم نكن نعلم أن العدو يشرف على طريق آبادان/ماهشهر وسربندر ويقصفونه. ضرب العراقيون السيارة التي تتقدمنا. ترجلنا من السيارة. تجادلنا فيما بيننا بين الذهاب والاختباء فأخذنا استخارة هل نذهب من طريق الماء؟ ولأني أقوم بهذا الامر لأول مرة فجاءت في القرآن آية حول هذه القضية. قصة السيد موسى وأمه حين وضعته في الصندوق وتركته في النيل. جاءت هذه الآية. قلت للاخوات: "نذهب وطبق هذه الآية حتى لو رآنا العدو، فلا شأن له بنا". وهذا ما حدث. حين أردنا ركوب القارب، مرت الطائرات البعثية. كانت تطير منخفضة ورؤونا لكن مروا.

كنا عشرة أو خمسة عشر شخصا ودخلنا الماء. قلت لأخت آل بوغبيش: "إذهبي لسربندر وأحضري لنا سيارة لنذهب إلى سربندر". ووصلنا.

هل نقلتكم السيارة من سرنبدر إلى طهران مجاناً؟

لا. لم نظن أننا سنتحاج للمال. أجرنا سيارة، ولكن لم يكن معنا مال للدفع. فهمنا أن ليس معنا مال حين وصلنا لسربندر. بعنا ما لدينا من ذهب لنجمع اجرة السيارة.

متى وصلتم إلى طهران؟

مساء وصلنا لموقف الحافلات. الهواء بارد وثيابنا لا تتناسب مع البرودة. أصبنا بالبرد لأننا نمنا على الأرض.

هل نجحتم في مهمتكم؟

نعم. ذهبنا صباحاً لمجلس الشورى. لم يسمحوا لنا بالدخول. خطبت إحدى نساء الشهداء وقالت: "لماذا لا تدخلوننا؟ لماذا لا تفتحون لنا أبواب المجلس؟ هل تظنون أننا جئنا لمدّ اليد؟ أتينا لقول شيئ مهم". فتحوا الباب ودخلنا. جاء عدة مندوبون وبينهم السيد علي أكبر برورش، عضو شورى الدفاع العالي. كنتُ اعرفه فقلت: "لقد جئت سابقا لخرمشهر وهذه هي أوضاعها". قال: "أقبل كل ما تقولوه وسوف أقوله كله في التلفاز، ولكن لن يتغير شئ بكلامي، لأنّ بني صدر قائد القوات وهو من يتخذ القرار. عليكن قول ذلك للإمام. هو وحده من يستطيع متابعة قضيتكن. إذهبوا للإمام مهما كلف الأمر". قلت: "ألا تستطيع أخذ وقت لنا؟" فقال المندوبون: "كما استطعتن الدخول للمجلس سوف يساعدك الله على رؤية الإمام". رأيتُ ألا شيئ يمكنهم فعله.

هل استطعت لقاء الإمام؟

الوصول للإمام صعب جدا. لا يسمحون لنا برؤيته. قلنا: "جئنا من خرمشهر وليس لقاءنا بسيط". لم نكن نعلم أنّ في مكتب الإمام بعض مؤيدي بني صدر. لم يكن لنا دخل في القضايا السياسية ونريد طرح قضية تتعلق بالحرب ولأنهم يعلمون أنّ حديثنا عن أخبار الحرب ونريد ايصاله للإمام، لا يسمحون لنا بالدخول. قالوا: "هل تريدون ايصال خبر مضى عليه يومان، نوصل له أخبار الساعة".

ساعة صلاة الظهر وكنا مقيدين بالصلاة بوقتها، رأتنا جارة لبيت الإمام وسمعت كلامنا فدعتنا لمنزلها. عرفنا أنّ علاقتهم بالإمام ليست جيدة ورغم ذلك لم يبعدوهم. وبعد الصلاة أخذت المرأة تتحدث بسوء عن الإمام: "قدمتم قتلى، ورغم ذلك لا يسمحون لكن بالدخول". حزنتُ كثيرا قلت: "ليس الامر هكذا. قد يكون عندهم سبب. والإمام لا يعلم بنا".

بعد الصلاة عدنا. قالوا لنا: "نسمح لكن بالدخول، بشرط لا تتطرقن للجبهة والحرب". قلنا: "لا يمكن". فقالوا: "إذاً لن نسمح لكن بالدخول". نُقل الشهيد السيد عبد الرضا موسوي، رئيس الحرس بعد جهان آرا، إلى مشفى في طهران بعد اصابته. وقد هربوا من المشفى لكي يلتقوا بالإمام ويحدثوه عن خرمشهر. رأيتهم. لم يكن استقبالهم جيدا قالوا لهم: "لو كنتم رجالا لحاربتم ولم تهربوا". ومن شدة اخلاصهم لم يخبروهم أنهم جرحى مثل عوائل الشهداء لم يعلنوا عن أنفسهم. قال الشهيد عبدالرضا موسوي: "أحمل رسائل من خرمشهر، إذا لم تسمحوا لنا بالدخول سوف اخبر الإمام، وستندمون، لأنّ رسائلي مهمة جدا". قالوا: "ليدخل ممثل عن الرجال وممثلة عن النساء". اقتربنا أنا والشهسد موسوي من بيت الإمام. وطوال الطريق يسألون الشهيد موسوي: "لماذا هربت من الحرب؟" ويصر هو: "دعوني أرى الإمام". دفعوا موسوي وقالوا له"عدْ". انفتق جرح (بكت الراوية). نادى عليّ وقال: "سيدة عابدي لقد ضربوني". فقدت السيطرة وقلت: "تعيدون وتكررون هارب هارب، الرجل ليس بهارب، هو جريح". طلب مني موسوي العودة ولكني أخبرته لم نأت لكي نعود.

هل عدتم من جماران؟

لا. عاد الأخ موسوي لأنه مجروح. طلبت من كان معي أن يدخل، والحرس حين رؤوا بيننا عوائل الشهداء احترمونا وتراجعوا. حين دخلن هتفن: "أيها الإمام صوتنا لا يصل إليك". طلبوا منا عدم الحديث مع الإمام. انتظرت حتى بتّ الاخيرة. حين وصل دوري رأيت شخص يقف فوق رأسه ويشير لي ألا اتكلم. قبلت يده وتحدثت.

ماذا كان جواب الإمام؟

لم يتحدث الإمام، لكن تغيرت ملامح وجهه. ثم تشاجر معي من كان هناك وقالوا: "لو مرض الإمام فأنت السبب". فأجبتهم: "لو لم تصل للإمام الاخبار الصحيحة سوف يمرض".

هل نقلتن مظلومية خرمشهر لجهة اخرى؟

نعم سكنا في بيت شخص باسم جمشيدي في منطقة نازي آباد. في الأيام الفاطمية وقد تجمع الناس، وتحدثت سيدة ولكنها لم تشر للحرب ولا بكلمة. قلت لزوجة جمشيدي: "هل يمكنني إلقاء كلمة قصيرة؟" في ذلك الوقت كانت مشادات بين التيارات السياسية، خاصة بين اتباع الشهيد بهشتي وبني صدر. لم يكونوا على معرفة بنا. تشاوروا فيما بينهم وسمحوا لي. حين أخبرت الناس عما يحدث في خرمشهر ضجّ المكان. وصل الخبر للحرس. سجلت الاخوات صوتي واخذنه للحرس. وحين علموا أننا على خطّ الولاية طلبوا منا البقاء في طهران.

كم بقيت في طهران؟

أردنا العودة، لكن الحرس طلب منا البقاء. وكنا نقدم كلمات خطابية للناس.

بعد تحرير مدينة خرمشهر، هل عادت نشاطات المركز القرآني؟

نعم. ورغم وجود الألغام والخنادق حتى الخنازير، بدانا عملنا ولهذه اللحظة. والفضل للكثرين منهم العلماء الذين لبوا دعوتنا مثل آية الله مطهري ومظاهري ومشكيني وآية الله نوري والمرحوم علي دواني. منذ الثالثة عشر خطوتُ في هذا الطريق ووفقت لتأسيس المركز القرآني والحوزة العلمية للنساء في خرمشهر.

النصّ الفارسي



 
عدد الزوار: 551


التعليقات

 
الاسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق:
 
ثلاثة كتب من المذكرات

«حَبّ الرّمان»، "ألست إيرانياً؟" و«ثلاثة عشر في سبعة»

من خلال دراسة هذا النص، سوف نتعرف على كتب «حبّ الرمان»، و«ألست إيرانياً» ؟" و«ثلاثة عشر في سبعة».هذه الكتب تحمل ذكريات عن فترة الحرب التي فرضها جيش صدام على الجمهورية الإسلامية. حبّ الرّمان يحتوي كتاب «حبّ الرمان» على مذكرات حسين كرامي. تم إعداد هذا الكتاب المؤلف من 414 صفحة في مكتب دراسات الثقافة والاستدامة في مدينة لرستان ونُشر عن طريق منشورات سورة مهر في عام 1396. أحد عشر فصلا من الفصول الاثني عشر من الكتاب، كل واحدة منها

الطلقة التي لم تنتصر بعد على الحياة

لم تُصنع بعد طلقة تنتصر على الحياة. حبّ الحياة هذا يُصغّر نار الحرب. يحقرها. وإن كانت الحربُ تأخذ اليفاعة من النساء، الأرواح من الرجال والطفولة من الأطفال، ولكن يبقى مصباح الحياة مضيئا حتى تحت الأسقف المنهدمة وتبقي الضوء أمام الانسان. إرادة الانسان لاستكمال الحياة بأي شكل كان هي اعلان رسمي من البشر لأصحاب الطلقات. تأتي الحرب لتأخذ الحياة، ولكن البشر هم ليس فقط لا يرضخون، بل يرتبطون بالحياة في أصعب الظروف ويتقدمون بها. حتى وإن كان كل ما يملكونه على
مقابلة مع السيدة نجمة جماراني،عنصر إغاثة في فترة الدفاع المقدس

مذكرات من أيام حصار مدينة آبادان و فدائي الإسلام

نجمة جماراني هي واحدة من الفتيات الشابات الناشطات طيلة 8 سنوات من الدفاع المقدس، إذ منذ بداية السنة الأولى من الحرب العراقية التي فرضت على إيران حتى نهايتها ، كانت إلى جانب الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى،قد تشارك في جهود الإغاثة في مناطق الحرب والمستشفيات في طهران. تواجدها أثناء الحصار الذي فُرض علي آبادان إبّان الحرب المفروضة و تعرفها علي مجموعة فدائي الإسلام آنذاك، كان السبب وراء تفقدها من قبل مراسل موقع تاريخ ايران الشفهي بإجراء مقابلة
عقد أول برنامج « ليلة مع كاتب»

بختياري دانشور برواية المذكرات

وفقاً لموقع تاريخ إيران الشفهي، أجري أول برنامج «ليلة مع كاتب» للراحل داود بختياري دانشوار من قبل مركز دراسات وبحوث الثقافة المستدامة في 12 من شهر اسفند لعام 1396 في صالة (تماشاخانه مهر) في المركز الفني. تحدث في هذا البرنامج ، مرتضي سرهنكي ، مؤسس مكتب الأدب وفن المقاومة  وداود أميريان كاتب قصصي وحامد خواجه وند ، ابن أخت الراحل بخيتاري دانشوار، عن ذكريات الكاتب. كاتب ماهر بجانب محارب شجاع كان المتحدث الأول السيد مرتضي سرهنكي وقال: قمنا بنشر
نظرة علي كتاب « خطر سقوط الإنهيارات الثلجية»

ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب

«خطر سقوط الإنهيارات الثلجية: ثلاث مقالات عن ذكريات الحرب» ، صدر الكتاب الرابع تحت عنوان  موضوع دراسات الحرب عن مجموعة  كتاب هابيل. وصدر عن دار آرما للنشر في إصفهان حديثاً (بهمن 1396) للكاتب محسن حسام مظاهري. وأوضح مؤلف الكتاب في المقدمة أنّ: «مذكرات كتب الحرب هي أكثر الأعمال عدداً من حيث الأرقام والأعمال التي كتبت ونشرت من أي وقت مضى حول موضوع الحرب بين إيران والعراق». كل عام، يتم إنتاج عدد كبير من المذكرات الجديدة في أشكال مختلفة